صدق انها دُنيا .. وما سُمّيت كذا إلا لدنوّها وزوالها، فأمش فيها مشي الضيف العابر، وخذ من نعيمها ما أباح الله لك، واستمتع بما ساقه إليك، واشكره على الموجود، ولا تُفسد نعمة اليوم بالحسرة على المفقود أو انتظار المجهول، أنت هنا في دار اختبار لا دار قرار .. عش بنفسٍ راضية ما استطعت.
«آتانا مِن كُلِّ ما سَألنا، وتفضَّل علينا بكُلِّ ما أمَّلنا، وآوانا حينما خُذِلنا، وآنسنا حينما كُسِرنا، وزادنا حينما شكرنا، وأسعدنا بما رجونا.. فلهُ الحمد حمدًا وافرًا متواترًا حتى يرضى عنَّا، وبهِ إليه يُقرِّبنا، وبالدرجاتِ يرفعنا، اللهُمَّ لكَ الحَمد»
الذي خسرته هو ملك لله والذي أوجَع قلبك هو عبدٌ لله والرزق الذي تتمناه هو عند خزائن الله والهمّ الذي تحمله على عاتقك هو من عند الله، والمستقبل الذي تخاف منه هو بيد الله، والذي إحترق قلبك لموته فقد رحل إلى رحمة الله نحن من الله وإلى الله، فهل تظن أن الله سوف يتركك وأنت منه وإليه.."
هذه الدنيا عجيبة غريبة، تسعد في أول النهار، تضيق في آخر المساء،تهتم في الليل، تطمئن في الصباح، لا ثبات فيها على حال،لا قرار فيها على أمر ما السبب؟
قال ابن القيم:
"ومن رحمته عز وجل أن نغّص عليهم الدنيا وكدّرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره!"
لو كانت الهداية بالبيئة لاهتدى ابن نوح، ولو كانت بشرف المكان لاهتدى أبوجهل، ولو كانت بتأريخ العائلة لاهتدى أهلُ مكة، ولو كانت بالواسطة لاهتدى أبوطالب، ولو كانت بالجينات لضلّ إبراهيمﷺ، ولكنها منّة الله المحضة مع صدقِ الطلب (بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين)
"يارب، خلقتني رقيقةَ القلب قريبة الدمع، فاجعل رقتي
رحمةً لي لا ثقلاً عليّ، وسخر قلبي لما يرضيك ويُصلحني
اللهم يسّر لي دربًا طيبًا مباركًا، تطمئن فيه روحي،
وتستقيم فيه خُطاي"🤎..
احذر …
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾
تأمل كيف يرسم القرآن شخصيةً كاملة…
لا من مظهرها، بل من أخلاقها.
﴿حَلَّافٍ﴾… يكثر الحلف ليُصدِّق الناس كلامه.
﴿هَمَّازٍ﴾… يطعن في الناس ويعيبهم.
﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾… لا يكتفي بالكلمة، بل يحملها من مجلسٍ إلى مجلس؛ يفسد بها القلوب والعلاقات.
﴿مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾… إذا استطاع أن يمنع خيرًا، منعه.
﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾… يتجاوز حدود الله، ولا يتورع عن الإثم.
ثم تأتي الكلمة الأشد وقعًا:
﴿عُتُلٍّ﴾…
غليظٌ جافّ، قاسي القلب، فظّ الطبع.
ثم يختم الله هذه الصفات بقوله:
﴿بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾
أي معروفٌ بالشر واللؤم.
فتأمل…
قد يجتمع فساد اللسان، وفساد القلب، وفساد التعامل في إنسانٍ واحد…
ولهذا لم يقل القرآن: لا تكن مثله فقط…
بل بدأ التحذير بقوله:
﴿وَلَا تُطِعْ﴾
فبعض الأخلاق الفاسدة لا يكفي ألا تتصف بها…
بل احذر أن تجعل لصاحبها تأثيرًا عليك.
.
لا تظن أن اللطف يُقابل باللطف ، وأن النية الصافية تثمر نية مماثلة ، فالناس يتصرفون وفق نواياهم ونفسياتهم ، لا وفق ما تمنحه أنت لهم ..
هم يعاملونك بما ينعكس دواخلهم ، لا بما تستحقه أنت ، سيفهمونك كما يريدون ، ويؤولون كلماتك بما يخدم تصوراتهم ..
ومع مرور الوقت ، ستدرك أن حسن النية لا يحميك دائما مع الأسف..
.
"وماكنتُ في زيف الحياة بطامعٍ
وماعشتُ عمري للأنام ذليلا
نأيتُ بنفسي عـن أمورٍ كثيرةٍ
ولم أتخذ غير الجميل خليلا
وعاشرتُ من عاشرتُ لينًا وعفةً
وماكنتُ إن شح الزمان بخيلا
أحبُّ سمو النفس عن كل خسةٍ
وللخير أسعى ما استطعت سبيلا "
أقسى ما قد يُبتلى به الإنسان الحنون، أن يُؤلَف عطاؤه حتى يُنسى فضله، وتُؤلَف تضحياته حتى تُحسب عليه واجبًا، ويُؤلَف صبره حتى يُظنّ به ألّا ينفد، ويُؤلَف وجوده حتى يتوهّم الآخرون أنّه باقٍ مهما أساؤوا.
ثم تأتيه لحظةٌ يستردّ فيها وعيه من فرط ما بذل، فيلتفت إلى نفسه بعد غيابٍ طويل، فيرى قلبًا أضناه العطاء، وروحًا استُنزفت في سبيل من لم يشعروا بثقل ما كانت تحمله.
وحين يستفيق الحنون، لا يثور، ولا يعاتب، ولا يستجدي اعتذارًا؛ فقد تجاوزت به الخيبة موضع العتاب. إنما يطوي يده عن العطاء، ويكفّ عن التماس الأعذار، ثم يمضي في هدوءٍ يليق بمن أنهكه البقاء.
فأشدّ ما في رحيله أنه لا يأتيك غاضبًا كي تسترضيه، ولا منكسرًا كي تشفق عليه؛ يأتيك هادئًا، مكتفيًا، وقد انطفأت في قلبه تلك الرغبة القديمة في أن يفهمه أحد..
ستُبتلى في أخذك للقـرآن !
حتى المباح سيُعرض عليك بطريقة
تُلهيك عن أُنس القرآن.
فإن داهمك الفتور .. فاثبت،
وإن تزاحمت عليك الأشغال .. فاثبت
وإن ثقلت عليك الآيات .. فاثبت
فإنما يُنال هذا الطــــريق بالثـبــــات
لا بكثرة البدايات، بل بحسن الاستمرار.