لم تعد بيانات الإدانة وحدها كافية أمام تمادي الحوثيين في اعتداءاتهم على المملكة العربية السعودية. تكرار هذه الهجمات يستدعي موقفاً عربياً ودولياً يترجم التضامن إلى إجراءات رادعة بحقّ هذه الميليشيا الإرهابية وداعميها في طهران.
وقوفنا إلى جانب المملكة وقيادتها وشعبها ثابت لا يتزعزع. أمن السعودية وسيادتها خطّ أحمر، ولن يكون استقرار المنطقة رهينة صواريخ الحوثيين ومسيّراتهم أو حسابات النظام الإيراني
في زمن الأزمات، المطلوب قرارات مسؤولة لا حلولاً تعزز الخسائر. حماية المودعين، إصلاح القطاع المصرفي، واستعادة الثقة…
طريق واحد لإنقاذ الاقتصاد و عودة لبنان الى مساره الصحيح.
أبرز ما جاء في كلمتي خلال حفل عشاء تكريمي أقمته في دارتي على شرف وفد من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو ريغو، وبحضور الممثل الجديد للصندوق في لبنان السيد يحيى سعيد، وعدد من النواب والسفراء والشخصيات السياسية والاجتماعية:
نجتمع اليوم ونحن ننطلق من قناعات سياسية مختلفة، لكننا نتحمل مسؤولية مشتركة: تأمين تعافي لبنان واستعادة ثقة شعبه. وإن حضور زملاء من مختلف الأطياف السياسية يعكس الالتزام الوطني الذي تتطلبه هذه المرحلة.
السيد إرنستو، وأعضاء وفد صندوق النقد الدولي، نشكركم على انخراطكم وتعاونكم. ونحن نقدر شراكة تقوم على الصراحة والاحترام المتبادل والإصلاحات الموثوقة والقابلة للتنفيذ. إن لشركائنا الدوليين دوراً مهماً، لكن مسؤولية تعافي لبنان تقع في نهاية المطاف على عاتقنا نحن. وأود أن أغتنم هذه المناسبة للترحيب بالسيد يحيى سعيد، المدير القطري الجديد لبرنامج صندوق النقد الدولي في لبنان.
لقد شكّل إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف إنجازاً مهماً وضرورياً. فقد وضع إطاراً لتقييم أوضاع المصارف، ومعالجة المؤسسات المتعثرة، وتعزيز الرقابة، والبدء بإعادة تأهيل القطاع المصرفي.
لكن لا يمكن تنفيذ هذا القانون بصورة فعالة بمعزل عن الإصلاحات الأخرى. والخطوة الضرورية التالية هي إقرار قانون عادل وموثوق لتحديد ومعالجة الفجوة المالية.
يجب أن يحدد هذا القانون، بصورة شفافة، الحجم الحقيقي للخسائر المالية، وأن يحدد كيفية توزيع المسؤوليات بين الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية ومساهميها، وسائر الجهات المسؤولة. كما يجب أن يتضمن آلية واقعية وجدولاً زمنياً واضحاً لاستعادة الودائع.
ويجب أن يكون تسلسل تحمّل المسؤولية عادلاً. فلا يجوز تحميل المودعين الخسائر بصورة عشوائية أو غير منصفة. ويجب أن يتحمل مساهمو المصارف والمؤسسات والجهات المسؤولة حصتهم العادلة، وأن تتم حماية صغار المودعين بشكل كامل، مع بذل كل جهد ممكن للحفاظ على الحقوق المشروعة لجميع المودعين.
لقد أحالت الحكومة بالفعل مشروع قانون الفجوة المالية إلى لجنة المال والموازنة النيابية، ونحن نعتبر ذلك خطوة مهمة. إلا أن مشروع القانون بصيغته الحالية يحتاج إلى تعديلات جوهرية قبل أن يصبح إطاراً سليماً من الناحية الاقتصادية، وموثوقاً من الناحية التقنية، وقابلاً للتطبيق، ومتوافقاً مع المعايير الدولية.
ونرى أن المسار الأكثر وضوحاً وفعالية يتمثل في أن تسحب الحكومة مشروع القانون الحالي، وتعالج الثغرات الأساسية فيه، ثم تقدم نصاً معدلاً يكون قادراً على حصد ثقة مجلس النواب والمصداقية الدولية.
أما إذا قررت الحكومة الإبقاء على المشروع الحالي، فإننا نرحب كثيراً بأن يزوّد صندوق النقد الدولي مجلس النواب بإرشادات تقنية واضحة ومفصلة حول المواد التي تحتاج إلى تعديل. ومن شأن ذلك أن يساعد النواب على العمل بصورة أكثر كفاءة، وتسريع الوصول إلى قانون عادل وقابل للتنفيذ ومتوافق مع المعايير الدولية.
وبالطبع، سيقوم مجلس النواب بمسؤوليته التشريعية الكاملة. لكن وجود معايير تقنية واضحة وتعاون وثيق مع صندوق النقد الدولي سيساعداننا على تجنب المزيد من التأخير، وضمان أن يعالج القانون النهائي الأزمة فعلياً، بدلاً من تأجيلها وترحيلها.
إن قانون الفجوة المالية ليس مجرد عملية محاسبية. فمن دون قانون موثوق، لا يمكن استكمال إعادة هيكلة المصارف، ولا يمكن استعادة الثقة، ولا يستطيع القطاع المالي أن يستعيد دوره الأساسي في خدمة المواطنين وتمويل الاقتصاد.
وعلينا أيضاً أن نواجه التوسع الخطير في الاقتصاد النقدي، الذي يضعف تحصيل الضرائب، ويحدّ من الشفافية، ويسهّل عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، ويعرّض لبنان لخطر العزلة عن النظام المالي الدولي.
لكن لا يمكن مواجهة الاقتصاد النقدي من خلال القيود أو التصريحات وحدها. فالمواطنون والشركات لن يعودوا إلى القنوات المالية الرسمية إلا عندما تتوافر لهم منظومة مصرفية سليمة وموثوقة وقادرة على تلبية احتياجاتهم.
لذلك، يتعين على مجلس النواب أن يدقق في مشروع القانون بصورة شاملة، وأن يُدخل عليه التعديلات الجوهرية التي يحتاج إليها، وأن يطرح نصاً موثوقاً للتصويت من دون تأخير غير مبرر. فالاستعجال يجب ألا يأتي على حساب العدالة أو سلامة التقدير الاقتصادي، لكن استمرار حالة عدم اليقين لا يؤدي إلا إلى تعميق المعاناة وزيادة الخسائر.
ويجب أن تترافق هذه الإصلاحات مع تعزيز الرقابة المصرفية، واستعادة مصداقية مصرف لبنان، وتحسين المالية العامة، وضمان شفافية الإنفاق، واستقلالية القضاء، وتطبيق مبدأ المساءلة بصورة متساوية على الجميع أمام القانون.
الزملاء الأعزاء،
إن مسؤوليتنا واضحة: إقرار تشريعات موثوقة، وحماية المودعين، واستعادة نظام مصرفي فعّال.
أدين بأشدّ العبارات المحاولة الإجرامية الجبانة التي نفّذتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران لاستهداف مكة المكرمة، قبلة المسلمين وأقدس مقدساتهم. إنّ هذا العمل الآثم تجاوزٌ لكل الخطوط الحمراء، واعتداءٌ سافر على حرمة الحرمين الشريفين ومشاعر المسلمين في العالم أجمع.
نحيّي يقظة القوات المسلحة السعودية وشجاعتها في إحباط هذا الهجوم، ونقف قلبًا وقالبًا إلى جانب المملكة، شعبًا وقيادة، وفي مقدّمتها وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، دفاعًا عن سيادتها وأمنها ومقدساتها.
هذا الإجرام الحوثي لا يجوز أن يمرّ من دون موقف عربي وإسلامي ودولي حازم يضع حدًا لتهديد أمن المنطقة واستقرارها.
شاركتُ في حفل استقبال المهنّئين بانتخاب الهيئة الإدارية الجديدة لاتحاد جمعيات العائلات البيروتية، متمنيًا للاتحاد وأعضائه التوفيق والنجاح في هذه المرحلة الجديدة.
إنّ دعم الاتحاد هو دعم لبيروت وأهلها، وله دور أساسي في جمع العائلات والكفاءات حول العمل المؤسسي وخدمة المدينة، بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات. ونتطلّع إلى اتحاد فاعل وجامع، يضع مصلحة بيروت وأهلها فوق كل اعتبار، ويحافظ على هويتها وتراثها، ويواكب قضايا أبنائها وتطلّعاتهم.
كلمتي خلال جلسة مساءلة الحكومة:
- نناقش الثقة بالحكومة، فيما أكثر من ثلاثمئة ألف لبناني لا يزالون نازحين، ينتظرون العودة إلى بيوت قد لا يجدونها. هذه المأساة لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت نتيجة مباشرة لسلاح حزب الله واحتكاره قرار الحرب والسلم وارتهانه لإيران، إذ يجرّ لبنان مراراً إلى حروب لم يقرّرها اللبنانيون، فيما يدفعون وحدهم أثمانها.
- ندين الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وهدم المنازل، ونطالب بوقفها وبالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع نزع الجيش سلاح حزب الله وسائر الميليشيات على كامل الأراضي اللبنانية، ضمن جدول زمني واضح وآليات تحقّق وتضمن تنفيذ الالتزامين وبسط سلطة الدولة.
- منحنا هذه الحكومة الثقة مرتين، ونجددها اليوم، لأنها أعادت الأمل واتخذت قرارات جريئة لاستعادة قرار الدولة. لكن الثقة تتطلّب تنفيذاً: حصر السلاح، وعودة النازحين، والإعمار، واستعادة الودائع والمحاسبة، ضمن مسارات متوازية للسيادة والإصلاح والعدالة.
- نؤكد أن استكمال تنفيذ اتفاق الطائف، وفي مقدّمته حلّ جميع الميليشيات وبسط سلطة الدولة بقواها الشرعية على كامل أراضيها، ليس مطلباً سياسياً لفريق دون آخر، بل التزام وطني ودستوري لا تكتمل من دونه سيادة لبنان.
- نطالب الجيش بحماية الحدود ومواجهة الإرهاب وضبط الأمن والتهريب. فهل أمّنّا له التجهيز والتمويل والعيش الكريم للعسكري وعائلته؟
- نطالب وزارتي الدفاع والمالية وقيادة الجيش بكشف سنوي مقارن للأعوام ٢٠١٦ إلى ٢٠٢٥، يحدّد الاحتياجات والاعتمادات المطلوبة والمقرّة والإنفاق الفعلي والمساعدات والفجوة التمويلية.
- نطالب قيادة الجيش بالتنفيذ الحازم لمقررات مجلس الوزراء في ٥ و٧ آب ٢٠٢٥ و٢ آذار ٢٠٢٦، بما يشمل شمال الليطاني، وإنفاذ حظر نشاطات حزب الله العسكرية والأمنية بالتنسيق مع الأجهزة المختصة، وإلزامه وسائر المجموعات بتسليم السلاح دون استثناء، ضمن مهل وتقارير حكومية دورية. تأمين الإمكانات والتنفيذ متلازمان.
- في بيروت، لم يُنفّذ مطلبنا بإعلان العاصمة خالية من السلاح غير الشرعي. وما جرى في برج أبي حيدر يؤكد ضرورة وضع خطة محدّدة المهل لانتشار الجيش وقوى الأمن، ونقاط ثابتة عند الحاجة، ومصادرة السلاح.
- ندعم تنفيذ جميع التزامات الاتفاق الإطاري الثلاثي مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في ٢٦ حزيران ٢٠٢٦، بجدول زمني ومتابعة وتحقّق يضمن التزام الجميع، وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الاعتداءات والعودة الآمنة لأهلنا.
- نصرّ على صندوق للإعمار والتنمية يبدأ فور تسلّم الجيش الأمن في كل منطقة تجريبية، فترافقه مؤسسات الدولة لترميم المنازل والبنى التحتية، وإعادة الخدمات، ودعم المؤسسات الصغيرة والزراعة والصناعة، وجذب الاستثمار وخلق فرص العمل. على أن يخضع الصندوق لشفافية ورقابة مستقلة، وتصل موارده إلى المستحقين عبر المؤسسات الشرعية، بعيداً عن المحسوبيات. وتشمل التنمية جميع المناطق، مع إطلاق المشاريع الآن في الشمال، ولا سيما عكار، والبقاع وسائر المناطق المحرومة، لتثبيت الشباب في أرضهم.
- مالياً، نطالب بقانون عادل وشفاف للفجوة المالية يحدّد الخسائر والمسؤوليات ويوزّع الأعباء وفق المعايير الدولية، دون تحميل المودعين مجدداً أخطاء الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وبخطة لاستعادة الودائع تحمي صغار المودعين وتحدّد المهل والتمويل، وإعادة هيكلة المصارف بتقييم مستقل ورسملة ومعالجة للتعثّر، لاستعادة الثقة وتمويل الاقتصاد.
- نطالب باستكمال القوانين والإصلاحات لبرنامج قابل للتنفيذ مع صندوق النقد الدولي IMF، ضمن رؤية تحمي المودعين، وتضبط الإنفاق. ونطالب بسياسة ضريبية عادلة ومتوازنة تراعي قدرة المواطنين والمؤسسات على الدفع وتحفّز الاستثمار والإنتاج. لا يجوز أن تبقى زيادة الضرائب الخيار الأسهل.
- قضائياً، نطالب باستقلال فعلي، ونطالب بإعادة هيكلة المحكمة العسكرية التي خضعت لنفوذ سياسي، وأُحيل إليها مدنيون باتهامات كيدية. المطلوب حصر اختصاصها بالعسكريين والأمنيين في الجرائم المرتبطة حصراً بوظائفهم، ونقل المدنيين نهائياً إلى القضاء العدلي، نريد إصلاحاً يمنع الظلم، فلا يبقى العفو العام علاجاً لتراكمه.
- سنساند السيادة وتمكين الجيش، والإصلاح واستقلال القضاء وحماية المودعين، والإعمار وعودة النازحين. فلا سيادة دون حصرية السلاح، ولا استقرار دون إصلاح وعدالة، ولا ثقة دون تنفيذ ومحاسبة.
- إيماناً بلبنان سيّد، واقتصاد منتج، وعدالة للجميع، ودولة واحدة وجيش واحد وسلاح واحد وقرار وطني واحد، أعلن دعمي للحكومة وأمنحها ثقتي.
ببالغ الحزن والأسى، تلقيت نبأ رحيل النائب السابق دوري شمعون، الذي شكّل رحيله خسارة وطنية وسياسية، إذ ترك بصمةً واضحة في الحياة العامة، من خلال مسيرة حافلة بالعطاء الوطني والمواقف المدافعة عن لبنان وسيادته واستقلاله.
أتقدّم من عائلته وذويه ومحبيه بأصدق مشاعر التعزية والمواساة، سائلًا الله أن يلهمهم الصبر والسلوان.
ما جرى في برج أبي حيدر يؤكد مجدداً أن السلاح المتفلّت تهديد مباشر لأمن أهل بيروت وحقّهم في العيش في مدينة يسودها القانون.
لطالما طالبنا ببيروت آمنة وخالية من السلاح، واليوم لم يعد مقبولاً تأجيل التنفيذ. المطلوب كشف ملابسات الحادثة كاملة، ومحاسبة جميع المتورطين وكل من حرّض أو وفّر الحماية، من دون استثناء أو تسويات أو غطاء سياسي.
بيروت يجب أن تكون خالية من السلاح، في جميع أحيائها ومن دون أي استثناء. عاصمتنا للدولة والقانون، لا للسلاح والفوضى.
في ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميّل، نستحضر مشروعاً وطنياً ارتبط ببناء دولة قادرة، سيّدة على كامل أراضيها، تحتكر قرارها الوطني وتحمي أبناءها بمؤسساتها الشرعية.
تبقى رؤيته للبنان الواحد، بحدوده الكاملة، ودعوته إلى قيام دولة قوية وجيش وطني موحّد، حاضرتين في صميم الرؤية التي يحتاجها لبنان اليوم، وفي حق اللبنانيين بدولة مستقرة، سيدة، مزدهرة وآمنة.
رحم الله بشير الجميّل، ولتبقَ قضية الدولة وسيادتها فوق كل اعتبار.