يحكي أنه كان هناك 150 بطل، قابلوا ربهم، دون أن يعلم عنهم أحد..
اليوم يتأكد كل شيء، ويخرج المتحدث الرسمي باسم كتائب أبطالنا في القطاع، ينعى رجالا رفضوا الاستسلام لأحط العدى، وفضلوا البقاء في الأنفاق حتى ملاقاة خالقهم..هل تتخيل الأمر..دعني أقرب لك جزء من ألف من الصورة..
هناك شباب حملوا سلاحهم وظلوا يتنقلون طوال عامين من نفق لنفق..ينتهزون الفرصة، يطلون برأسهم، يحملون قاذفاتهم، ويثخنون في العدو..قليل يعود، وكثير يرتقي..عامان صمد فيهم خيرة شباب الأرض، كما لم تفعل جيوش نظامية مدربة انهارت في أيام وأسابيع، أمام قوة تقل ألف مرة عما واجهه أبطالنا..ثم قيل لهم.. انتهت الحرب باتفاق ترامب الذي أزهقت من بعده أرواح خمسمائة شخص..
انتهت الحرب بعد الإفناء الكامل..ووجدوا أنفسهم عالقين وأمامهم أحد مصيرين..إما استسلام ذليل يرغب فيه العدو كصورة نصر أخيرة للمحارب وهو يرفع راية بيضاء ويسلم عتاده..أو البقاء في أنفاق خانقة..اغمض عينيك لحظة ثم تصور أنك في مساحة تسع بالكاد جسدك..جسدك الهزيل الذي يعاني الجوع لعامين، بلعومك المتشقق من قلة المياه، ثيابك المهترئة على جسد رطب من العرق، وبدنك المتشنج من نوبات ألم الجوع والبرد والعطش..تخيلت؟..هذه بالضبط كانت نهاية هؤلاء الأبطال..
كان يمكنهم التسليم والوشاية بزملائهم..الحروب تخرج أسوأ ما بالنفس البشرية، تفاجئك بما لم تكن تتوقعه عن نفسك، حب النجاة والتعلق بالحياة وكراهية الرحيل قد تدفعك للتخلي عن زملائك..لكنهم والله ما فعلوا، لأنهم على عقيدة لا تعرف سوى تقوى الله في الدنيا ولقائه الكريم في الآخرة..لا تعرف سوى الوطن والشرف والسلاح..في عز ما باع الكل، اشتروا بأرواحهم وأموالهم دينا ووطن..في عز ما كانت البارودة عند الكل مرحلة، يجنون من بعدها ثمار التنسيق الأمني، رضوا هم بفتات العيش وتراب الوطن، ولو كان الوطن في النهاية نفق..
ثم باعتهم الأمة فلم تطق حرا يذكرها بعبوديتها، ولم تقبل أن يحيا بين ظهرانيها كريما وهم منكسو الرؤوس..150 من خيرة شبابنا يقفون بين يدي الله..قابلوه ركعا سجدا، مقبلين لا مدبرين، صناديدا لا رعاديد..قابلوه على الفطرة التي غرسها في نفوسهم..رجال لا يقبلون الضيم..لا يرتضون الدنية في وطنهم ودينهم..قابلوه أحرارا في زمن العبيد المرصعة رؤوسهم بتيجان لا تساوي ذرة تراب عالقة في كعوبكم..
عزيزي البطل الذي ارتقى في الأنفاق وحيدا، متألما، جائعا، ظمآنا..صديقي بالألم وأخي في الدين والوطن..لا أعرف لك اسما، ولا أملك لك صورة..لكن قسماً بمن رفع السماء بلا عمد، لذكراك عندي باقية ما بقى في الصدر نفس، ولتكونن بطولتك على لساني خالدة، ما بقى في القلب قبس..وإن نساك الكل أتذكرك..جنات النعيم مثواكم، والسقيا من يدي نبينا الأكرم عزاؤكم..عزاؤكم عن عالم أفاق وعروبة مهزومة وأمة من المحيط للخليج ظننتم أبنائها إخوة لكم، فكانوا عليكم ضباعا وللعدو نعاجا..عزيزي الذي لا أعرف عنه سوى بطولته..تقبلك الله وأعز من أعزك، ونكس بالذل والعار رأس من تآمر عليك وخذلك..سلام لكم يا ساداتنا وتيجان رؤوسنا.
هناك مظاهرات خرجت في قلب تل أبيب نفسها تدعو لوقف المجاعة..تخيل؟..إن عدوك يفرط في استباحتك لدرجة إنك تصعب على كام نفر منهم، فيخرجوا يقفوا في وجه حكومتهم..وبالمناسبة تخيل برضه إن أيام صابرا وشاتيلا يوم أن أزهق شارون أرواح 3000 من أهالينا في لبنان، بالاستعانة بالكتائب المسيحية بقيادة إيلي حبيقة ومارون مشعلاني..يومها خرجت أضخم مظاهرة في تاريخ تل أييب من 400 ألف شخص وهما اللي دفعوا شارون للاستقالة، وكان العرب وقتها بيرقصوا على أنغام انتصار فريق منهم في كأس العالم لكرة القدم..مش لأن عدوك إنسان ولا حاجة..ده هو اللي سرق أرضك وأقام عليها بيوت ومستوطنات..لكن عملية استهدافك كانت مروعة انسانيا وغير مسبوقة في التاريخ لدرجة إن الحجر نطق..ونطق أصلا لأنه خايف على سمعته..بس نطق..كل ده واحنا عايشين وسط 400 مليون عربي كانوا أكثر انحطاطا من العدو تجاه أهلهم..تاجروا مع العدو وعملوا مهرجانات ورقصوا ومنعوا الأكل والشرب عن مليوني روح وهادوا ترامب بخمسة تريليون دولار..لما التاريخ يكتب واحدة من أحط صفحات العرب هيقول إن في اليوم اللي الجامعة العربية طالبت فيه فقط بوقف المجاعة، كأنهم غرباء يعني والمجاعة في فنزويلا مش وسط أهلهم وعلى حدودهم..كانت شاشة الجزيرة تنقل مظاهرات بعض أبناء العدو من داخل أراضينا المحتلة وهم يطالبون بوقف المجاعة..حتى القمامة لن تضم رفات الخونة من العرب منا، وحتى الضباع سوف تأنف أن تأكل من جيف أجسادهم.
بريطانيا أعلنت استدعاء سفيرها لدى العدو، ووقف تصدير السلاح، وتعليق محادثات التجارة..وحقيقي هذا أكبر تصعيد غربي ضد حكومة العدو منذ عام ونصف..لكن تذكر جيدا أن بريطانيا عدو هي الأخري وأن تلك هي ثياب الحملان لا أكثر..بريطانيا نفسها أصدرت ١٠٨ رخصة لتصدير السلاح للكيان، وهي التي أرسلت ٨٦٣٠ شحنة ذخائر استخدمت في إسقاط ألوف مؤلفة من أهالينا وهي التي بررت ودافعت عن الإجهاز على المشافي والمدارس بحجة أنها تأوي مطلوبين..اليوم يحاول الرجل الأبيض بعد أن تسبب هو أولا في توفير الغطاء الكامل لإزهاق أرواح خمسين ألفا وتشريد مليونين ونصف، اليوم يحاول أن يغسل سمعته على أجساد مئات ألوف المكلومين..موقف يذكرني بونستون تشرشل لما أمر بمصادرة كل الحبوب الموجودة في بنجلاديش وتحويلها لخدمة المجهود الحربي البريطاني والاسترالي في الحرب العالمية الثانية مما تسبب في مجاعة هائلة راح ضحيتها قرابة مليوني بنجالي عام ١٩٤٤..وقتها كتبت الصحافة وانتقدت تجويع المستعمرات لرخاء الإنجليز..ف كتر خيره تشرشل أرسل ثلاث سفن لإطعام ستين مليون بنجالي وكانت الكاميرات حاضرة لرصد لحظة استثنائية لعطف الرجل الأبيض..بريطانيا وألمانيا وكندا وفرنسا وقبلهم شيطان العالم الأكبر واشنطن هم أعداء بالتعريف..وثاراتنا معهم لا تقل أبدا عن ثاراتنا مع العدو الذي لولاهم ما كان جبروته..والهزيمة، كل الهزيمة، هي أن ننسى أو نغفر أو نسامح.
هذه ليس شارت عملة رقميه
هذا شارت سلعه في العقود الاجله في السوق الامريكي ل عصير البرتقال رمز OJ
طبعاً هبوط السلع بهذا الشكل اشارة علي انحصار وتراجع كبير في التضخم.
معلومة :-
إذا انخفضت عقود النفط و النحاس والقمح معاً
فهذا قد يعني أن الشركات ستدفع أقل على النقل والمواد الخام.
وهذا قد ينعكس على انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية يعني تضخم أقل .
هبوط السلع يجعل المنتجات والخدمات أرخص.
لذلك يرى الاقتصاديون أن هبوط السلع = إشارة لانخفاض التضخم مستقبلاً
اتوقع بدايه تخفيض الفايده من الاجتماع القادم في مايو و بداية العمل علي التيسير الكمي .
ولكن وجب التنويه علي شيء .
كما ان تراجع عقود السلع ايجابي في انخفاض التضخم و لكن هناك شعره بين تراجع التضخم و دخول الاقتصاد في ركود اذا استمر انهيار اسعار السلع .
بعني لا يجب ان تنهار اكثر من الازم و لا ترتفع اكثر من الازم . نريد استقرار بعد الانخفاض.
و معلومة اضافيه بالنظر الي وضع السلع ينفي تماماً توقعات الركود التضخمي و الركود القادم ركود انكماشي واضح علي اداء السلع الاستراتيجية و الاساسية .
و بعد تحليل اغلب مؤشرات و الشارتات السلع علي فريم اسبوعي هي في مناطق ارتداد و مسار عرضي و لم تدخل في مرحله الركود .
و الله اعلى و اعلم .
هل كان طوفان الأقصى فعلًا يستحق هذا الثمن؟..خمسون ألف شهيد ومليوني مشرّد ومدينة بالكامل مُحيت عن بكرة أبيها..هل غامر السنوار بالشعب الفلسطيني واتخذّ قرارًا مجنونًا؟..والآن تقبل حماس الصفقة بعد 500 يوم من المأساة..مقابل ماذا؟..أسرى مُحررون بالمئات، بينما اعتقل من سكان غزة قرابة 17 ألف بعد السابع من أكتوبر؟..كلها أسئلة منطقية ومشروع أن تُثار في عقل أي غيور على غزّة..لكن..الإجابة أعقد من الظاهر بكثير..
غزة كانت مدينة جميلة قبل الحرب..بيوت وشوارع وشواطيء ومدارس ومشافي..صحيح..كانت فعلًا مدينة بهيّة..لكن السنوار ورفاقه لم يريدوا هذا الأمر تحديدًا..الجمال والهدوء؟..لا..المقايضة..هدف الفلسطيني منذ انطلاق العمل الفدائي في منتصف ستينات القرن العشرين هو تحرير الأرض..دولة من النهر إلى البحر عاصمتها القدس..تولّت حركة فتح زمام المقاومة ونجحت في إحياء القضية في نفوس الناس، حتى انقلبت على أعقابها، وسلّمت سلاحها مقابل كرسي في رام الله..مقابل أن يعمل الفلسطيني المقاوم سابقًا كمخبر للإسرائيلي على أبناء شعبه.
ونال الشعب الفلسطيني في الضفة ما يشبه دولة..علم ومقر حكومي وموظفين وبنوك..لكن لا حدود ولا شعب يعود ولا جيش يسود..المواطن في الضفة ارتبط بمكاسب اللحظة الراهنة..لماذا أحمل السلاح وأنا بإمكاني الانتفاع من الإتجار مع الإسرائيلي ؟..ولماذا أجازف بحياتي وأنا في رقبتي أسرة وأقساط ثلاجة حديثة أرغب في شرائها؟..توزيع مكاسب الهزيمة هو ما أجاد الإسرائيليون فعله بطريقة مدهشة استغلت الاحتياج الإنساني الطبيعي للاستقرار..لا قضية ولا وطن في مقابل أن تحظى من تحت الضرس وعبر ألف معبر بشيء يشبه حياة البشر خارج الضفة..وبمقدار ما تتخابر بمقدار ما أفرج عن ضرائبك من البنوك الإسرائيلية..والنتيجة استئناس الشعب في الضفة..وتحت شعار العقلانية ومصلحة القضية مُررت أقصى أنواع الخيانات..من أوسلو إلى قضية جولدستون.
تحويل غزّة لضفّة أخرى كان هو غاية المراد الإسرائيلي..ويُمكن ملاحظة النمط بوضوح..حماس تحكم؟..لا بأس..تنتج قدرات عسكرية؟..حسنًا كل بضع سنوات حرب خاطفة لإعادتها للمربع الأول..مع السماح بتدفق المساعدات وإعادة الإعمار وتوفير مظاهر الحياة التي تبدو للوهلة الأولى آدمية..وفي الخارج تقف ترسانة عسكرية إسرائيلية هائلة تفصل القطاع عن العالم وتستغل احتياج الناس للتفاوض على عقيدة الحكم..الخروج للعلاج من السرطان في المشافي الإسرائيلية مقابل التجسس..السماح بدخول مواد البناء مقابل وقف إطلاق الصواريخ..كانت الصفقة واضحة..تحكم حماس غزّة، تتوافر المنتجات، يمرح السكان في بعض مظاهر الاستهلاك السلعي والتي هي أقل مما يُتاح لأقل مواطن في أحراش الأمازون..والنتيجة؟..تضعف همّة الناس، تحسب حماس ألف حساب لكرسيها..ترضى بالحكم مقابل تقليم السلاح، ويرضى الناس بالفتات في سجن مفتوح بدلًا من الحرية في وطن كامل.
المشكلة الكبرى.أن حماس رفضت في غزة ما قبلته السلطة في الضفة..رفضت أن تحتفظ بالكرسي للأبد مقابل أن تتحول لآلة قمع لشعبها..رفضت أن تتخلى عن مشروع الوطن الحُر مقابل الحكم في مساحة مائتي كيلو متر مُقتطعة منه..حماس تمسكّت بالرومانسية الفلسطينية الكلاسيكية بأن شرف المواطن في سلاحه، وعقيدة الفلسطيني هي أرضه..ولم تُدرك حتى حدود السابع من أكتوبر..أن الفلسطينيين ليسوا سواء..منهم من باع شرفه وأرضه ودينه للإسرائيلي..ومنهم من رضى وخنع وسلم وآثر السكوت..وأن الفئة القليلة الموجودة في غزة هي شبح فلسطيني من زمان قد ولى..وذلك كان خطأ التقدير الأولي من السنوار وأبو خالد الضيف حينما توجه الأخير بنداء لأبناء الضفة والداخل المحتّل للخروج والفداء..والنتيجة صمت الحملان المستأنسة..في تلك اللحظة تحديدًا تجلّى معنى الانقسام الفلسطيني..ليس انقسام أحزاب وتيارات وحركات..لا..بل انقسام حول القضية نفسها..بين مقاوم مؤمن بالحريّة، ومنتفع رضى بالدنيّة.
وماذا عن فارق القوة العسكرية بين القسام وإسرائيل..هل أخطأت المقاومة في تقديرها؟..لا..بالتأكيد..أي حركة مقاومة تعلم بالضرورة أن فارق القوة بينها وبين المُحتّل هو بالضرورة عملاق، وإلا ما كان الاحتلال قد نشأ بالأساس..والقسّام أعدّت ما يكفي من القوة التي تضمن ليس فقط تحقيق نصر ساحق في السابع من أكتوبر، بل والصمود تحت الأرض وإيلام العدو فوقها لشهور طويلة..وبالفعل..الثلث الأول من الحرب كان كابوسيًا على الإسرائيليين، صمود أسطوري وقدرة مدهشة على إخفاء الأسرى..لكن ما فاجأ المقاومة، فاجأ العالم كلّه..هو الترسانة الغربية المتاحة أمام إسرائيل..لم يسبق في تاريخ الاستعمار أن حظيت قوة بهذا الدعم كما حاز نتنياهو..في حرب الهند-الصينية عام 1956 سئمت أميركا من دعم فرنسا بحريًا وجويًا في فيتنام..وتركتها لهزيمة مذلّة في ديان بيان فو حيث قُتل 16 ألف جندي فرنسي..الأوروبيون نفضوا أيديهم عن الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا عام 1904 بعد جرائمه في حق الشعب الكونجولي وأجبروه على التخلي عن الكونغو كملكية شخصية..والأمثال كثيرة.
لكن هذا الاصطفاف الاستعماري وراء إسرائيل كان أمثولة شارحة لطبيعة المعركة التي تخوضها الحضارة الغربية بأكملها في وجه البؤر المتمردة من أوكرانيا لبحر الصين الشرقي وحتى قطاع غزة..حماس لم تكن تقاتل إسرائيل وحدها..كانت الحرب لتنتهي في أيام وليس شهور..حماس كانت تحارب منظومة قيمية تعلم أن هزيمتها في غزة سوف تلحق ضرر بالغ بالنموذج الغربي بالكامل..وتكثيفه هنا إسرائيل..إسرائيل للغرب في المنطقة ليست وكيلًا استعماريًا قائم على إدارة شئونها فحسب..بل نقطة التقاء خيوط شبكة العنكبوت التي أسّستها الآلة الاستعمارية - الرأسمالية الغربية..السيادة الإسرائيلية تضمن بقاء الأنظمة الرجعية، الملكية منها والعسكرية، تضمن استمرار شبكات الاستغلال تحت حجة الحماية، تضمن تأخير مطالب الشعوب بحريتها الأساسية، وتضمن استنزاف الموارد للحرب وليس للتنمية الوطنية..لا نتحدث عنها عن زوال إسرائيل..بل عن ضعفها أو اضمحلال سيادتها الذي قد يقود لتأليب واسع للمنطقة وخروجها من تحت العباءة الأميركية..هذا ما تحدّته حماس..لم تكن المعركة غزّة أبدًا..بل عالم عربي حرّ لأول مرة في تاريخه.
وماذا عن مئات ألوف الشهداء والجرحي..أليست دماؤهم في رقبة السنوار وحماس؟..هذه هي المغالطة التي يروج لها أنصار معسكر التطبيع العرب..بل دماؤهم في رقبة العربي الذي حاصر جيرانه، في رقبة الإسرائيلي الذي قصف، وفي رقبة الغربي الذي دعم بالسلاح..في رقبة سلطة ‘‘وطنية‘‘ متعاونة ذهبت لتقمع جنين في عز سحق غزة...كل ما أرادت حماس فعله من المعركة هو تنبيه العالم إلى أن هناك شعب لا يقبل نسيان حقه، ولا تمييع قضيته..وكان الثمن مريرًا..والآن يسهل إدعاء الحكمة بأثر رجعي..الندم على معركة كانت هي الأنبل في تاريخ العرب..هذا أصلًا هو هدف الآلة الإبادية الأميركية-الإسرائيلية..أن تجعلك تندم على الطوفان، أن تتعلّم أن ثمن مواجهة إسرائيل هو السحق المطلق، وأن تذهب إلى التطبيع هرولة لا طمعًا في المنافع بل خوفًا من المدافع...قالها الإسرائيلي في بداية الحرب..بأنه، ولثمانين عام قادمة، لن يجرؤ عربي على تحدّي إسرائيل ومن هنا كانت المقتلة..وما يُروج له كخيار العقل..هو أصلًا ترويج للسردية الإسرائيلية..المقاومة ثمنها الإفناء.
لم يكن السنوار رجلًا مجنونًا ليشعل المنطقة..في كتب التاريخ هناك الكثيرون من أمثاله ممن نعتوهم بالجنون والخبل..كان هناك ثورة الملاكمين في الصين وحينما سقط مليون قتيل صيني ضد جيوش 8 دول غربية عام 1901 نعت الكل المقاومة الصينية بالخبل لأنها تجرأت على المساس بالمبشرين الألمان..العالم كله وسم ‘‘هو تشي منه‘‘ بالجنون لأنه تجرأ وخاض في عشرين عامًا حربين ضد قوتين نوويتين وراح ضحيتها أزيد من خمس ملايين فيتنامي..الكل يصم أبطال الحرية بالجنون..لكن ما جعل الصين وفيتنام تلقى بعد ذلك تقديرًا عابرًا للحرية والفداء مقابل أثمان باهظة..أنها انتصرت في النهاية..ولم تنتصر إلا بالدعم الخارجي..بمليارات الدولارات التي ضًخت في أيدي مقاتليهم..لا لموازنة الكفة مع الاستعمار بل لإتاحة مجال للتنفس..أما السنوار..فقد خنقه الكل..كبلوا أقدامه ويديه وغطّوا عينيه..واذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون..ثم يستنكرون لمذا لم تأت بالنصر المطلق؟..
وحتى بعد كل ذلك وقفت حماس في شمال غزة لتفسد مخطط الجنرالات..مقاوم بأدوات بدائية منع تقسيم القطاع وتهجير أهله وإقناء القضية مرة واحدة وللأبد..المدهش أن حماس رغم كل ما أنفق على إفنائها لم تمت..وفي الوقت الذي انهارت فيه قوى إقليمية أشد تجهيزًا منها ألفي مليون مرة..جلست هي حتى اللحظة الأخيرة على قدم المساواة مع الإسرائيلي لتنتزع اتفاق هدنة..ربما تتراجع في قادم الأيام خطوتين للوراء وتفسح المجال -برضاها المطلق- لبديل فلسطيني يتولى تسيير أوضاع القطاع..لكنها لم تفنى لا الحركة ولا الفكرة التي تمثلها..المقاومة..هذا بلا شك وقت لملمة الجراح الفلسطينية الهائلة..وقت استيعاب الصدمة وإعادة بناء المجتمع من تحت الصفر بألف درجة..لا شك..هذا حتى ربما هو وقت الغضب المكتوم..لكن وأنت تفعل..تذكّر جيدًا أن حماس كانت بمقدورها أن تجعل غزّة نسخة من الضفة، بل ويجلس السنوار ملكًا متوجًا مع فصيله لألف سنة قادمة..لكن الحركة قبلت أن تفنى هي وقيادتها وألوف مؤلفة من مقاتليها في سبيل ألا تكون فلسطين مرحلة هامشية..ألا يتحول الفلسطيني ‘‘لهندي أحمر‘‘ جديد..نقرأ عنه في كتب التاريخ ونرى نماذج منه باقية كأحفوريات..وآخر ما يناله منّا هو مصمصة الشفاه.
هل ترغب حقًا في معرفة خطيئة السنوار؟..أنه كان حرًا في زمن إخفاض الرؤوس وإحناء الهامات..أنه كان بطلًا في زمان عربي لا يُمجد فيه إلا الخونة..أنه كان فلسطينيًا أكثر من المطلوب !
صور المقابر الجماعية في غزة مرعبة..
مئات البشر تعرضوا للتعذيب وسلخ الجلود ونزع الأعضاء وقطع الرؤوس ودفن بعضهم أحياء حتى الموت في مجمع ناصر الطبي في قطاع غزة..الواحد كان يعتقد أن هذه الأمور انتهت من العالم..انتهت منذ الإبادة في رواندا سنة 1994 لما قتل الهوتو أبناء عرقية التوتسي، أو مجزرة سربرينتشا في البوسنة أو مع الحرب العالمية الثانية لما قتل السوفييت عشرين ألف بولندي في مجزرة غابة كاتين.
لكن اليوم نشاهد تلك الصور على البث الحي..كيان استيطاني هجين يسلخ رؤوس البشر ويدفنهم أحياء..كيان مدعوم من الدول ‘‘الديمقراطية‘‘ يستجوب الناس ويعدمهم دون محاكمة..فقط لإرضاء غريزة القتل والعقاب الجماعي..عالم بأكمله يتآمر على غزة..عالم اهتزت كل أركانه من أقصى الأرض لأدناها، لدرجة تخلت فيها أميركا عن حياء الديمقراطية الزائف، وبدأت في اعتقال أساتذة جامعيين بطرق وحشية من الضرب والتكبيل وسحق اعتصامات ألوف الطلاب، فقط لأنهم يرفعون اسم غزّة في مظاهراتهم.
غزة، مع الوقت نكتشف، أنها لا تحارب نيابة عن أهلها بل نيابة عن قيمة يرغب العالم في محوها..الحرية..فكان جزاء أهلها التنكيل والتقتيل والدفن أحياء..اذكروا مساويء عدوكم..احفظوا المجازر، ورددوا في قلبوكم كل الأدعية المُسالة على ألسن المغدورين وهم يساقون إلى المذبحة..الهزيمة سوف تبدأ بالتعود والنسيان..كم من شعب سامح في حقه ونسى أهوال المجزرة فكان مصيره الإبادة والفناء..واسألوا أهالي أميركا الأصليين، وقد أصبحوا أثرًا بعد عين..اسألوا شعوًبا كانت تحيا بيننا لقرنين خلوا، ثم أصبحوا كلمة في سطر في ورقة في كتاب التاريخ.
كل ما يرغب به الصهاينة هو تحويل الفلسطيني لذكرى بعد محو آثاره..وقتها فقط..حين يسكت صوت الفلسطيني الأخير..سوف يفتحون دفاتر الاعتذارات..‘‘عفوًا..أبدناهم لضروة تاريخية وها نحن نعتذر‘‘..يحب الغرب المتقدم الاعتذار جدًا بعد إفناء البشر، لكنه سوف يسحقك ما دمت تقاوم..وغزة تقاوم عنّا، عن أولادنا وأهلينا وأموالنا وأخلاقنا..وغزة أبدًا ليست نهاية شرهم..سيبدأون بالغزاوية وسينتهون بكل بيت عربي..احفظ أعدائك..وقبل الصهاينة الذين داسوا على الزناد، تذكّر الأميركي الذي دفع إلى اللحظة مبلغ يفوق 40 مليار $ لقتلك..حتى عندما يحين وقت الحساب، لا يلومنا لائم على رد الدين !