د. عبد الله بن بلقاسم
حين بكى أبي
في شبابي كنت أصلي إماما بالجماعة في مسجد حينا والوالد -غفر الله له ولوالديكم- يصلي معنا.
وذات صلاة وقد انفتلت إلى المصلين رأيت الدموع تنسكب على خديه
والجماعة قليلون فانتظرت حتى انصرفوا ثم زحفت إليه لأسأل عن أسباب بكائه
وخشيت أن يكون من ألم أو موقف أو مرض
ما الذي يبكيك يا أب��:
فقال لي كلمة مع مرور عقود من الدهر لم أنسها قط
قال:
نظرت إلى قدميك وعقبيك فخشيت عليها من النار ورجوت الله ألا يعذبها ثم بكى واستعبر من جديد
ولا أدري حتى الساعة لماذا تذكر ذلك في تلك الصلاة
وقد كانت في غالب ظني صلاة سرية فلا أقول تأثر بآيات سمعها.
هل خاف علي من الرياء؟
هل رأي قدمي لا تزال غضة في الشباب فتذكر كيف تحرق الأقدام في النار فخاف عليها.
هل هي موجة محبة والد عصف بقلبه الحب؟
لا أدري
لكن الذي أعلمه أن هذا هو غاية المحبة للأولاد ونهايتها الإشفاق عليهم من النار
قال قتادة في قوله تعالى
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِج��ارَةُ﴾ يقيهم (أي الوالد) أن يأمر��م بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليه بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها.
إذا رأيت وجوه أولادك وأجسادهم وغشيتك الرحمة بهم فاجتهد في تعليمهم أمر الله وتحذيرهم عقابه
واجعل علاقة بينكم التقوى.
فأحبهم إليك أتقاهم وأطوعهم لله.
وأقربهم منك أبعدهم عن معصية الله
لا الوظائف ولا الشهادات ولا الأموال.
الدنيا دار امتحان فقط، نتفاوت فيها بالصفات والعطايا والنقائص لأجل الامتحان فقط، ثم نرحل فجأة للحساب ونترك كل شيء.
كم مرةً نتذكر هذه الحقيقة الجوهرية كل يوم؟