مهما كان وضعك المادي، المهني ، الشخصي ، مركزك الإجتماعي، عوّد نفسك على قول :
"اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
اللهم أدم علينا نعمك وبارك لنا فيها وإحفظها من الزوال".
أعترف أنني أحيانا أشعر بتوتر غريب عندما لا يكون لدي أي عمل أؤديه أو مهمة أركز عليها. في اللحظات التي يفترض أن تكون هادئة، يبدأ ذهني بالعمل بشكل مفرط، وكأن السكون نفسه يثير داخلي نوعا من القلق. كنت أظن أن هذه الحالة مجرد عادة شخصية أو نتاج الانشغال المستمر، لكن حين بدأت أبحث في نظريات علم النفس، اكتشفت أنها ظاهرة موثقة ولها جذور معرفية وعصبية واجتماعية معقدة.
الاولى: التنافر المعرفي
(Cognitive Dissonance Theory – Festinger, 1957)
تقول هذه النظرية إن الإنسان يسعى إلى التناسق بين أفكاره وسلوكياته. حين أؤمن – بوعي أو دون وعي – أن قيمتي ترتبط بالإنتاج والعمل المستمر، تصبح الراحة فعلا يتعارض مع هذا الاعتقاد، فينشأ التنافر بين “ما أؤمن به” و”ما أفعله”. النتيجة هي شعور بعدم الارتياح الذهني أثناء الراحة، أي توتر حتى في غياب الأسباب الظاهرة له.
الثانية: نظرية الذات المثالية
(Ideal Self Theory – Rogers, 1951)
كارل روجرز يرى أن القلق يظهر عندما تكون هناك فجوة بين الذات الفعلية والذات المثالية. في مجتمعاتنا الحديثة، غالبا ما تتشكل الذات المثالية حول صورة الشخص المنتج والمنجز. لذلك، حين أتوقف مؤقتا عن العمل، أشعر وكأنني ابتعدت عن تلك الصورة التي أقيم بها ذاتي. هذا الصراع بين “من أنا الآن” و”من يفترض أن أكونه” يولد قلقا خفيا يصاحب لحظات الفراغ.
الثالثة: القلق الوجودي
(Existential Anxiety)
من المنظور الوجودي (كما عند فيكتور فرانكل وريل ماي)، يرتبط القلق بالبحث عن المعنى. عندما يختفي العمل أو الهدف المحدد، يواجه الإنسان فراغا مؤقتا في المعنى، فيتولد إحساس بعدم الجدوى. وهكذا يتحول السكون إلى مساحة مليئة بالأسئلة الوجودية: ما الذي أفعله الآن؟ هل أنا أضيع وقتي؟ هذا الارتباك في إدراك المعنى يجعل الراحة تجربة مشوبة بالتوتر.
الرابعة:
التحفيز الزائد وتكيف الجهاز العصبي
(Arousal and Neuroadaptation)
من ناحية فسيولوجية، التوتر المزمن يجعل الجهاز العصبي في حالة نشاط دائم. وعندما يحاول الجسم الانتقال إلى وضع الراحة، لا يستطيع بسهولة. يبقى الجهاز العصبي الودي فعالا، فيمنع الاسترخاء الكامل. وهذا يفسر الشعور بالتوتر الجسدي أو الانزعاج أثناء الراحة، حتى دون وجود سبب نفسي واضح.
الخامسة:
الذنب الإنتاجي والعوامل الثقافية
(Productivity Guilt)
تشير الدراسات (Zawadzki et al., 2018) إلى أن الشعور بالذنب عند التوقف عن العمل أصبح سمة ثقافية في مجتمعات الإنتاج المستمر. لقد ترسخت لدينا فكرة أن “الراحة مضيعة للوقت”، وأن “القيمة تقاس بالإنجاز”، مما يجعل أوقات الفراغ مساحة مشحونة بالذنب لا بالسكينة.
السادسة:
إدمان الضغط
(Stress Addiction)
بعض الأفراد، ومنهم من يعيش في بيئات مهنية عالية الكثافة، يتكيفون مع مستويات مرتفعة من التوتر حتى يصبح الضغط نوعا من الاعتياد. وعند غياب المهام، يشعرون بانخفاض غير مريح في التحفيز العصبي، كما لو أن الهدوء نفسه يهدد توازنهم الداخلي.
أمس وأنا أتصفح التايم لاين في أحد التطبيقات، شفت بوست قصير بالإنجليزية وحسيت إنه عميق. صاحب البوست يقول إن السبب الحقيقي لتعبك المستمر ليس ضغط العمل الذي تتحمله، بل الأمور العالقة التي لم تحسمها.
هذه الفكرة حسيت أنها تصف حال أغلب الناس اليوم. كثيرًا ما نحس إننا مرهقين حتى من غير جهد واضح، بطاريتنا دائماً شبه فاضية، رغم إن يومنا عادي وما فيه تعب بدني. الإرهاق الذي نشعر به قد لا يكون بسبب الجهد الجسدي المباشر، بل لأن عقلنا مشغول بالأمور غير المنتهية. التغريدة حاولت توصف هذا النوع من التعب وتوضح أن سببه تراكم "الأشياء غير المنتهية" في حياتنا.
الأشياء غير المنتهية هي أي مهمة أو موضوع بدأته ولم تنته منه أو تحسمه. مثل فكرة تدور في بالك، أو التزام أجلته، أو قرار ما اتخذته. تخيل إن عقلك مثل جهاز كمبيوتر، وكل فكرة أو مهمة مفتوحة تستهلك جزءًا من ذاكرته. ومع كثرة المهام، الجهاز يبطأ ويبدأ يعلق لأن الذاكرة مشغولة بالكامل. هذا بالضبط ما يحدث لعقولنا.
الأمور المعلقة التي لا نحسمها تسحب من طاقتنا بدون ما نحس. رسالة شفتها وقلت أرد بعدين. مكالمة أجلتها من يوم ليوم. وعد قطعته ولم توفي فيه. كل وحدة من هذه تبقى شغالة في خلفية ذهنك، تذكرك بين فترة وأخرى، وتخلق إحساس مزعج بالذنب أو القلق.
وأيضا هناك أمور أكبر، مثل الاعتذار الذي تعرف أنه لازم تقوله لكن تتهرب، أو النقاش الذي تتجنبه لأنك متوتر أو خايف، أو قرار مصيري أجلته من فترة. هذه كلها ملفات مفتوحة في ذهنك، تستهلك طاقتك وتزيد توترك مع الوقت، حتى لو ما فكرت فيها بشكل مباشر.
وكلما تراكمت هذه الأمور، صار عقلك مثقل ومشتت. تحس بالتعب من غير سبب واضح لأن طاقتك موزعة على أشياء كثيرة لم تنتهِ بعد. التعب هنا يأتي من الفوضى الذهنية التي تخلقها الأمور العالقة.
الحل بسيط في فكرته، لكنه يحتاج وعي وممارسة. لازم تبدأ تغلق ملفاتك المفتوحة. مو ضروري تنهي كل شيء فورًا، بس على الأقل سجل كل مهمة أو فكرة في مكان واضح. إذا قدرت تخلصها، خلصها الآن. وإذا لا، حدد وقت تنجزها فيه. لما تكتبها وتحدد متى بتتعامل معها، ترسل لعقلك إشارة إن الموضوع تحت السيطرة، فيتوقف عن تذكيرك فيه. وبهذا تخف الفوضى ويعود جزء من صفاء ذهنك.
جمال الفكرة إنها تشرح سبب تعبنا النفسي بطريقة بسيطة بأن الإرهاق لأننا نحمل فوق أكتافنا عشرات الأمور الصغيرة اللي ما حسمناها. إدارتها ما هي رفاهية، لكن ضرورة عشان نعيش براحة ونستعيد طاقتنا.
@Gendy_ إنا لله وإنا إليه راجعون... اللهم أجركم في مصيبتكم واخلفكم خيرا منها اللهم ارحمه واغفر له واجعله من سكان الفردوس ... عظم الله اجركم وأحسن الله عزاؤكم.
في النهاية كل شيء سيصبح على مايرام، مهما غابت عنك تلك الفكرة، لاتنساها، كل شيء سيمضي، وستعلم جيدا انها ليست المرة الاولى لك في الحزن ولن تكون الاخيرة، ولكنك في كل مرة ظننت انك لن تستطيع الاستمرار، استمريت، وفي كل مرة شعرت بالغرق نجوت ".
➖ أحمد خالد توفيق