﴿فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمُدرَكون - قال كلا إنَّ معي ربي سيهدين - فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾
هذا يوم عاشوراء، يوم الأمل بعدما قارب اليأس أن يأكل قلوبهم.
هذا يوم من أيامه تعالى يذكّرنا بلطفه ورحمته، وبقدرته بطشه.
يبعث الله من يجدد لنا في صدورنا معاني الوحي، ويدبر الأقدار لنراها حيّة أمام أعيننا.
فنرى نماذج تطبيقية لآيات الجهاد والتضحية، ونرى أيضا من اختار أن يكون في المنافقين الأرذلين.
فمن الناس من وفقه الله لقضاء نحبه، ومنهم من ينتظر، ومنهم من ارتضى أن يكون مع الخوالف.
اللهم استعملنا.
ما تجده في صالح ولا أحد سواه، أنه كان على كثرة الصحب وحيدًا، لا يشبه أحدًا، يلتمس الحب العادي في قلوب إخوانه، ويكتفي بالسهل البسيط في وجدانهم، كان طيبًا ينال منه السفلة، مبتلى بألسنة الساقطين، يتندرون عليه تارةً، ويسلقونه بألسنتهم تارةً، ويتهمونه بالفظائع تارة، وهو على ذلك هادئ، طيب، ضالته أن يجد ثغره، بابتسامة لا تفارقه.
..
ليس أقوى الناس لسانًا، ولا أمهر أهل غزة ظهورًا، ولكنه صادق، وذلك يكفيه، وتلك كانت أزمة المرجفين معه، أنه يثبت كيف أن اختيار الشرف يبدو طبيعيا، بديهيا، فطريا، وسلسا أكثر مما يتخيلون بكثير، تريد الحق؟ هاهو، فقط. صالح، كان ذلك الفتى الذي لا تتخيله إلا شهيدًا مؤجلًا، حتى إذا استشهد، لا تتخيله إلا حيا أبدا. إنه من النوع الذي لا يُبتلع خبره.
متفهم إنزعاج بعض الناس من استحضار آيات النصر بعد أحداث عصيبة مثل التي عاشها أهلنا في غزة.. لكن للأسف هذا الانزعاج نابع من الهوس المادي بالنتائج، وضعف فَهم أننا ننطلق في تقدير "النصر" من المنظور القرآني؛ الإيماني بالأساس أكثر من المادي، أي أثر تلقائي للتربية القرآنية، وليس موقفًا متكلفًا في تقدير الغلبة.
ستجد مثلًا أن هذا المفهوم ذُكر في القرآن ما يزيد على مائة وخمسين مرة، أغلبها يدور حول مصدر النصر وهو الله عز وجل، وأن ضمانه وعد إلهي مبني على تحقيق العبودية مع الأسباب، وهو نتيجة حتمية لذلك لا نتيجة حتمية للأسباب وحدها، وأن موعده غيبي متعلق بحكمة إلهية، وأن غايته إقامة الدين..
وهكذا ينسج القرآن من هذا المفهوم موضوعًا إيمانيًا كبيرًا بين العبد وربّه، سُننه إلهية لا مادية.. وكل ما يتعلق بالحصاد الناتج عن النصر قلّما يلتفت إليه القرآن!
من هنا يجعل القرآن الشهيد منتصرًا رغم القتل، والفئة القليلة إذا آمنت؛ غالبة رغم قلتها، والصابر تحت وطأة الابتلاء الشديد؛ أقرب ما يكون إلى النصر رغم الضيق.. لأنهم جميعًا حققوا المقام الأسمى من العلاقة مع الله: وهو العبودية الخالصة لله، التي لم تنكسر تحت وطأة الألم أو الفتنة أو الخوف.
وبهذا المنطق، لا ينظر القرآن إلى أصحاب الأخدود الذين حُرقوا أحياء بوصفهم مغلوبين، لأنهم لم يتراجعوا عن إيمانهم.. ولا لأصحاب الكهف الذين فروا بدينهم، لأنهم حفظوا عبوديتهم لله.. ولا للمهاجرين الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا ديارهم وأموالهم، لأنهم استجابوا لأمر الله.. وكذلك كل الأنبياء الذين كذَّبهم قومهم ولم يقدروا عليهم!
ولذلك في نصر بدر لم يبدأ التعبير بهذا المفهوم “النصر” من لحظة الغلبة، بل من وقت الهجرة، لذلك قال: “إلا تنصُروه فقد نصرَه اللهُ إذ أخرجه الذين كفروا ثانيَ اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا“ حتى قوله: "وجعلَ كلمةَ الذين كفروا السُّفلى وكلمةُ الله هي العُليا" وهذا إنما كان في بدر.. لأن هذه الهجرة كانت البداية الحقيقة لغلبة بدر ولولاها لما كانت بدر.
فالنصر في القرآن ينطلق من الخضوع للحقّ، هدفه عدم الخضوع للباطل.
فاستدعاء آيات النصر بعد محنة كالتي عشناها، ليس هوسًا بالغلبة بقدر ما هو موقف إيماني نابع من العبودية التي هي غاية الوجود كله، لأن المسلم لا ينتظر النصر ليؤمن، بل يؤمن فينتصر.