هذا كتاب
"تثبيت الأقدام: إيمانيات قضايانا الكُبرى"
رابط تحميله:
https://t.co/a3uGZBK9pu
على أمل أن ينفع الله عز وجل به، في تثبيت المؤمنين وتوحيدهم وتقويتهم ودفعهم عن العجز.
أسأل الله عز وجل أن ينصر إخواننا في غزة، ويستعملنا في نصرتهم.
لو أنك أجهدت نفسك في البحث عن كتاب يشرح لك الحكمة في السيرة النبوية من أحداث بني قينقاع وبني النضير وبني قُريظة، وأحداث إخراج اليهود من أرض المسلمين أو حُكم سعد بن معاذ رضي الله عنه في غدرهم.. أو كتاب يُفسر لك آيات القرآن التي تصف هؤلاء القوم بأقبح الأوصاف؛ لا أعتقد أنك تجد مثل أيامنا هذه التي نعيشها تخبرك عن السر في ذلك!
في مشهد لم تشهده حتى أكثر دول العالم استبدادًا جرأةً على الطُغيان؛ لم يجد هؤلاء الفجرة أي غضاضة في تمرير قانون يُجيز إعدام الأسرى بكل برود!
حين يُعدم أسرى خلف القضبان بقانون، وتُقصف مستشفيات ومدارس بقذائف، وتُهدم بيوت بجرافات، وتُسلب أراضٍ لبناء مستوطنات، هذه ليست أحداث مستقلة عن بعضها.. وإشعال الحروب والفوضى في بلاد المسلمين ليس عَرَضًا سياسيًا.. بل كله انعكاس لانحطاط هذه الشخصية، تفهم منه أن هذا "نمط" و "نهج" لها، ليس في زماننا فحسب، بل منذ غدروا بالأنبياء وقتلوهم واحدًا بعد آخر.
ومنه تفهم لماذا استرسل القرآن في الحديث عنهم، ولماذا فصَّل في تاريخ أُمتهم أكثر من أي أُمة أخرى!
إن السر في تشخيص هذه النفسيات؛ مدى الشر الكامن فيها وما فيها من نكران وغدر وجحود وقسوة طبع وأشنع أنواع الكُفر والتنكيل بالمؤمنين.. لذلك قدَّم القرآن ذِكْرَهم في العداوة على ذِكْر المشركين ليُنبه على أنهم أشدّ في العداوة من أي أحد، واستعمل لام القسم ونون التوكيد في "لَتَجِدَنَّ" ليُنبهنا أن ما من عداوة بشر أعظم من هذه العداوة وأشدّ وأقسى.
لبعض الفقهاء قديمًا فتوى تقول لو أن أهل بلد من بلاد المسلمين اجتمعوا على ترك "الأذان" لوجب قتالهم!
لأنه أظهر شعائر الإسلام التي لا يجوز تعطيلها..
فتأمل كيف الفقهاء أوجبوا القتال على ترك النداء بالصلاة في بلد مسلم، فكيف إذا كان المُعطِّل ليس أهلَ البلد بل محتلًا غاصبًا، وليس المكان مسجدًا عاديًا بل أولى القبلتين وثالث الحرمين، وليس التعطيل عارضًا بل سياسةً ممنهجة تمتد لأسابيع وشهور؟!
لا حول ولا قوة إلا بالله!
المؤسف أن كثيرًا من المسلمين ما زالوا يُقابلون النبوءات التوراتية ومشروعات الهيكل المزعوم وإسرائيل الكبرى باستخفاف، كأنها هرطقات هامشية وأحلام يمينية لا وزن لها، في حين الغرب نفسه كل يوم يصبح أكثر جرأةً وفجاجةً في توظيفها، وصارت تُذكر على ألسنة وزراء ومسئولين، وتضمّن في الخطاب السياسي والإعلامي!
الأقصى لم يُغلق بسبب أزمة أمنية عابرة، بل مغلق لأن ثمة مشروعًا يسير بخطى محسوبة نحو هدمٍ يظنه أصحابه إتمامًا لنبوءة، وبناءً يعتقدون أنه يُعجّل بنهاية الزمان على شروطهم، وبينما يُدار هذا المشروع بعقيدة وتمويل وتخطيط وبذل الغالي والنفيس؛ نتساءل نحن: هل هذا الحديث حديث سياسة أم دين، جد أم هزل!
"يرحمُ الله وكيعًا، أحرمَ من بيت المقْدِس"
الجامع بين دعاء الأنبياء والصالحين في القرآن استحضار أمرين عظيمين:
"لله خزائنُ السموات والأرض"
"فإذا قضى أمرًا فإنما يقولُ له كُن فيكون"
فبالأول ذهب عنهم كل يأس؛ إذ خزائنه لا تنفد ولا تنقص، وبالثاني ذهب عنهم كل وهَن؛ إذ أمره لا يحتاج إلى وقتٍ أو وسيلة.
فالمؤمن مع الله بين أمرين: لا يستعظم حاجته فيهاب لسانه طلبها، ولا يستبطئ الإجابة فيضيق قلبه عن الإلحاح بها.. أعظم أسرار الدعاء أن تعرف قَدْر من تدعوه جل جلاله، من أدرك قَدْر الله حقًّا لا يخيب ظنُّه أبدًا، مهما تأخرت الإجابة ومهما بدا مطلبه مستحيلًا!
لا يصدنّك تقصيرك وضعفك وعجزك؛ عن الدعاء في خير أيام الدعاء.. فإن أقصر الطُرق إلى الله عز وجل طريق الفقر، وقديمًا قيل: "أقرب باب دُخل منه على الله تعالى هو الإفلاس"!
سر الإجابة يوم عرفة في "الافتقار"، فيه يُباهي الله عز وجل بالمُفتقرين وحدهم.. واجب العبد الافتقار وحقّ الربّ الافتخار.
وإن من أهل الجنة من أصبح يتقلب في المعاصي فأمسى وقد فُتح له بالطاعة من أبعد الأبواب.. وإن من أهل الفرَج من نام يتقلب في الهموم فأصبح وقد صُرفت عنه بأهون الأسباب.
قليل من الأسباب وكثير من الدعاء = كثير من الستر والرزق والهُدى والرحمة والفَرَج وحُسن الخاتمة!
قال ابن تيمية: "والدعاء من الأسباب التي يُنال بها هُداه ونصرَه ورزقَه، فإذا قُدّر للعبد خيرًا ينالُهُ بالدعاء؛ لم يحصُل له بدون الدعاء".
يقول سُفيان بن عُيينة: "لا يمنعنّ أحدَكم من الدعاء ما يعلمُه من نفسه، فإن اللّه تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس لما قال: "أنْظِرني إلى يوم يُبعثون""!
خُذ بالسبب.. واجزم في الطلب.. وتيقن الإجابة
أمس كتبت منشور عن تجلي أسماء الله وصفاته مع الأحداث الكبرى، فلفت انتباهي أخ فاضل إلى معنى عظيم، وهو أننا نألف الاعتقاد بأن الله تعالى يتدخل بالأمور الخارقة لطبيعتنا فحسب، فإذا جرت الأمور على سُننها الطبيعية اعتبرناها "عادية" ونسينا أن الله هو الفاعل على الحقيقة فيها.
وهو معنى دقيق ومهم، ومنه كان بلاغة التعبير القرآني: "والله خلقكم وما تعملون".. فأنت تعمل بإرادتك وقدرتك وجوارحك، وكل ذلك بأسباب عادية، وتغفل عن أن الله كما هو الخالق لجوارحك هو الخالق لعمل جوارحك، فالله سبحانه هو الذي وضع القوانين التي ألفناها، وهو الذي أجراها ويُسيّرها في كل لحظة.. فالمعجزة ليست في خرق القانون فقط، بل في وجود القانون نفسه واستمراره بهذا الثبات والدقة والتوازن.
إذا كنا نغفل عن ملاحظة أسماء الله وصفاته في الأحداث الكبرى، فإن غفلتنا عن صفاته عز وجل في ضوء أحوالنا الخاصة وتأثرنا بهذه الأحداث أعظم، حيث تمام قدرة الله وسِعتها الضخمة وعظمة تدبيره وكماله..
فأنا وأنت جرم صغير جدًّا في خضم هذه الأحداث الهائلة، واحد من ملايين البشر الذين تتقاطع حيواتهم في اللحظة نفسها، مع الحدث نفسه، كل واحد منهم له قدر خاص يسير فيه؛ مسار ابتلاء، مسار رزق، مسار هُدى، مسار ضلال، مسار سِعة، مسار ضيق..
آلاف المسارات التي فُتحت بالأسباب الكبرى نفسها، كل واحد له قصة، وكل قصة مُدبّرة بإحكام، وكل تدبير يلتقي بتدبير آخر ويُفضي إلى تدبير آخر، وتُصرف بسببه عشرات القلوب وربما آلاف وملايين، كل ذلك يجري في الوقت نفسه تحت تدبير إلهي مُحكم لا يفلت منه شيء.
هنا يمكن أن تفهم شيئًا من بلاغة قول الله تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقُها ويعلم مستقرَّها ومستودَعَها كلٌّ في كتابٍ مبين"، فكل مخلوق يدبّ على الأرض - من أصغر نملة إلى أكبر حيوان - رزقه مكفول عند الله، ومكان عيشه وموته معلوم عنده ومحفوظ في كتاب بدقة متناهية، وإذا كان هذا في الحيوانات والحشرات، فكيف بالإنسان المُكلّف؟ وإذا كان الله عز وجل لا يشغله رزق نملة عن رزق فيل، فكيف يشغله أمر عبد عن أمر عبد آخر؟
بل كل عبد عنده كأنه الوحيد الذي يُصرف قلبه ويُدبر أمره وهداه ورزقه!
فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن، ولا يُعجزه تدبير ملايين الأقدار في لحظة واحدة، وما كان ربك نسيا.
اليوم كنت أتكلم مع صديق عن مشكلة شخصية بسبب الحرب الدائرة، ودار بيننا نقاش طويل عن الحرب نفسها، لكن فجأة تطور للكلام عن أسماء الله عز وجل وصفاته، لا أعلم كيف، حتى أنني سألته مبتسمًا في آخر الكلام كيف وصلنا لهذا الموضوع!
حين ترى قوة عسكرية تُواجه أخرى، وسلاح يتفوّق على سلاح، واستراتيجية تغلب استراتيجية.. هذا الذي تراه حقائق دنيوية مشهودة لكنها مرتبطة بحقائق أخرى أهم: حقائق دينية غيبية؛ من الذي يُديل الأيام بين الناس؟ ومن الذي يُؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء؟ ومن الذي يُعزّ ويُذل، ويرفع ويخفض، ويُمكّن ويُزيل؟
الحرب - بوصفها ظاهرة دنيوية - ليست مجرد معادلة عسكرية، بل هي مسرح عجيب تتجلى فيه أسماء الله وصفاته؛ ترى من خلالها أن الله عز وجل "القهّار" الذي يقهر الجبابرة وينتقم للمظلومين من الظالمين، "العزيز" الذي يُعزّ من يشاء ويُذلّ من يشاء، "الحكيم" الذي يُدبّر الأمور فتسير إلى ما قَدّره لا ما خُطط له، حتى اسمه "اللطيف" الذي يُدبّر النجاة من حيث لا يحتسب أحد.. فمن رأى الحرب بعين السياسة فقط، فاته أن يرى يد الله فيها، فاته أن يُبصر "يُريدونَ أن" و "يُريدُ اللهُ"!
يُخطّط القادة، ويرسمون الخرائط، ويُحرّكون الجيوش، ويظنون أنهم يُمسكون بزمام الأمور.. ويقف وراء كل ذلك: "والله خير الماكرين"، "وربُّك أعلمُ بالمُفسدين"، "ونُمكِّن لهم في الأرض"، "ولتعلم أن وعدَ الله حقٌ ولكن أكثرهم لا يعلمون".. فكم من جيش خرج وهو يظن أن النصر سهلًا بين يديه، فرجع مهزومًا ذليلًا؟ وكم من فئة قليلة ظُنّ أنها لا حول لها ولا قوة، فنصرها الله على من هم أكثر عددًا وعُدّة؟
تستطيع حواسك أن ترى من خلال هذه الحرب أشياء على الأرض، لكن ما يراه قلبك في السماء يمكن أن يكون أعظم وأوسع.. الله هو المُعزّ المُذل، الرافع الخافض، مُقلّب القلوب ومُصرّف الأمور، القادر تمام القدرة، المُتناهي في الحكمة واللُّطف والتدبير..
حين ترى جيشًا جرّارًا بأسلحة فتاكة يُهزم على خلاف المجرى العادي للأمور تتذكر أن النصر من عند الله لا من كثرة العَدد والعُدّة، وحين ترى جبابرة تستعلي وتتجبّر ثم تسقط في لحظة، تتذكر أن الله هو القهّار الذي لا يُعجزه شيء، وتوقن بأن الأيام دُول، وأن الله هو من يُداولها بين الناس.. فلا تُفتن بقوة الأقوياء أو تيأس من ضعف الضعفاء، فتُصدق حقًّا بأن العاقبة للمتقين وأنه لا يُخلف الميعاد، وتعمل بما بين يديك من الأسباب لأن مسببها غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
من نعم الدين التي لا تنقضي أسرارها؛ الدعاء.. بعضنا ينظر لتأثيره العاجل بإجابة الحاجة، أو الآجل بالأجر المُدَّخر، ويغفل عن تأثيره في الأقدار.
فربما تحصل الإجابة، وربما يحصل ما هو أعظم منها لكن لا نُدركه، حين يواجه الدعاء قدرًا نازلًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة".. ليصير مقام الدعاء أجلّ شأنًا من طلب الحاجة.
هذا التدافع لا يراه المؤمن، وربما لا يشعر به رغم أن آثاره تظهر في حياته: مصيبة تُصرف، رزق يُفتح، بركة تُبسط، عدو يُكفّ، كائد يُخذل.. فيظن أن ذلك لأجل الأسباب التي كانت بين يديه ومن أصل الأقدار التي كان سائرًا إليها، وما يدري المسكين أنها أقدار أخرى أوجبها الدعاء!
فلأننا نعيش عالم الأسباب المادية الظاهرة؛ فغالبًا ما نُفكر في الدعاء حين "السؤال"، ونغفل عنه حين "الإجابة".. حين تأتي الإجابة أعظم من المسئول، وحين يُكتب القدر مرتين؛ "يمحو اللهُ ما يشاء ويُثبتُ وعندَهُ أمُّ الكتاب"، حتى يكون تمام الانقطاع لله عز وجل.
فالحمد لله أولًا وآخرًا، مالك المُلّك لا يتعاظمه شيء.
"اللهُ لا إلهَ إلا هوَ ربُّ العرشِ العظيمِ".. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُذن لي أن أحدثكم عن أحد الملائكة من حملة العرش، ما بين شحمة أُذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة".. وفي رواية: "تخفق فيها الطير سبعمائة سنة"!
تأمل، هذا جزء بسيط من مَلَكٍ واحدٍ من حملة العرش! فإذا كانت هذه عظمة المَلَك الحامل، فكيف بعظمة العرش المحمول؟!
وإذا كانت هذه هيبة العرش العظيم المخلوق، فكيف بجلال ربّ العرش العظيم الخالق؟!
هذا حديثٌ مهيب، لإخراج المؤمن من وهم تصوراته إلى سعة الإيمان، ومن أسر ما يعلم إلى رحابة ما لا يعلم، ومن سطوة ما يرى إلى هيبةِ ما غُيّب عنه.
ومَن عَظّم الله حقّ تعظيمه تَحرر من أثقل أغلاله: غُلّ الافتقار إلى المخلوقين، وغُلّ الرهبة منهم، وغُلّ الافتتان بهم.
لهذا ورد في سبب الإشراك بالله: "وما قدروا الله حقَّ قدره"، أي لم يعظموه عز وجل حقّ تعظيمه.. لذلك قالوا في حكمة ذِكر عرش الله تعالى ووصفه ووصف حَملته والحافين حوله:
إخراجُ العبد من تعظيم المخلوقات إلى تعظيمِ الخالق.
فلا عجب أن يكون دعاء تفريج الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم".
كأن القلب عند الكرب يحتاج إلى أمرين متلازمين: اليقين بعظمة الخالق الذي يلجأ إليه، حتى يطمئن أن كربه مهما عظُم فهو ضئيل أمام قُدرة الله، والتحرر من التعلق بالمخلوقين الذين لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا.
فذِكر العرش وتكراره في "دعاء الكرب" ليملأ القلب بعظمة الله، فمن كان ربًّا لهذا العرش العظيم فكيف يعجز عن كشف كربك؟ ومن ملك العرش وما تحته من السموات والأرض، أيضيق عليه أمرك؟.. فيخرج القلب من ضيق الكرب إلى سعة التعظيم، ومن الالتفات إلى المخلوقين العاجزين إلى الاعتماد على ربّ العرش القادر.
مُقتضى اسم الله "العفو" أنه لا يغفرُ السيئة فحسب، إنما يمحوها كليةً فلا يكون لها أثر حتى في ديوان الحفظة.. بل لو محاها أزالها بقدرته من قلب العبد وأنساها عقله، فلا يكون لها أدنى سُلطان عليه.. فلا السيئة توجعه في الدنيا ولا تضره في الآخرة!
اللهم إنك عفو تُحب العفو.. فاعف عنا
هذا كتاب
"تثبيت الأقدام: إيمانيات قضايانا الكُبرى"
رابط تحميله:
https://t.co/a3uGZBK9pu
على أمل أن ينفع الله عز وجل به، في تثبيت المؤمنين وتوحيدهم وتقويتهم ودفعهم عن العجز.
أسأل الله عز وجل أن ينصر إخواننا في غزة، ويستعملنا في نصرتهم.
أكثر لحظة تأسرني في قصص الأنبياء هي لحظة إلقاء أم موسى لموسى عليه السلام في اليمّ، تلك اللحظة التي تجمع بين ذروة الضياع وذروة اليقين.. أقرأ الآيات وأنا أعرف النهاية، فأشعر بالفرج والرحمة والنصر، لأني أعلم أن هذا الرضيع سينجو، وأن فرعون سيغرق..
لكن أسأل نفسي: ماذا لو لم نكن نعرف نهاية القصة، ماذا كان شعورنا حين نقرأ عن أم تُلقي وليدها في البحر خلاصًا من جبارٍ يُفسد ويستكبر في الأرض؟
ربما انفطرت قلوبنا من الهمّ والقلق والترقب، فكل حسابات الأرض تقول: ليس هناك أمل!
فإذا بتابوت موسى يستقر في قصر فرعون، في تلك اللحظة التي دخل فيها موسى قصر فرعون؛ دخل الفرج من باب الكرب، وأتى اليُسر من حيث كان العُسر.. إذ هي بداية نهاية فرعون، اللحظة التي بدأ فيها العدّ التنازلي لزوال ملكه، والأمر صار مسألة وقت لا أكثر.. عند هذه اللحظة التي يراها الناظر ذروة اليأس انتهى حكم فرعون!
ظلّ فرعون يحكم بعدها عقودًا وهو لا يعلم أن مُلكه قد انتهى.. كلنا يعلم الآن أن مُلكه حينها قد انتهى، لكن فرعون لا يعلم ذاك آنذاك!
العُسر واليُسر صنوان لا يفترقان، يسيران جنبًا إلى جنب، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، لكن أكثر الناس لا ينتبهون حتى يزول العُسر، ولا يرون الفرج حتى يرتفع الكرب، فيظنون أنه جاء متأخرًا بينما هو معه أثناء الضيق.
حين يشتد بك الهم، وأنت ترى تجبر أعداء الله واستكبارهم في الأرض، تذكر قول الله تعالى: "وخابَ كلُّ جبارٍ عنيد".. المؤمن لا ينظر إلى علوّ الفجرة في الأرض، إلا ونظر معه إلى وعيد الله تعالى لهم.. فتدبيرهم في محيط تدبيره عز وجل، ومكرهم تحت مقاديره سبحانه.
كان الرافعي يقول: "إنك إذا آمنت لم تعد بمقدار نفسك، إنما بمقدار القوة التي أنت بها مؤمن".
بعض الناس تُرهق نفسها في تفكيك ما لا يبلغه علمها، وتُفرّط فيما تملكه بسبب انشغالها بما لا تملكه.. والعيب ليس في الاهتمام بما تعجز عن التأثير فيه، بل حين تجور مساحة الاهتمام على مساحة التأثير.
من أصول علاقة المؤمن بالعالَم: أن الدين لا يتأزم حين يتأزم الواقع، وأن يد المؤمن مبسوطة بالطاعة دائمًا مهما ضاقت الأحوال.. فالعجز الذي تُلام عليه ليس حين تخرج من دائرة الفعل الكبير، بل حين تخرج من دائرة الفعل الصغير كذلك، فتعذر نفسك في الأولى لأنها أكبر منك، ثم تجعل الاهتمام بالأولى عذرًا في التفريط في الثانية لأنها أقل شأنًا!
أفدح خسارة مع الأحداث الكبرى: خسارة النفس، حين يستنزفها طوفان الأخبار والمشاعر والجدل، فيصير المرء حبيس همَّين؛ اكتراث محموم بما لا يملك تغييره، وإفراط مقصود فيما يملك إصلاحه.. والله عز وجل يقول: "والعصرِ إنَّ الإنسانَ لفي خُسر"، قال جمهور المفسرين: "خُسرٌ أي نقص".. فكلُّ يومٍ يمر؛ نقصٌ في العمر ونقصٌ في الفرصة، والمقدور بيدك قد يبلغ بك - إذا فعلتَه بصدق وصبر - منزلةً أجلّ من منزلةِ المقدور في ميادين الكبار.
ما يجري في الكون كله لا يخرج عن تدبير الله ومشيئته، والابتلاء به قد يكون لفردٍ أو جماعة وقد يكون لأفرادٍ وجماعات، يسوق سبحانه الأقوياء والضعفاء معًا، الذين أصابهم والذين هم بعيد عنه؛ إلى حيث أراد وقدّر، تحت سلطانه وبحكمته، فهم فيما يبدو: فاعلون مُدبّرون، وفي الحقيقة: مُساقون مُسيَّرون، تجري بهم المقادير إلى ما لم يحتسبوا، فمنهم من يُساق من العُسر لليُسر فرجًا، ومنهم من يُساق من اليُسر للعُسر بلاءً ومكرًا.
فمن علم هذا واعتقده سكن إلى تدبير الله، ولم تُقلقه تقلّبات الأحداث، بل جعل كلَّ همّه: الثبات على المقدور، والصبر على المقدّر.
أكثر ما يأخذ بالألباب في قصص الأنبياء أنها لم تبدأ من حيث يتوقع العقل أن تبدأ قصص التغيير الكبرى، بل بدأت من صبي يُلقى في اليَمّ، ومن شابٍ يُلقى في الجُبّ، ومن نبيٍّ يُلقى في البحر.. كلها بدايات ويكأنها نهايات!
وما يزيد مشاهدها إبهارًا أن الذين بدوا وكأنهم يتحكمون في مصائر غيرهم؛ كانوا يصنعون مصارع أنفسهم.. إخوة يوسف حين رموه في الجبّ ظنّوا أنهم يُغلقون بابًا فإذا بهم يفتحون طريقًا، وفرعون حين همّ بذبح من هابه أن يُزلزل عرشه إذا به لا يُربيه إلا عند عرشه.. كل سعيٍ منهم كان خطوةً في الطريق إلى خيبتهم!
سُنة الله تعالى الجارية في المغترّين بقوتهم؛ أنهم حين يبلغون من الغرور حدًا يرون معه أنفسهم فوق أن يُغلبوا، ففي تلك اللحظة نفسها قد بذروا بذور هزيمتهم.. الغرور بالقوة لا يجعل المغتر أعمى عن أعدائه فحسب، بل يجعله أعمى عن نفسه، فكل قرار يتخذه بمقدار قوته؛ ثقل بالقدر نفسه يسحبه إلى هاويته، فرعون لم يَهزم موسى رغم قوته، بل هُزم بسببها!
معجزة الأنبياء الكبرى ليست في تمكينهم، بل في أن الطريق إلى تمكينهم كانت مُعبَّدةً بأسباب هزيمتهم.. والقرآن إنما يقص علينا قصصهم بكثرة ليُرينا أن القوة الأقوى هي القوة الأقل إذا كان معها إيمان أكبر، وأن الأضعف ليس بشرط أن يكون الأقل قوة، بل ربما كان الأقل إيمانًا.. فالإيمان لا يُعطيك قوةً موازية، بل يُعطيك بصيرة مختلفة؛ ترى بها ما لا يُرى، وتصبر بها على ما لا يُحتمل، وتدفع بها ما لا يُقدر عليه.
ولهذا تظل قصص القرآن حيّةً في كل زمان، لأنها - في حقيقتها - لا تحكي عن فرعون بعينه ولا عن عادٍ بعينهم، بل تحكي عن سُنّن لا تتبدّل، أهمها: أن القوة المجردة من الحق غرورها أول أسباب زوالها.. "فأما عادٌ فاستكبروا في الأرض بغيرِ الحق وقالوا من أشدُّ منا قوةً أولم يروا أن اللهَ الذي خلقهُم هو أشدُّ منهم قوة"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل كمال في المعلول فهو من العلة".
من أهم السُّنن الإلهية التي يجب على المؤمن استحضارها في حركته، خاصةً في هذه الأيام؛
"إن الأرضَ للهِ يُورِثُها من يشاءُ من عبادِه والعاقبةُ للمُتقينَ"
فالأرض مُلكه، إذا كان خَلْقها وبَسْطها يسيرًا عليه؛ فتمكين عباده المؤمنين منها أيسر وأهون!
يقول الطاهر بن عاشور: "من يشاءُ الله أن يُورثهم الأرض هم المُتقونَ، وتمليك الأرض لغيرهم إما عارضٌ، وإما لاستواءِ أهل الأرض في عدم التقوى".
جميل، أحسن الله إليك أستاذنا الموفق.. ملاحظة دقيقة تنسجم تمامًا مع ما كنت أتحدث عنه من أن المفردة القرآنية تحمل من الحكمة التربوية ما تحمله من الحكمة التشريعية، فـ "ربي" بإضافتها تجعل التحريم علاقة لا مجرد حكم، وهذا يُغيّر موقف المتلقي تغييرًا جذريًا، فرق بين من يمتثل لقانون ومن يستجيب لربّ يعرفه ويوقن أنه يُريد له الخير.
وفي الآية ذاتها إشارة تزيد هذا المعنى أكثر، أعني جملة "ما ظهر منها وما بطن"، فالتحريم هنا طال الظاهر والباطن معًا، وهذا الجمع ليس توسعة قانونية بل هو في صميم التربية، فالشرع لا يُعالج السلوك الظاهر فحسب بل يتتبع الجذر الباطن، فربّ يحرّم الظاهر والباطن معًا هو ربٌّ يعلم أن الفاحشة الظاهرة لا تُعالَج بالنهي وحده ما لم تُعالَج الفاحشة الباطنة التي أنتجتها، وهذا هو جوهر الفرق بين التشريع التربوي والتقنين القانوني.
وكذلك تعبير أن "المسلم لا يوجد في فراغ بل في شريعة" بديع ومعبر عن عين الحقيقة، فكأنه جزء في نسيج من الأوامر والنواهي، نحتاج فعلًا لاستشعار هذا المعنى، لنستوعب أن الأوامر والنواهي ليست قيودًا على وجودنا، بل هي البنية التي يتشكّل منها وجودنا وتتحقق فيها إنسانيتنا، فالوجودي يرى في الإلقاء في العالم حريةً مُفزعة، والمسلم يرى في الوجود في الشريعة تحررًا مطمئنًا؛ تحرراً من الهوى والفراغ والتيه.
مما يعكسه تدبر آيات الأحكام العملية أن الإسلام في جوهره ليس منظومة تكاليف تُنفَّذ فحسب، بل كذلك منظومة تربية تمر عبر الأحكام وتُودَع فيها، ولذلك قلّما يوجد حكم شرعي عملي إلا وله انعكاس تزكوي، بل التأمل الدقيق في المفردة القرآنية يكشف في الغالب أن الحكم والتزكية لا يتعاقبان بل يتلازمان، وأن القرآن تضمن في اختياره للفظة دون أخرى من الحكمة التربوية ما يساوي ما تضمنه من الحكمة التشريعية!
ما زال الكلام متصلًا في تدبر آيات الأحكام العملية، وكان منهجي اختيار مفردات قرآنية بعينها والوقوف عندها، توقفنا أولًا مع تعبير "حدود الله"، ثم تعبير "يأكلون" في آيات الربا والمال الحرام.. واليوم وقفة مع تعبير "غير باغٍ ولا عادٍ" الذي تكمن بلاغته في أنه على قصره لا يترك فراغًا في أمر من أهم ما يخص حياة الإنسان وهو "الاضطرار"؛ "فمن اضطُر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه".
فالبغي هو الطلب والقصد، ومنه "بغى الشيء" أي طلبه وتحرّاه، أما "العادي" فمن الاعتداء والتجاوز، ومنه "عدا عن حدّه" أي تخطّاه.. فالمراد بـ "باغٍ": من يتوجّه بإرادته نحو الحرام طالبًا له قاصدًا إياه، والمراد بـ "عادٍ": من تجاوز مقدار الضرورة إلى ما هو زائد عليها.
فالأولى متعلقة بالقصد، والثانية متعلقة بالقدر.. البغي في الباعث والنية، والعدوان في الحد والمقدار!
والمعنى العميق الذي تنطوي عليه الآية هو أن رخصة الاضطرار لا تُباح إلا لمن استوفى الشرطين معًا: نظافة الباطن، وانضباط الظاهر.. فمن فعل الحرام لكنه في قرارة نفسه مائلٌ له راغبٌ فيه فلا رخصة له، ومن صفى القصد لكنه تجاوز ما تقتضيه الضرورة إلى التلذذ فلا رخصة له.
كأن الآية تطلب من المضطر أن يكون كارهًا للحرام وإن كان مضطرًا له، لأن الكُره يُفضي إلى سرعة التخلص منه.. وتطلب ألا يستشعر اللذة فيه وإن كان مما يُتلذذ به، لأن استشعارها يُفضي إلى إلف الحرام والسكون إليه!
المبهر في هذا الجمع بين المعنيين أن الرخصة هنا صارت ليست إسقاطًا للتكليف، بل أصبحت في ذاتها تكليفًا جديدًا؛ أن يبقى القلب على موقفه من الحرام حتى وإن فعلته الجوارح، وألا تتجاوز الجوارح فيه وهي مُضطرة له!
فالشريعة لا تُعطّل الضمير في الأزمات ولا تنظر إلى الأزمة نظرة القانون الذي يرفع التبعة ويُعلّق الحكم حتى تنتهي الأزمة، بل تنظر إليها بوصفها اختبارًا جديدًا لا اختبارًا موقوفًا.
فالشريعة هنا تُراهن على شيء عميق في المؤمن: أنه قادر حتى في اللحظة الحرجة أن يُفرق بين ما يفعله مضطرًا وما يُريده مختارًا، وأن يُفرق بين ما يحتاجه وما يشتهيه، وهذا التمييز هو ما يصونه الجمع بين "غير باغٍ" و "غير عادٍ" في الموقف نفسه واللحظة نفسها.
هنا تفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحبُّ أن تُؤتى رخصه كما يكره أن تُؤتى معصيته".. لأن الرخصة باتت ليست إعفاءً من التكليف بل هي تكليف آخر يُحبّه الله.. فالحديث بهذا المعنى تفسير للآية في منطقها الأعمق: الرخصة عبادة لمن أتاها على وجهها، وهي معصية لمن أتاها باغيًا أو عاديًا.
وفي هذا وحده كفاية لأن يُدرك المتدبّر أن من إحكام الشريعة أنها بنت استثناءاتها على نفس الأساس الذي بنت عليه أحكامها.
من أكثر ما يُدهش حين تتدبّر آيات الأحكام العملية في القرآن أنها لا تُفصح عن منطقها مباشرة كما تفعل آيات الوعظ والترغيب، بل تُودعه في ألفاظها ذاتها، تنتظر الوقوف عندها.
آيات الوعظ في الغالب ما تخاطب الوجدان مباشرة، أما آيات الأحكام فتخاطب العقل والوجدان معًا في آنٍ واحد، وتضع أمامنا طبقات من المعنى لا تُكشف إلا للمتدبر المتأني.. فآيات الأحكام لا تملك إعجازًا أقل، بل تملك إعجازًا مختلفًا في الظاهر والجوهر؛ حيث الكلمة الواحدة تحمل الحكم وفلسفة الحكم معًا.
في المقال السابق وقفت عند المعاني التي يحملها تعبير "حدود الله" خاصةً المعنى التعبدي، وما فيه من جماليات.. لا يقل بلاغة عنه تعبير "يأكلون" الذي أشار له القرآن في استحلال الربا ومال اليتيم وأموال الناس بالباطل..
فاختيار التعبير بـ "الأكل" في استحلال المال ليس مجرد مجاز بلاغي يُكنّى به عن الانتفاع، بل هو اختيار دلالي مُحكم يحمل في طياته فلسفة الحكم؛ فالأكل أعمق صور الاستهلاك وأكثرها حميمية، لأن سائر أوجه الانتفاع بالمال - كالسكن والركوب واللبس - تبقى خارج البدن، منفصلة عن الذات بمسافة ما وإن قلت.. أما الأكل فهو الوجه الوحيد من الانتفاع الذي يُدخل الشيء إلى داخل الإنسان فيمتزج بدمه ويُبنى منه عظمه ولحمه.
فحين يقول القرآن: "يأكلون الربا"، "يأكلون أموالَ اليتامى"، "ليأكلون أموالَ الناس".. فهو لا يصف فعلًا اقتصاديًا إجراميًا فحسب، بل يصف تحولًا في الذات؛ حيث يصير المال الحرام جزءًا من بنية من استحله.
هذه الصورة البيانية تأخذ أوسع أشكالها وأبدع معانيها حين تقترن بتعبير "إنما يأكلونَ في بُطونِهم نارًا"، "لا يقومونَ إلا كما يقومُ الذي يتخَبّطُه الشيطان من المسّ".. حيث تنتقل الآيات بالمعنى الذهني إلى المعنى الحسي فتمنحه الحياة الشاخصة.. فالمال الحرام اشتعل في بطن من أكله، والربا نما في بطن من استحله فأثقّله حتى أفسد عليه قيامه وحركته!
فبدلًا من أن يمد الأكل الآكل قوة؛ أضعفه وأخلّ بقواه، فالجزاء أقرب ما يكون منه، ولكن لا يشعر لأن بريق المال يخدعه.
هذا المعنى تفهمه جيدًا حين تستحضر الحديث النبوي: "كل جسدٍ نبت من سُحْت فالنارُ أولى به"، حيث يلتقي الحديث مع الآيات في بنية واحدة؛ فالمال لم يبق مالًا، بل تحول بالأكل إلى خلايا وعظام ودم، فصار الجسد هو الشاهد المادي على الحرام، فصارت النار أولى به.
ثم وفي الكلمة نفسها "يأكلون" قطعًا لوهم الاضطرار.. فأضافت للآية بلاغة فوق بلاغة، فالأكل هو الحاجة الأولى التي لا يُتصوّر الاستغناء عنها، فاختيار لفظة "الأكل" في هذا الموضع تحديدًا قطع وهم قديم يتذرع به المُستحل عادةً "مُضطر"! فكأن المعنى: لو كان ثمة موضع تُباح فيه الحرمة لضرورة لكان الأكل هو أولى المواضع بذلك، فإذا كان الأكل به ممنوعًا فكيف بما هو دونه من وجوه الانتفاع؟!
وهذا من أبلغ أساليب سد الذريعة في القرآن: أن يبدأ بتحريم أشدّ الحاجات ضرورةً دون حاجة في أن يُعدد المنافع الممنوعة واحدًا بعد واحد، فإذا سقط عذر الاضطرار في أشدها سقطت معه كل الذرائع دونه.
وإياكم اللهم آمين أستاذنا الحبيب، جزاك الله خيرًا.
أشرتَ إلى معنى جوهري يستحق أن يُتوقف عنده، ما ذكرتَه عن لفظة "الحدود" بوصفها تحريرًا لا تقييدًا هو في الحقيقة مدخل إلى سر عميق في بلاغة آيات الأحكام تحديدًا.. فهذه الآيات لا تُفصح عن مقاصدها مباشرة كما تفعل آيات الوعظ والترغيب، بل تودعها في صياغتها اللغوية ذاتها وتستدعي من القارئ أن يقف ويتدبر.
وهذا بالذات هو ما يجعلها على درجة بلاغية خاصة: إذ آيات الوعظ تخاطب الوجدان مباشرة، أما آيات الأحكام فتخاطب العقل والوجدان معًا في آنٍ واحد، وتكتنز في كلمة واحدة طبقات من المعنى لا يكشفها إلا التدبر المتأني.
وما أشرت إليه من أن الحدود حماية للإنسان من نفسه ومن غيره ومن عدوانه على غيره - هذا المعنى الثلاثي البديع - لا تصرّح به الآيات لكنها تُومئ إليه في بنيتها.. فحين قال تعالى في آية المواريث: "تلك حدود الله ومن يُطع اللهَ ورسولَه يُدخله جناتٍ" وأعقبها بـ "ومن يعصِ اللهَ ورسولَه ويتعدَّ حدوده يدخله نارًا" جاء التعدّي على الحدود مقروناً بالنار لا بالعقوبة الدنيوية فحسب، كأن المعنى أن تجاوز الحد ليس مجرد مخالفة قانونية بل خروج على النظام الكوني بأسره.
وهذا ما يميّز الشريعة جوهريًا عما أشرتَ إليه من العقد الاجتماعي؛ فنظرية العقد الاجتماعي تُسوّغ القانون بالمنفعة المتبادلة بين المتعاقدين، أما الشريعة فتُسوّغه بكونه نظامًا سبق الإنسان ولا ينتهي بانتهائه، نظامًا يحمي الإنسان حتى من نفسه حين تخون نفسه طبيعتها.. والفارق بين التسويغين شاسع: قانون المنفعة يتفاوض عليه الناس ويُعدّلونه بحسب أهوائهم، أما حدود الله فمصدرها خارج الهوى بالكلية، ولذلك وحده كانت قادرة على تحرير الإنسان من هواه، لأن المقيّد بالهوى لا يُحرر من الهوى.
لا شيء يُرقّق قلب المسلم في رمضان كالحديث عن تدبّر القرآن، تلين النفس لأقصر آية، ويتوقف العقل عند ما لم ينتبه له من قبل.
غير أن هذا الانفتاح - على جماله - يكشف في الوقت نفسه عن انتقائية عميقة تحصل بدون قصد، حيث التركيز على آيات القصص والرحمة والخلق والوعد والوعيد، وتجاوز آيات الأحكام وبناء نظام الجماعة، ربما لأن موضوعاتها تبدو ثقيلة لا تناسب روحانية الشهر كما يعتقد بعض الناس.
رغم أن آيات الأحكام لها جمالها الخاص الذي لا يُدرك إلا بالتدبر؛ حين ترى نظامًا متسقًا لا ثغرة فيه، يبدأ من الكليات فلا يُناقض الجزئيات، ويبدأ من الجزئيات فتُفضي إلى الكليات، وحين تُدرك أن الله تعالى لم يتركنا نتخبط في أثقل مواطن الحياة، خلق الكون ودبّر أمر كل الخلق ثم هو مع هذه العظائم يُحدد في كتابه حصص الميراث والعدة بالأشهر والشاهد واليمين والعقوبات والعقود!
تأمل لفظة "حدود" في القرآن، التي يعاملها البعض بوصفها مصطلح عقابي بحت، لكن "الحد" في أصله العربي معناه الفاصل والحاجز والنهاية، فالحدود في القرآن لا تقتصر على العقوبات، هنا يكمن البُعد "التعبدي" في هذه اللفظة الذي غالبًا ما يُغفل عنه، وهو مذهل حين تتأمله في النص القرآني مباشرةً..
لفظ "حدود الله" ورد في القرآن الكريم ١٢ مرة، وتوزّعت على سياقات متباعدة جدًّا؛ في الصيام، وفي الزواج، وفي المواريث، وفي العدة والطلاق، وفي الجرائم.
العقوبات المقدّرة شرعًا استُعير لها من هذا المفهوم الأوسع، لا العكس، أي أن "حدود الله" هي المنظومة الكبرى في حياة الإنسان كلها، والعقوبات المقدّرة ليست إلا الأثر القانوني لتجاوز هذه الحدود، لا الحدود ذاتها.
بعبارة أخرى؛ الناس حين يسمعون كلمة "الحدود" يظنون أنها تعني العقوبات أصلًا ورأسًا، وأن معناها الأصيل هو الجلد والقطع ونحوه، لكن الحقيقة أن جملة "حدود الله" أصلها في القرآن - قبل أن تُستخدم اسمًا للعقوبات - يشمل المنظومة الكبرى للحياة كلها.
تخيّل جدارًا وشخصًا اصطدم به؛ الجدار هو الحدّ، والاصطدام هو العقوبة، الفقهاء كانوا يُدركون هذا الفرق جيدًا، ومنه كان تعظيمهم للشرع وأحكامه، لكن المستشرقون والحداثيون لم يستوعبوا هذا الفرق، فسلبوا المعنى التعبدي من النص، واقتصروا حياله على المعنى العملي، واختزلوا المعنى الكبير في الاستخدام الضيق.
ولذلك، تأمل الفارق الدقيق بين "فلا تقربوها" و "فلا تعتدوها"، في آية الصيام قال: "فلا تقربوها"، وفي آيات الطلاق والمواريث قال: "فلا تعتدوها" وقال: "ومن يتعدَّ"، الفارق أنه في العبادات يُنهى عن مجرد الاقتراب من الحدّ، أما في المعاملات فيُنهى عن تجاوزه، كأن المنطقة المحيطة بالعبادة أكثر حساسية، والحماية فيها تبدأ قبل الحدّ نفسه بمسافة، وهذا يكشف أن الحدود ليست خطوطًا للعقاب، بقدر ما هي بنية اجتماعية (شبيهة بالهندسية) للحياة الإنسانية، بعضها محاط بحرم أوسع من بعض.
في الحديث المشهور: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات" هو في جوهره تفسير للحدود بلغة المساحة والمسافة، لا بلغة العقوبة، وحديث: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" يستخدم صورة الحمى والملكية (الأرض التي يحظر الاقتراب منها) ليصف علاقة الإنسان بحدود الله، فكلا الحديثين يرسمان صورة مكانية: الحدّ ليس مجرد عقوبة، بل خط في الفضاء الأخلاقي والتشريعي يُرسم ليُحترم.
"الحدود" في القرآن هي اسم لمنظومة الحدود الإلهية في الوجود الإنساني بأسره: في العبادة والأسرة والمال والمجتمع، والعقوبات المقدّرة لم تُسمَّ حدودًا لأنها قاسية أو مغلظة كما هو شائع في الاستعمال أو الفهم، بل لأنها تُجسّد ما هو خارج عن هذه الحدود، كأنه لا شيء آخر بعدها.