تابعتُ ما يطرحه البعض من محاولات بائسة لتسفيه تطلعات أبناء حضرموت، مستخدمين اقتباسات فلسفية في غير موضعها، ومغالطات قانونية وتاريخية لا تصمد أمام البحث العلمي والسياسي الرصين .
ولأن الدول لا تُبنى بالأوهام، فإن دحض الأباطيل يكون بالحقائق والوثائق:
أولاً: يتباكى صاحب الطرح على غياب الأثر القانوني لحضرموت، ويتناسى عمداً أن حضرموت امتلكت كيانات سياسية وسيادية معترفاً بها دولياً وإقليمياً قبل عام 1967 (مثل الدولة القعيطية الحضرمية والدولة الكثيرية).
هذه الدول كانت تملك حدوداً مرسمة، وعملة رسمية، وجوازات سفر، وطوابع بريدية، واتفاقيات دولية موثقة مع بريطانيا ودول الجوار.
الهوية السياسية لحضرموت ليست وهمية ولا وليدة الصدفة، بل تم طمسها وقضمها قسراً لصالح الهوية السياسية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بعد انسحاب بريطانيا.
العودة إلى الحق التاريخي والسيادي لحضرموت هو الأصل، وليس الاستثناء.
ثانياً: يزعم الطرح أن القانون الدولي لا يعترف بدولة تولد من رحم الخصوصية الجغرافية دون اعتراف سابق.
وهذا جهل فاضح بالقانون الدولي المعاصر؛ فنشوء الدول (حسب اتفاقية مونتيفيديو 1933) يقوم على أركان سيادية: (الشعب، الإقليم، الحكومة، والقدرة على العلاقات الدولية)، ولم يشترط القانون يوماً أن تكون الدولة قد ولدت مسبقاً في قالب معين.
عندما تتحدث المكونات الحضرمية (مثل مؤتمر حضرموت الجامع أو مجلس حضرموت الوطني) عن حقوقها، فإن حدودها الإدارية الحالية والجغرافية وثرواتها واضحة كالشمس، وليست بحاجة لمن يمنحها صك غفران أو إذن تعريف من عدن أو صنعاء.
ثالثاً: يزعم المتحدث أن صوت حضرموت لم يظهر أثناء نهب الثروات وانقطاع الخدمات، وهنا قمة التزييف .
فالهبة الشعبية الحضرمية الأولى والثانية، وتقديم قوافل الشهداء، وإغلاق قطاعات النفط (مثل ضبضبة) لإجبار الحكومات المتعاقبة على دفع حقوق المحافظة، كانت وما زالت حراكاً حضرمياً خالصاً لم يستند لأي وصاية تابعة.
أبناء حضرموت هم أول من اكتوى بنيران نهب الثروات، وصوتهم لم يرتفع نكاية بأحد، بل انتزاعاً لقرارهم الذي صودر لعقود.
رابعاً: إذا كان المتحدث يستحضر مقولة كيسنجر بأن السياسة فن إدارة المصالح، فنحن نسأله بالسياق ذاته: من المستفيد الحقيقي من بقاء حضرموت مجرد خزان مالي وجغرافي يتبع لمركز نفوذ آخر؟
إن حق أبناء حضرموت في إدارة أرضهم، وحماية مصالحهم، ورفض التبعية السياسية، هو الممارسة الحقيقية والوعي السياسي لإدارة المصالح لحماية أجيالهم، وليس الخضوع لشعارات عاطفية تريد استنساخ تجارب الماضي الإقصائية تحت مسمى القضية الكبرى.
حضرموت لا تطلب تاريخاً من أحد، فهي التاريخ عمقاً وإرثاً.
ومن يرى في تطلعات أبناء حضرموت مشاريع صغيرة، عليه أن يدرك أن زمن التبعية العمياء قد ولى، وأن قرار حضرموت اليوم يصنعه أهلها بالحقائق والقانون على الأرض، لا بالشعارات الموجهة خلف الشاشات...
صراحة اصلا استغرب من الي يتكلم عن الوحدة اليمنية وصنعاء وضواحيها حواليها كلها مع الحوثي !
وحدة مع من بالضبط ؟؟
ثم ليش الحكومة محد يجيب سيرة الحوثي ولا يتطرق لاي موضوع يخصه ؟
الحديث عن (وحدة) لم يحتفل بها أي أحد في محافظات الجنوب العزيز، ولا حتى يشعر بها الناس في وجدانهم، ولا تعكسها الوقائع السياسية والعسكرية والاجتماعية، ليس خطاب دولة تدرك حجم التحديات، بل خطاب يتجاهل الحقيقة ويحاول القفز عليها.
تجاهل مسألة سقوط الدولة في صنعاء منذ أكثر من 12 عاماً، وعدم وضع مواجهة هذه الحقيقة المؤسفة كأولوية، إذ لا يمكن تجاوز ذلك بخطابات إنشائية أو شعارات وحدوية منفصلة عن واقعنا، وعندما تصل الأوضاع إلى هذا المستوى من الانقسام وفقدان الثقة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الاعتراف بالواقع والتعامل معه بعقلانية، لا محاولة تجاهله.
بعد كل ما جرى منذ 1994 وحتى اليوم، من حروب وإقصاء وفشل وتعقيدات، لا يزال البعض يعتقد أن بالإمكان إدارة المشهد بالعقلية القديمة نفسها، عقلية فرض التصورات الجاهزة، وإقصاء الأصوات المختلفة، والتعامل مع الجنوب كملف يجب احتواؤه لا كقضية يجب الاعتراف بها، وهذا التفكير الخطير والقاصر أحد أهم الأسباب التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
لا أحد يرفض السلام، ولا أحد يعارض الحوار، لكن الحوار الحقيقي لا يبدأ بفرض النتائج مسبقاً، ولا بوضع سقوف سياسية فوق إرادة الناس، بل يبدأ بالاعتراف المتبادل واحترام الحقائق والبحث عن حلول واقعية تحفظ الاستقرار وتمنع إعادة إنتاج الصراع.
ومن هنا، فإن الحديث عن (حوار جنوبي تحت سقف الدولة اليمنية) مرفوض بشكل قاطع، وهو حديث غير دقيق وغير مسؤول، ولا يتطابق مع طبيعة التزامات الأشقاء في المملكة بصفتهم رعاة لهذا الحوار.
لم يعد مقبولاً الحديث بلغة المنتصر، بينما الدولة غائبة عن صنعاء ومعظم محافظات الشمال، والمؤسسات تحتاج الى جهد مضاعف لانتشالها من الشلل، والناس تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية استثنائية، فهي لغة لا تقنع أحداً، بل تعمّق الفجوة وتكشف حجم الانفصال بين الخطاب السياسي وواقع الناس المعيشي، ومن المؤسف أن تُطرح مثل هذه الرسائل في مرحلة حساسة تحتاج إلى التهدئة وبناء الثقة، لا إلى الاستفزاز وإعادة تدوير الشعارات التي تجاوزها الواقع منذ سنوات.
الجنوب اليوم ليس هامشاً يمكن تجاوزه أو التعامل معه بعقلية الوصاية أو فرض السقوف المسبقة، بل قضية وطنية وسياسية وشعبية قائمة بذاتها، نتجت عن فشل الوحدة، وفرضت حضورها بتضحيات أهلها وبالتحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وإذا كان هناك من يدرك خطورة المرحلة فعلاً، فإن الأولوية يجب أن تكون لتحرير صنعاء واستعادة ما تبقى من الدولة، بدلا من الحديث عن انتصارات وهمية باسم الوحدة، بينما لا علاقة لها بحقائق الميدان.
احترام الجنوب وقضيته ليس مجاملة لأحد، ولا منّة من أحد، بل ضرورة لأي مسار جاد يبحث عن الاستقرار والسلام ومستقبل قابل للحياة، والتاريخ سيكتب عن من امتلك شجاعة الاعتراف بالواقع، والتعاطي الحكيم والمسؤول والعقلاني معه، واحترام إرادة الشعب في الجنوب.
وصول معدات مشروع الـ200 ميقا للكهرباء بعد الإعلان عنه ووضع حجر الأساس قبل فترة، رسالة واضحة أن الوعد إذا اقترن بالعمل يتحول إلى إنجاز. يُحسب للمحافظ الخنبشي وفاؤه بما أعلنه ومتابعته للمشروع حتى يرى النور، فالمواطن يبحث عن نتائج تُخفف المعاناة وتلامس احتياجاته اليومية، لا مجرد وعود وتصريحات.