مشروع كرة القدم السعودي يبدأ من الأسرة .. لا من المنتخب 🇸🇦
كلما ناقشنا مستقبل كرة القدم السعودية، بدأنا من المكان الخطأ.
نتحدث عن المنتخب، أو الدوري، أو الأندية، بينما الحقيقة أنها آخر الحلقات في السلسلة، وليست أولها.
البداية الحقيقية تكون من خلال الأسرة.
الأب أو الأم هم من يقررون تسجيل الطفل في أكاديمية، أو تركه يلعب في الحارة، أو إيقافه بعد أول تجربة سيئة. ومن خلالهم تتشكل علاقة الطفل بالرياضة من الأساس. إذا أردنا بناء مشروع كروي طويل المدى، فعلينا أن نسأل سؤالًا مختلفًا: كيف نجعل الأسرة السعودية أكثر رغبة وثقة في أن يمارس أبناؤها كرة القدم؟
من وجهة نظري، ينبغي أن يبني الاتحاد السعودي لكرة القدم استراتيجيته على مرتكزين أساسيين، وأن تُقاس جميع مبادراته من خلالهما.
المرتكز الأول هو زيادة فرص لعب كرة القدم.
النجاح لا يبدأ بعدد البطولات، بل بعدد الأطفال الذين يركضون خلف الكرة كل يوم. وكلما اتسعت قاعدة الممارسين، ارتفع مستوى المنافسة، وظهرت مواهب أكثر، وأصبحت جودة المخرجات أفضل بشكل طبيعي.
لكن زيادة فرص اللعب لا تعني بناء ملاعب جديدة فقط، بل تعني إزالة كل العوائق التي تمنع الأسرة من إدخال أبنائها إلى هذه المنظومة.
هل البيئة داخل بعض الأندية والأكاديميات مطمئنة؟ هل اختيار اللاعبين يتم بعدالة؟ هل الرسوم مناسبة؟ هل توجد برامج تراعي الدراسة؟ هل يشعر ولي الأمر أن ابنه يتطور من الناحية القيمية مع الفنية حتى لو لم يصبح لاعبًا محترفًا؟
هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها في الواقع تحدد ما إذا كان الطفل سيستمر في ممارسة كرة القدم أو سيتركها.
ومن هنا، فإن بناء الثقة مع الأسرة يجب أن يكون جزءًا من عمل الاتحاد، تمامًا كما هو تطوير المسابقات. فكلما أصبحت البيئة آمنة وأكثر احترافية وشفافية، ازدادت رغبة الأسر في إشراك أبنائها، واتسعت قاعدة الممارسين.
المرتكز الثاني هو زيادة فرص النجاح والتطور.
ليس كل لاعب يبدأ في نادٍ كبير، وليس كل موهوب يُكتشف في سن العاشرة، وليس كل طفل يعيش في مدينة تتوفر فيها أكاديميات ومرافق رياضية.
لذلك، لا ينبغي أن يكون هناك طريق واحد للنجاح.
المدرسة، والحواري، والأكاديميات، والجامعات، والبطولات المجتمعية … جميعها يجب أن تكون جزءًا من منظومة واحدة، تسمح باكتشاف المواهب وتطويرها أينما كانت. كما يجب أن تراعي الاستراتيجية اختلاف طبيعة مناطق المملكة، فلكل منطقة ثقافتها وتحدياتها، وما ينجح في مدينة كبرى قد لا يكون الحل المناسب لمحافظة أو قرية، والعكس صحيح.
أعتقد أن أي مشروع في كرة القدم، مهما كان حجمه، يجب أن يخضع لاختبار بسيط:
هل زاد فرص اللعب؟
وهل زاد فرص النجاح والتطور؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهو مشروع يستحق الاستثمار، سواء كان ملعبًا، أو بطولة، أو أكاديمية، أو برنامجًا مدرسيًا.
أما إذا لم يحقق أحد هذين الهدفين، فمن الصعب اعتباره إضافة حقيقية لمستقبل كرة القدم السعودية.
في النهاية، المنتخبات القوية لا تُصنع قبل كأس العالم بعامين او ثلاثة، ولا تبدأ داخل المعسكرات، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما تثق الأسرة بأن أبناءها يدخلون بيئة رياضية محفزة وآمنة، وعندما يجد كل طفل فرصة للعب، وكل موهبة فرصة للتطور.
حينها فقط، سيكون المنتخب القوي نتيجة طبيعية، وليس مشروعًا يبدأ وينتهي مع كل بطولة.