باستثناء الهلال، نجد أن جميع أندية الصندوق، إلى جانب الأندية ذات الملكية الخاصة مثل القادسية والدرعية والعلا ونيوم، تعيش حالة صعود مستمر وملحوظ، بينما الهلال وحده يمرّ بحالة تراجع مهول. فهل المشروع قائم على صناعة أمجاد للآخرين على حساب المشرف الأول للمملكة؟
مالك الأندية الأربعة يتعامل معها من زاوية اقتصادية بحتة، مهمِلًا البعد الجماهيري، مع أن هذه الأندية، قبل انتقالها إلى الملكية الخاصة، كانت في الوجدان الجمعي ملكية جماهيرية بالأساس. وفي ظل هذا المشروع، كان الهلال وجماهيره هما الخاسر الأكبر: النادي يُحرم من إيراداته، والجماهير تُحرم من الفرح مع معشوقها.
تكبيل الهلال عبر تقييد إيراداته، وتحجيم أدوار رجالاته، والتضييق على نطاق واسع من حقوقه الأساسية، تراكم خلال العامين الأخيرين بصورة صارخة. وهذا المشهد يوحي بأن الأمر لن يقف عند هذا الحد، خصوصًا مع تزامن الانشقاق داخل البيت الأزرق، والهيجان الجماهيري، والتحرك الإعلامي الممنهج، بما يشي بفوضى خلاقة قد تدمّر هذا الكيان.
على الجماهير أن تُدرك خطورة الأمر، وأن توحّد صوتها موجَّهًا إلى المالك. غير أنني لا أظن ذلك، إذ إن الغيورين الصادقين ثُلّة قليلة قد احترقت أكبادهم، بينما الدهماء ليسوا إلا شُعلات يُستغلّون لحرق ما تبقّى من الهلال وعشّاقه. فنُوكِل أمر الهلال إلى الله وحده، ونبقى سندًا له حتى آخر رمق، لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا.
ليرحل الجميع ويبقى بونو وروبن وثيو. فليرحل الجميع، حتى القائد، ولا بأس في ذلك. هذا الكيان بحاجة إلى دماء جديدة تليق بعظمته. وليرحل المالك أيضًا، فنحن بحاجة إلى مالك غيور وعاشق، أو إلى مستثمر يُقدّر ما بين يديه من إرث عظيم. لا مكان للعاطفة، ولا للشعارات الجوفاء الرنانة، ولا لثرثرة إعلام العتمة والظُلمة.
إذا أردت أن تهدم كيانًا، فعليك أولًا هدم مصادر قوته. اجعل حشود المنتمين تتضارب فيما بينها، وأشعل لهيب الفتنة بينهم. ثم اضربهم بلهيبهم على رجالات الكيان ورموزه، واجعل أصوات الأبواق من الإعلام المنتفعة سلاحًا ووقودًا ضدهم. اضرم النار واستمتع بالفرجة، حتى تُقصم ظهورهم، وينهار الكيان في الخفاء والعلن.
نستودع الله نبعًا لا ينضب، نستودع الله الهلال، وحسبنا المهيمن على كل مهيمن! وحسبنا الجبار على كل جبار، وحسبنا القهار على كل قهار، وحسبنا الذي هو حسبنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
المهرّج الحزين..
الحقيقة بين يدي الملوك والأباطرة!
المهرّج شخصية متكررة في الأمم والحضارات، مهما تغيّر اسمه أو شكله يبقى جوهره واحدًا: السخرية التي تخفي الحقيقة. ارتبط وجوده ببلاطات الملوك والأباطرة، حيث مركز القرار والهيبة. كان وسيلة للتنفيس عن ضغط السلطة؛ يضحك الملك وسط هموم الحرب والسياسة، ويؤدي دور "اللسان الحر" الذي يقول ما لا يجرؤ غيره على قوله. يذكّر الملك بأنه بشر فيكسر هالة السلطة، ويمثّل في الوقت ذاته صوت الشعوب داخل البلاط: ضحكة ساخرة قد تكشف فسادًا أو حماقة أكثر من نصيحة جادة.
في مصر القديمة جلس المهرّجون بين يدي الفراعنة، وكانوا من الأقزام والراقصين الذين جمعوا بين الترفيه والرمزية الدينية. وفي الصين استمع إليهم الأباطرة، وبعضهم غيّر قرارات سياسية كبرى بكلمة ساخرة، عُرفوا باسم You Ren "الناس المضحكون" أو Xiaochou "المهرّجون"، وكانوا بمثابة الناقد الساخر الذي يجرؤ على مخاطبة الإمبراطور بالضحك. أما في الهند، فقد ظهر في مسرحيات البلاط باسم Vidushaka "الفيدوشاكا"، المهرّج الفيلسوف الذي يسخر من التناقضات ويكشف عبث السلطة.
في أوروبا الوسيطة برز Jester "المهرّج البلاطي"، الذي بدا أحمق في الظاهر لكنه كان "المجنون الحكيم"، اشتهر في بلاط الملك هنري الثامن مهرّجه Will Sommers، وفي فرنسا عرف الملك فرنسوا الأول مهرّجه الذكي Triboulet. وفي حضارات أمريكا الوسطى عند الأزتيك والمايا، برز "المهرّج الطقوسي" الذي يرقص ويسخر ليذكّر بأن القداسة والعبث يسكنان معًا في الحياة. وفي العالم الإسلامي تقمّص الدور "النديم" أو "المضحك السلطاني"، مثل بهلول عند العباسيين، أو شخصيات قراقوز وعيواظ في التراث الشعبي.
لكن خلف الأقنعة الملوّنة كان هناك وجه آخر، كثير من المهرّجين عاشوا ازدواجية قاسية: يُضحكون الجميع وهم محمّلون بالحزن. ومن هنا جاء تعبير "المهرّج الحزين" الذي صار رمزًا في الفن والأدب. فالمهرّج الذي يضحك الملك والجمهور قد يكون أكثر من يشعر بالوحدة، وكأن وظيفته أن يضحك العالم ليُخفي جراحه. هذه المفارقة جعلت شخصيته مزيجًا من الكوميديا والتراجيديا في آن واحد: كلما اشتد الضحك الذي يقدّمه للناس، ازداد شعوره بالفراغ الداخلي.
سيغموند فرويد رأى أن الدعابة قد تكون آلية دفاع نفسية يلجأ إليها الفرد لتفريغ القلق أو الكبت، وفسّر كيف يمكن للنكتة أن تخفي آلامًا دفينة. أما فيكتور فرانكل مؤسس العلاج بالمعنى، فذكر أن الدعابة أحيانًا "صرخة روح"، وأن القدرة على الضحك حتى في أقسى الظروف دليل على مقاومة داخلية، لكنه حذّر من أن هذا الضحك قد يخفي يأسًا عميقًا إن لم يُدعَم بالمعنى. وإريك فروم في كتاباته حول المجتمع السليم تحدّث عن الأقنعة الاجتماعية، ورأى أن كثيرًا من الناس يخفون حقيقتهم خلف قناع الدور الذي يُنتظر منهم، والمهرّج أبرز رموز هذه الازدواجية.
انشقاقات زرقاء..
"نظرية المؤامرة" فعل طبيعي في ميزان الواقع!
بناءً على التعريف المطلق لـ "نظرية المؤامرة"، يمكن فهم أنها تتخذ أشكالًا متعددة في مجالات الحياة المختلفة، إذ تُعرَّف بأنها: "اعتقادٌ بأن عددًا من الأشخاص الفاعلين يتفقون سرًا على تحقيق هدف خفي، يُنظر إليه على أنه غير قانوني أو خبيث".
يقترح جان ويليم فان برويجن في كتابه "سيكولوجية نظريات المؤامرة" أن أي معتقد لا يمكن وصفه بـ "المؤامرة" إلا إذا توافرت فيه خمسة مكونات أو صفات حاسمة، وهي التي تجعل هذه المعتقدات متميزة عن غيرها من أشكال المعتقدات الأخرى.
هذه المكونات هي:
1- الأنماط (Patterns): ترى نظرية المؤامرة أن الأحداث مترابطة بشكل غير عشوائي، بحيث تُفَسَّر سلسلة من الوقائع المريبة على أنها لم تحدث مصادفة.
2- العامل (Agency): تفترض أن هناك خطة معقدة ومقصودة وُضعت ونُفِّذت بعناية من قِبَل جهات فاعلة.
3- الائتلافات (Coalitions): يُنسج الاعتقاد عادة حول مجموعة أو تحالف من عدة جهات، وقد لا يكونون دائمًا من البشر.
4- العدائية: يُفترض أن التحالف المشبوه يسعى وراء أهداف شريرة وأنانية لا تصب في المصلحة العامة.
5- التكتم المستمر: تقوم المؤامرة على السرية والخفاء، حيث لا تُكتشف بأدلة قاطعة، وتظل عملياتها المفترضة غير مؤكدة.
يشير فان برويجن إلى أن نظريات المؤامرة ليست بالضرورة باطلة، إذ إن بعض المؤامرات كانت حقيقية بالفعل، كما أن الميل إلى تبني هذه النظريات سلوك بشري طبيعي، قد يكون نتاجًا تطوريًا لآليات عقلية وظيفتها اكتشاف الأنماط والفاعلين والتحالفات.
وربما تكون آلية نفسية متكاملة تطورت خصيصًا للكشف عن "الائتلافات الخبيثة" ومواجهتها، وهذا يعني أن الشك تجاه بعض الجهات ليس عيبًا، ربما يكون جزءًا من آليات البقاء التي حمَت الإنسان عبر التاريخ.
كما أن الشك واليقظة قد يؤديان وظيفة تحذيرية أو مناعية في مواجهة تهديدات فعلية، حيث يُنظر أحيانًا إلى من يثير هذه المخاوف كشخص حذر يرى ما يغفله الآخرون، وهو ما قد يمنحه أو يمنح جماعته مكانة أو حماية في السياق الاجتماعي.
ما يتعرض له الهلال من عراقيل ومعوقات وتحديات – كما صرّح أحد المسؤولين – وما تكشفه الأحداث والوقائع من قرائن وأشباه أدلة، فضلًا عن الأدلة والبراهين الواضحة، يجعل من "نظرية المؤامرة" أمرًا واقعيًا إيجابيًا، وليس سلوكًا نفسيًا سلبيًا، فكل ما يحدث للهلال في العلن يعبّر عن وجود ما يُحاك ضده في الخفاء.
إن ما يُحاك ضد الهلال ليس وهمًا ولا مبالغة، مع ما نراه من حزمة القرائن والوقائع المتكررة، فمن حق جمهور الهلال العاقل أن يتعامل معها بوعي ويقظة، لأن فكرة المؤامرة قد تتحول إلى طاقة إيجابية تدفع الجماعة إلى التماسك، وتغذّي روح الدفاع عن الكيان، وإدراك ما يجري حول الهلال خطوة أولى لحماية تاريخه وصون مكانته.
يقول فيلسوف العلم كارل بوبر: "من المؤكد أنني لا أنكر وجود المؤامرات، بل إنها تتضاعف باطراد كلما وصل من يؤمنون بفعاليتها إلى الحكم". وفي السياق نفسه يضيف ريتشارد هوفستانر: "لقد وُجِدَت بالفعل أعمال تآمرية على مرّ التاريخ، وليس من قبيل الجنون الارتيابي البتة أن يقرّ المرء بذلك".
أصداء القرون.. شذرات من التاريخ!
تقاطعات أوروبية: فرنسا والبرتغال وإيطاليا.
عبر العصور الأوروبية، سواء المظلمة أو الوسيطة، لم تكن العلاقة بين فرنسا والبرتغال علاقة تحالفات ومعاهدات رسمية، كانت علاقات متذبذبة ومتغيرة، خاضعة لموازين القوى حسب الصراعات أو توسع النفوذ في عهود الذبول أو الازدهار. فقد كانت إنجلترا الحليف الأقدم للبرتغال منذ معاهدة "وندسور 1386"، وهو ما جعلها في الخندق المعاكس لفرنسا، خصوصًا خلال حرب المئة عام بين فرنسا وإنجلترا.
حتى بعد "اتحاد التيجان" بين إسبانيا والبرتغال، لم تدخل فرنسا في حلف معهما. وبعد أن استعادت البرتغال استقلالها عام 1640 وخلعت "اتحاد التيجان"، سعت فرنسا لدعمها في مواجهة إسبانيا، لكن الحليف الأقدم والداعم الأهم كان إنجلترا. وقد أسفر ذلك عن انضمام فرنسا إلى جانب إسبانيا ضد إنجلترا والبرتغال في حرب السنوات السبع (1756–1763).
بلغت العداوة ذروتها مع خطوة نابليون بونابرت، حين غزا البرتغال عام 1807 بسبب تحالفها مع إنجلترا ورفضها الانضمام إلى الحصار القاري ضدها. عندها تحولت العداوة إلى صدام عسكري واضح، فظل البلدان في معسكرين مختلفين عبر التاريخ الأوروبي، من العصور الوسيطة إلى بدايات العصور الحديثة.
كان "أسد المحيط" أفونسو ألبوكيرك (1454–1515) القائد البحري والمؤسس الفعلي للإمبراطورية البرتغالية التي سيطرت على المحيط الهندي، وصانع هيبتها العالمية، ومن صاغ سياستها الاستقلالية التي لم تخضع حتى لأوامر البلاط في لشبونة. وقد تزامن وجوده مع جواو الثاني "الأمير الكامل" الذي قوض نفوذ النبلاء وأعاد السلطة المركزية إلى يد التاج.
أما في فرنسا، فقد كان من أعاد السلطة المركزية وقوض نفوذ النبلاء، واضعًا لها مكانًا كقوة عظمى في أوروبا، هو الكاردينال ريشيليو (1585–1642)، رجل الفكر والدولة المعروف بـ"صاحب القبعة الحمراء واليد الحديدية". جمع بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة، وفرض نفوذه على الملك لويس الثالث عشر وعلى البلاط الفرنسي، وكان يؤمن بأن "الدولة فوق الجميع". لقد رسخ مبدأ الدولة القومية المركزية وجعل منها نموذجًا أوروبيًا.
وفي خضم هذه الصراعات المتعددة والمتجاوزة في القارة، برزت إحدى أكثر الشخصيات نفوذًا وجدلًا من إيطاليا: الملكة الأم كاثرين دي ميديتشي (1519–1589)، سليلة العائلة الفلورنسية، زوجة الملك الفرنسي هنري الثاني، وأم الملوك الثلاثة والوصية القوية على العرش الفرنسي. كانت أسطورة عصر النهضة الفرنسية، وذاع صيتها بدورها المحوري في الحكم خلال فترة الاضطراب الديني والسياسي في فرنسا، حتى غدت الحاكمة الفعلية لعقود طويلة.
القانون السنني يتكرر في التاريخ: فالإرادة القوية تنفلت من القيود، وتصوغ الاستقلالية، وتدفع روح المغامرة. واعتبار السلطة المركزية فوق الجميع هو ما يقوض القوى المفرقة، ويحوّل الكيانات الصغيرة إلى قوى كبرى تقدم نفسها كنموذج. والإرث، أيًا كان، قد يفعل فعله في أي مكان ليصبح محورًا في كل مشروع. وحين تضعف الأركان أو تتصدع القوى، تبرز النماذج الاستثنائية التي تختصر الطريق.
في اللهجة المصرية الدارجة يُقال: "ربنا يكفيك شر ساعة الغفلة". ومن منظور الحياة المعاشة، فإن ساعة الغفلة هي تلك اللحظات التي ينفصل فيها الإنسان عن الحقائق وما وراء الأحداث والوقائع؛ لحظات ناتجة عن تراكم حالات الاستنزاف النفسي. وشرّ ساعة الغفلة أن يُسرق الإنسان من ذاته.
الحفاظ على الطاقة الذاتية الداخلية في العالم الافتراضي واجب شرعًا كما هو في العالم الواقعي، وهو من مقاصد الشريعة في حفظ الضروريات الخمس. في هذه العوالم، يكون الاستنزاف النفسي هائلًا، ويحدث غالبًا في لحظات الاستغراق، حيث يكون الوعي تحت وطأة الانفصال والغفلة.
اللهم أنزل على عبدك شفاءك، وألبسه عافية من لدنك. اللهم يا من أيقظت قلوب العارفين من سباتها، أيقظ عبدك من غيبوبته، وأخرجه من ضعفه إلى قوتك، وردّه إلى أهله سالمًا. اللهم انفح عليه من نسيم رحمتك، واغسله بماء عافيتك، واجعل له نصيبًا من سر قولك: "وإذا مرضت فهو يشفين".
#فهد_المولد
اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ سرّ المحبة، ونبع الرحمة، ولسان الهدى، ومفتاح القرب، صلاةً توقظ بها روحي من نوم الغفلة، وتطهّر بها سرّي من دنس الغفلة، وتسكب بها في قلبي أنوار محبتك، وتغمرني بحنان رحمتك، وتوصلني إلى حضرة قدسك.
في سورة الذاريات؛ تحمل الرياح المذرية معنى المفرّقة والمبعثرة، أي القوة الخفية القادرة على التغيير والتأثير. والرياح، رغم أنها تفرق، تحمل أيضًا القدرة على الربط، إذ تنقل البذور وتنشر الحياة. حتى تأتي آية: (قتل الخراصون)؛ أي الكاذبون الذين يتكلمون بالظن والتخرّص ويقتلون الحياة.