النصيحة التي لا تعوضها نصيحة لكل مبتلى .. لكل من ذاق غصص الغربة وألم الخذلان، لكل من فقد واستوحش وضاقت به نفسه والأرض بما رحبت! .. لكن من نال منه الحزن والكرب والظلم!
عليك بالقرآن العظيم .. حفظا وتدبرا وتدارسا وتلاوة وإقامة للنفس عليه .. عليك أن تشد على مصحفك بيدك وقلبك وكل ذرة فيك!
وحدثني بعدها عن عوض الله تعالى لك وجبره الذي لا يبارى!
حدثني عن فضل الاستغناء الذي يصنعه فيك، وعن بصيرة ممتدة تردد عند كل محطة امتحان (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
الملوك اليوم!
الأحرار حقا،
هم أهل القرآن وخاصة الله جل جل��له، جعلنا الله وإياكم منهم.
أقصر الطرق إلى حاجتك: أن تشكو إلى الله تعالى حالك وما بك، متعرضا لكرمه وعفوه وإحسانه..اشكُ كل ما يكون بك، واعرض حالك عليه، وقل: بي كذا وكذا، وأرجو كذا وكذا..
ولا يغِبْ عنك مشهد نداءات زكريا وأيوب ويونس وهمهمات الحزن اليعقوبية وهواجس الخوف الموسوية!
وما أجمل أن تصحب هذا كله بالثناء عليه والاستغفار من ذنبك ومعاينة الفقر التام له سبحانه، مع اليقين التام في قدرته على كل شيء، ومحبته سماع الشكوى منك، وأن أمرك كله عليه هينٌ سبحانه وبحمده، وهو تعالى متعرفٌ إليك بكل ما قدره لك، برا، وقهرا، عسرا، ويسرا!
والعبد الموفق منيب دائما! منكسر دائما!
من خصال الكمال أن يكون الإنسان سهلًا، هينًا لينا، قريبًا من الناس.
وهي النعوت التي ذكرها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله فيمن يحرم على النار يوم القيامة.
ومن نعوته الشريفة بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم=ما ذكره سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ أنه ﷺ كان رجلًا سهلًا.
والنظر المتأني في هذه الخصلة الشريفة يفتح بين يدي العبد أبوابًا شريفة من النظر!
فالسهولة فيها معنى حسن العشرة، ولين الجانب، وقُرب الإنسان للناس في استرضائه، والوصول إليه، وأمانهم في حضرته، وفي مغيبه!
مع اتساعه بالحلم والصفح، والرفق وترك الإعنات وسوء الظن، وغلق أبواب الشيطان كلها.
مع حبه العفو، والستر، وتيسير سبل النجاة بما يُصلح العبد، وتطيقه نفسه، وقد كان من صفته ﷺ أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثمًا؛ فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس عنه !
وكذلك السهولة تتضمن الإعراضَ في غير صخب عن عوارض السوء وعثرات الضعف التي لا ينفك عنها إنسان ممن تعاملهم!
ولو استقصينا لأطلنا، وحسب المحب نورًا أن يعلم أن هذا خلق خير الخلق ﷺ ليعتصم ب�� ويجتهد في التخلق به ما وسعه ذلك!
والله ربنا المنان ذو الجلال والإكرام!
وقد يكون من بلائكَ أن تفعل كل القُربات التي قال أصحابُها إن الله فرّج عنهم بإحداها، وتأتي أنت بما فعلوه جميعاً، ولا يُفرّج عنك.
أحد امتحانات العبودية، أن تؤمن أنه أعلم منك ب��لأصلح لك، وأن أفضل وقت لساعة فرَجك، يعلمه هو لا أنت.
وأحسن ظنك، فلربما قبلَ طاعتك، فأراد لك أن تزداد منها.
والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يُرد من عبده أن يتجلَّد عليه، بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه.
وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه .
أبو عبدالله ابن قيم الجوزية رضي الله عنه
بعد وفاة أمي، بوقتٍ ليس بالطويل، وبعد أن تقبلت دخول منزلها وهي غائبة تحت التراب..
فوجدت أطقم ضيافة كاملة لاتخرج إلا في المناسبات، لازالت كماهي؟؟
وجدت أغطية ما زالت على كراسي طاولة السفرة،
ومطبخًا جديدًا في قسم الضيوف،
استخدمت عدة مرات فقط،
عندها شعرت بانزعاج عميق،
ليس على الأثاث… بل على الوقت.
ماذا لو استمتعت أمي بما اقتنته؟
ماذا لو استخدمت ما اشترته من أجلها، لا من أجل “الناس”؟
ماذا لو شاركت حياتها مع الأشياء بدل أن تنتظر مناسبة لم تأتِ؟
كبرت، تعبت، مرضت، ثم رحلت…
وكل ما في البيت بقي جديدًا،
كأنه كان ينتظرها،
لكنها لم تعُد.
هذه ليست قصة أثاث،
بل قصة ثقافة تؤجّل الحياة باسم الذوق،
وباسم “الضيوف”،
وباسم صورة اجتماعية قد لا تأتي أبدًا.
عندها أدركت أن بعض البشر لا يؤجلون الأشياء…
بل يؤجلون ذواتهم.
نؤجل الجمال إلى حين،
والراحة إلى حين،
والاستمتاع إلى مناسبة قادمة،
كأن الحياة وعدٌ مؤجّل لا استحقاق حاضر.
نعيش بمنطق “ليس الآن”،
نحافظ على الأشياء من أجل الآخرين،
وننسى أن أول من يحق له العيش… هو صاحب الحياة نفسه.
كبرت أمي وهي تحمي الأثاث من الاستهلاك،
لكن الجسد استُهلك،
والعمر استُهلك،
والوقت لم ينتظر.
ماتت،
وبقي كل شيء جديدًا،
كأن الأشياء نجت من الحياة،
بينما لم ينجُ الإنسان.
السؤال ليس: لماذا لم تُستعمل هذه الأشياء؟
السؤال الأعمق:
لماذاالعيش الكامل يحتاج إذنًا اجتماعيًا؟!!
الفلسفة البسيطة تقول:
ما لم يُعش، لا يُعوَّض.
كما تُستَهلَك الأشياء.
والفرق الوحيد:
الأشياء يمكن حفظها،
أما الأعمار فلا.
لذلك عدت لمنزلي وفتحت قسم الضيوف ورفعت اغطية الكنبات..وجلست مع زوجي نشرب الشاي في قسم استقبال الضبوف،.تعجب ولدي وسألني( بيجينا ضيوف)قلت له :لا..تعجب وقال طيب ليه جالسين هنا؟؟؟!!!أرايتم زرعنا فيهم بدون أن نشعر ..كل شيء جميل للضيوف..لماذا لايكون لنا وللضيوف..؟؟؟!!!