رضي الله عنك، لا تفتر عن الدعاء، وادخل في كل وقت وعلى كل حال!
ما تطلبه أنت وأهل السموات والأرض لو اجتمعوا=ليس بشيء في جنب كرم الله وجوده!
ادخل فقيرا مسكينا تسأل بيد الذل لا بيد الاستحقاق، وبلسان المسكنة لا بلسان الاقتراح، مفوضًا لسيدك، محبًا له، موقنا فيه واثقًا به، وبرحمته وسمعه وبصره وقربه وعلمه، وحيائه من سائله.
الدعاء فردوس يتسع باليقين، وينضر بالفقر!
ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربَّه العنايةَ، واستمداده إياه المعاونةَ.
وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرُّؤ من الحول والقوة.
وهو سمة العبودية، واستشعار الذلّة البشرية.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة.
(الخطّابي)
يوم عرفة وهيبة الاستشعار❤️!
ثبت في صحيح مسلم نزولُ الربِّ تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ليُباهي بأهلِ الموقفِ ملائكتَه، ولم يثبت نزوله سبحانه نهارًا إلا في يوم عرفة. في هذه اللحظات العظيمة:كم رقاب ستُعتق؟ وذنبٍ سيُغفر؟ وكسرٍ سيُجبر؟ ودعوةٍ ستفتح لها أبواب السماء؟! وكرمُ الله لا حد له..
كنتُ أقرأ اسم الله (الوهّاب) فأمرّ عليه مرورًا عابرًا، أظنه قريبًا من معنى الرازق أو الكريم، حتى قادتني آيات الكتاب إلى تأملٍ متدرّج غيّر نظرتي إلى العطاء، وإلى الملك، وإلى الذرية، بل إلى معنى وجودي كلّه.
بدأت الرحلة بسؤال بسيط: ما الفرق بين ما نكسبه بأيدينا، وما يُوهب لنا من غير حولٍ منا ولا قوة؟ ولماذا يأتي ذكر هذا الاسم في لحظات العجز وانقطاع الأسباب؟
عندها بدأ الخيط يتكشف.
استوقفني أولًا ذلك الاقتران في سورة ص: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾، ففهمت أن الهبة لا تكون إلا من عزيزٍ قادر، يملك فيعطي، ويقدر فيتفضل؛ فالعاجز لا يهب.
ثم رأيت سليمان عليه السلام يدعو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾، فعلمت أن الوهّاب هو الذي يعطي فوق المألوف، ويمنح ما تعجز عنه الحسابات، ويكسر حدود الممكن.
وانتقلت إلى بيوت الأنبياء، فرأيت الذرية نفسها تُذكر بصيغة الهبة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾، فبان لي أن ما يظنه الإنسان نتيجةً حتميةً، هو في حقيقته عطاءٌ إلهي، يأتي حين يشاء الله، ولو بعد أن تذبل الأسباب.
ثم رأيت المعنى يمتد إلى ما هو أدق من ذلك؛ إلى الأخوّة والسند: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾، فعلمت أن من يقف معك، ويشد أزرك، ويعينك على الخير، هو أيضًا هبة، ساقها الله إليك رحمةً بك.
ثم ارتفع المعنى إلى ما هو أسمى: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾، فعلمت أن الفهم والبصيرة والتوفيق ليست مجرد نتاج ذكاءٍ أو جهد، بل نورٌ يقذفه الله في القلب.
ولهذا دعا الراسخون: ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾، لأن الثبات نفسه عطاء، والهداية استمرار هبة لا تنقطع.
وفي سورة الشورى تتقرر القاعدة: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾، فيسقط وهم السيطرة، ويثبت معنى الفقر إلى الله في أدق ما يملكه الإنسان.
حتى في دعاء الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، جاء الطلب بصيغة الهبة، لأن صلاح القلوب بيد الله، مهما بذل الإنسان من جهد.
وهكذا تغيّرت الرؤية:
أدركت أن الوهّاب يعطي ابتداءً، ويمنح تفضّلًا، ويجود بلا مقابل، وأن العبد لا يقف بين يدي الله بعمله، بل بفقـره.
فما كان بيدك فهو كسبك، وما استقر في قلبك أو حياتك من غير حساب، فهو من فيض الوهّاب.
وما دام العطاء بيده، فلا يأس مع الوهّاب، ولا غرور مع عطائه.
#اختيارات_القره_داغي
قال له شيخه العارف:
يا بُنيَّ! اطمع في ربك، وأقبل بيقين الإجابة عليه، وإياك وضعفَ بشريتك أن يقوم حائلا بينك وبين غايتك؛ فقد يكون أعظم سببٍ يوصلك أن لا سبب معك!
وكما قالوا:
“ما طلب لك شيءٌ مثل الاضطرار
ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذلة والافتقار“
إنه الله جل جلاله
له الاسم الأعظم الذي تُكشف به الكربات، وتُستنزل به الرحمات، وتحل به البركات، وتجاب به الدعوات.
ذو الجلال والإكرام لا يُذكر في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أمنه، ولا عند همٍ إلا كشفه، ولا عند غم وضيق إلا فرجه ووسعه.
هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، ما تعلق به ضعيف إلا قواه، ولا ذليل إلا أعزه، ولا فقير إلا أغناه، ولا مستوحش إلا آنس وحشته، ولا مغلوب إلا أيده، ولا شريد إلا آواه، ولا مضطر إلا كشف ما به من ضر.
لم تُتعب نفسك ؟!
قُم فتوضأ وصلِّ ركعتين، وما خبأتَه من كلامٍ ثقُلَ عليك في صدرك فاجعله في سجدتك!
فإنه إذا كان في السجود رُفع عنك همك، وارتفع عملك!
قال الإمام بكر المزني رحمه الله: مَن مثلك يا ابن آدم؟!!
خُلِّي بينك وبين الماء والمحراب، متى شئتَ تطهرت ودخلتَ على ربك عز وجل، ليس بينك وبينه ترجمان ولا حاجب".
الدعاء حياة، واستنقاذ للنفس من سجن اليأس، والخضوع للحال، وسطوة الهم، وخروجٌ من رِقِّ الشيطان وحبائل وسوسته وهمزه ونفخه ونفثه وتثبيطه وتحزينه!
وذلك أن في الدعاء ضعفًا يدخل بالإنسان على ربه سبحانه وبحمده فيشهده ربا عظيما، وإلها معبودا لا شريك له، ويتعرف إليه بأسمائه وصفاته عرفانًا يمحو من قلبه كل شرك ورقٍّ ودخَن وظُلمة وكدر وضلال!
فإذا بالذي دخل بوابةَ الدعاء كسيرا مُثقَلًا بعيوبه وذنوبه وهمومه وكلومه=عبدٌ حديث عهدٍ بربه، توبةً وإنابةً وتعرفا وتحببا، وشهودا ويقينا، عليه سيماء الميلاد وأنوار الصبح إذا تنفس!
ومن ذاق معنى الدعاء في سجوده وخلوته، ونعِم بالذل لربه، تعالى، والثناء عليه=لم ينقطع يوما عن الدعاء، والدخول على ربه ليلًا ونهارا، في الخلوة والجلوة، والسر والعلانية، والسحر والضحى!
وطوبى لعبدٍ وُفِّق لسؤال من لا أكرم منه، ولا أرحم منه، ربنا الرحمن الرحيم، خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، سبحانه وبحمده!
وهنالك تلوح له أنوار الأسماء الحسنى: القريب، المجيب، الرحمن، الرحيم، السميع، العليم، القادر، المقتدر، القاهر، الحيي الكريم الستير، الجواد، الحي القيوم، الملك، العلي، العظيم، الوهاب، المنان، الفتاح ، الرزاق، القوي، المتين!
هو طواف للقلب لا ينتهي، حتى يلقى ربه محرما من كل ما سواه، قاصدًا وجهه وحده!
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت!
والأصل في الإنسان أن يكون صموتا محتسبا، باش الوجه معمورا باليقين، يستر عمن يحبهم ألمه ويجعل مستراحه في سجدات الذل لله تعالى، أواها منيبا، مفلسًا بين يدي ربه، متحببا إلى من لا أرحم منه ولا أكرم منه، مستخفيا عن الخلق بحاله وآلامه؛ فإن الله تعالى يحب شهود عبده لمنته وإظهاره لفاقته وذلته، وهذا باب نعيم يعرفه كل من رحمه الله فأطعمه لذة السجود له وحلاوة التضرع بين يديه سبحانه.
قالﷺ:"وأعلم أن النصر مع الصبر
وأن الفرج مع الكرب
وأن مع العسر يسرا"
وهذا يدل على أن العبد إذا اشتد عليه الأمر
وأحسن الصبر
وأحسن الظن بالله
فإنَّه يؤذن له بأن ينفرج كربه
وأن ييسر له عسره
وهذا من فضل الله
قال الشاعر في القصيدة المسماة المنفرجة:
اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج