هذه الطفلة، التي لم تكمل من سنوات عمرها إلا قليلاً، تقف عند ناصية الوجع لتروي عطش أهلها بقربة ماء قد لا تكفيهم، لكنها تفيض عن قدرتها الصغيرة التي أنهكها حمل أكبر من طفولتها.
تخطو بحذاء مهترئ يكاد يلفظ بقايا نعلِه، تتعثر بثقل القربة التي تأبى إلا أن تحملها مرة أخرى، كأنها حملتها الأقدار قبل أن تحملها يداها الصغيرتان.
ترقب عيون أهلها عودتها، فلا خيار لها إلا المثابرة. ترى كتفيها النحيلتين ترتعشان تحت وطأة الحمل، لكنها تأبى السقوط، تمسح وجهها من عرقٍ ممزوج بغبار النزوح والحرمان، وتسير في صمتٍ يصرخ عن ألمٍ يفوق عمرها، وحلمٍ بسيط بأن تعود بقربتها الممتلئة، لتروي عطش أمها وأبيها وإخوتها.
أين العالم من هذه الطفلة؟
ماذا أعطاها ليطلب منها هذا الثمن الباهظ؟
أليس لها حق في اللعب والدفء؟
أليس لها حق في الحياة بعيدًا عن شقاءٍ كُتب عليها لأن اسم مدينتها غزة، ولأنها تعيش تحت حصار إبادة؟
تختفي هذه الطفلة بين الجموع، بين قصصٍ لا تنتهي، بين أطفالٍ مثلها لم ترهم الكاميرا ولن تراهم.
ينهضون كل يوم تحت أقدام المعاناة، يركضون بأجسادٍ صغيرة أنهكها الجوع والخوف، يحملون ما لا يحتمله الكبار، ويعيشون ما لا يستوعبه عقل.
أنت تراها الآن، صورةً عابرةً تهزّ فيك شيئًا من الإنسانية، لكنك تعود سريعًا إلى تفاصيل حياتك.
أترى ستذكرها حين تُطفئ هاتفك؟
أترى ستسأل نفسك عن أطفالٍ آخرين مثلها لم يظهروا على شاشتك؟
أم أن هذه القصة ستذوب في زحام يومك، كأنها لم تكن؟
إن كنت تقرأ هذا الآن، فاعلم أن أطفال غزة لا يختفون بين الجموع فقط، بل يختفون من ذاكرة العالم.
هم هناك، ينتظرون قربة ماء، وقطرة رحمة..
فهل تراك تهتم؟
ما لن تسمعه في الأخبار:
طبعا تسمع عن مهرجانات الرقص وإنشاء أضخم الملاعب ممن يتغافلون عما يحصل لإخواننا في غزة..لكنك لن تسمع عن:
1. إفشال أهل المغرب لمهرجان "موازين" الموسيقي الخائب استجابة لدعوات أهل الخير تحت شعار "لا ترقصوا على جراحهم"
2. قوافل الأطباء المنطلقين من الجزائر لنجدة إخوانهم في غزة
3. اضطرار مجمع النقابات لإيقاف استقبال المتبرعين بدمائهم في الأردن خلال ساعات نظراً للإقبال الهائل من آلاف المتبرعين
4. إرسال أهل كردستان العراق مئات الذبائح لإخوانهم في غزة ثم بنائهم لنقاط طبية ومستشفى في خانيونس، واقرأ في الصور: "إن هذه أمتكم أمة واحدة"-من أحفاد صلاح الدين الأيوبي في كردستان إلى إخواننا في غزة.
وغيره الكثيييير. وهذه نماذج لفت نظري إليها بعض الإخوة.
أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة حية، والخيرون فيها كثُر كثُر، ونسأل الله أن يرحمها بهذه الرحمة التي في قلوب كثير من أبنائها.
ما أعظم صبرك وما أجمل روحك!
أسأل الله أن يفرج عنكم وينصركم ويخزي عدوكم ومن والاه..
ويعيننا على نصرتكم..
انظر ما آخر ما يفعله قبل ان يترك بيته الى حياة النزوح
قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله:
(ولولا دَويُّ القُرآنِ في الأذان، ولولا كلمةُ التوحيدِ التي نزلتْ في جِذرِ قُلوبِ الأمَّةِ رِجالًا ونِساءً، لَتَفارَطَ عِقدُ هذه الأُمَّةِ العظيمةِ تحت النَّكباتِ كما تتفارَطُ حَبَّاتُ عقْدٍ وَهَى سِلْكُهُ وهلك) (جمهرة المقالات).
وصدق! فما تتعرض له هذه الأمة يهد الجبال لولا تثبيت الله بالقرآن والتوحيد.