مرة أخرى ، كلامي في واد وردك في واد
فأنا لم أقل أن كل ما ينشره الشيخ حسن ، وما جعلت من رأيي ميزاناً للحق ، ولم أطلب منك ثناءً على أحد ، ولا أقول أن الشيخ معصوم من الزلل أو منزه عن التصحيح والنقد
كل ما في الأمر أنه إذا أردت الانتقاد ، فانتقد بحجم الخطأ دون تضخيمٍ ولا تهويل ، ولا تجعل اختلافك معه في مسألة ذريعةً لإسقاط الرجل بالكلية ، فهذا والله ليس من طريقة السلف في شيء
هدانا الله وإياكم إلى سواء السبيل
بناء الأحكام على توهُّم المصلحة مع إغفالِ الواقع مزلقةٌ في النقد ؛ فالمتَناظَرُ معه قد خرج من خِدر الخفاء واشتهرت شبهاته قبل مدَّة بمناظرته وليد إسماعيل ، فما عادت مناظرته اليوم التماساً لشهرته بل قمعاً لفتنته ودفعاً لشرِّه عن العوام
وتتبُّع المواقف الاجتهادية وتضخيمها واتخاذها ذريعةً للهجر والإسقاط ليس من مسالك الإنصاف في شيء ، بل هو عين الفجور في الخصومة
إذا رأيتم الـ"شيخ" يناظر كافرًا أو ضالًّا مغمورًا، متابعات الشّيخ تفوقه أكثر من عشرين مرّة.. اضربوا بعقل هذا الشّيخ عرض الحائط، واهجروه لو أصرّ، فالحكم في السّفهاء الحبس، والهجر فيه من معناه.
ولكن كما أن البدن المريض لا يتذوق الطعام ولا يستشعر حلاوته
فالقلب المريض كذلك لا يذوق طعم الايمان ولا يستشعر حلاوته
اللهم يا سلام سلمنا من الشرك والبدع والذنوب وسيئ الأخلاق
آمين
ما اتعبت نفسي ولا شيء لا تقلق ؛ لكن يبدو أن حبل فكرتك انقطع عن جادة كلامي ، فردّك في وادٍ وكلامي في وادٍ آخر تمامًا
كلامي لم يكن حول تأصيل مبدأ المناظرات كمسألة علمية ، ولي فيها رأي لستُ بصدد طرحه هنا لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ولو سلمنا وقوعها ، بل كان حول الفجور في الخصومة والتحامل المبالغ فيه ضد رجل يشاركك ذات العقيدة ، وينتصر لها ليل نهار.
وردك هذا جاء تأكيدًا لهذا التحامل ؛ إذ صوّرت "صاحبنا" وكأن ديدنه وشغله الشاغل هو مناظرة المجاهيل ( لو سلمنا انهم مجاهيل - جدلا - ) ، وهذا افتراء.
وأما توجيهك له بأن رد الشبهات متيسر دون مناظرات ، فقلة من فاقت ردودهم ردوده على شبهات المخالفين وهذا لا ينكره من عنده ذرة إنصاف.
والحمد لله نقرأ ونعرف آثار السلف في مناظرة المخالفين ولكن يبدو لي أنك تجهل شيئا منها والله أعلم ، فاترك هذه الغطرسة في الرد على المسلمين الله يبارك فيك.
واتقِ الله في نفسك وفي أخيك ، ولا تجعل في قلبك غلّاً للذين آمنوا.
قال الحسن البصري رحمه الله :
« لو علم العابدون في الدنيا أنهم لا يرون ربهم عز وجل في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا »
• السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل (486)
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله :
« أعظم لذات الآخرة لذة النظر إلى اللّٰه سبحانه ، كما في الحديث الصحيح : « فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ». وهو ثمرة معرفته وعبادته في الدنيا. فأطيب ما في الدنيا معرفته ، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه سبحانه ».
• مجموع الفتاوى ( ١٦٣/١٤ )
هؤلاء بعد أن نكس شيوخ الأزهر - عليهم من الله ما يستحقون - فطرتهم ، أي دافع سيدفعهم ليعبدوا ربهم حق عبادة في الدنيا إن كانوا أنكروا أعظم لذات الآخرة وأرجاها ؟
يخالفون فطرتهم ويتبعون تخرصات يونانية تخالف العقل حتى قبل مخالفتها الفطرة والنقل ، فالعقلاء لا يرون تناقضاً بين الرؤية والوجود بل على النقيض تماماً : فالرؤية تثبت الوجود ، وما لا يمكن رؤيته بحال هو العدم. ولكن سبحان ربي ، هذه سفاهة عقول المعطلة
نعوذ بالله من ضلالهم ، وتعالى الله عن كفرهم علوا كبيرا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :
الوجوه في إثبات الإجماع على أن بدعة الأشاعرة مكفرة
الوجه الأول : إثبات أن بدعة إنكار العلو مكفرة بإجماع
قال شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل (7/27) :" وجواب هذا أن يقال القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك كالعلم بالأكل والشرب في الجنة والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب والعلم بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما بل نصوص العلو قد قيل إنها تبلغ مئين من المواضع
والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك فلم يكن بنا حاجة إلى نفي ذلك من لفظ معين قد يقال إنه يحتمل التأويل ولهذا لم يكن بين الصحابة والتابعين نزاع في ذلك كما تنطق بذلك كتب الآثار المستفيضة المتواترة في ذلك وهذا يعلمه من له عناية بهذا الشأن أعظم مما يعلمون أحاديث الرجم والشفاعة والحوض والميزان وأعظم مما يعلمون النصوص الدالة على خبر الواحد والإجماع والقياس وأكثر مما يعلمون النصوص الدالة على الشفعة وسجود السهو ومنع نكاح المرأة على عمتها وخالتها ومنع ميراث القاتل ونحو ذلك مما تلقاه عامة الأمة بالقبول
ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس إما لإعراضه عن سماع ما في ذلك من المنقول فيكون حين انصرافه عن الاستماع والتدبر غير محصل لشرط العلم بل يكون ذلك الامتناع مانعا له من حصول العلم بذلك كما يعرض عن رؤية الهلال فلا يراه مع أن رؤيته ممكنة لكل من نظر إليه وكما يحصل لمن لا يصغي إلى استماع كلام غيره وتدبره لا سيما إذا قام عنده اعتقاد أن الرسول لا يقول مثل ذلك فيبقى قلبه غير متدبر ولا متأمل لما به يحصل له هذا العلم الضروري "
وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث 161 - سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول : سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : « من لم يقر بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته ، فهو كافر بربه يستتاب ، فإن تاب ، وإلا ضربت عنقه ، وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون ، والمعاهدون بنتن ريح جيفته ، وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين ، إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال صلى الله عليه وسلم »
وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ كما في مجموعة الرسائل والمسائل ( 1/221) وهو يتكلم عن الأشعرية : " وقد حكى ابن القيم - رحمه الله - عن خمسمائة إمام من أئمة الإسلام ، ومفاتيه العظام أنهم كفّروا من أنكر الاستواء، وزعم أنه بمعنى الاستيلاء، ومن جملتهم إمامك الشافعي -رحمه الله-، وجملة من أشياخه كمالك وعبد الرحمن بن مهدي والسفيانين، ومن أصحابه أبو يعقوب البويطي والمزني، وبعدهم إمام الأئمة ابن خزيمة الشافعي، وابن سريج، وخلق كثير. وقولنا: إمامك الشافعي مجاراة للنسبة، ومجرد الدعوى، وإلا فنحن نعلم أنكم بمعزل عن طريقته في الأصول، وكثير من الفروع، كما هو معروف عند أهل العلم والمعرفة "
وقال عبد الله بن أحمد في السنة 168 - حدثني أبو الحسن بن العطار محمد بن محمد قال : سمعت محمد بن مصعب العابد ، يقول : « من زعم أنك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك لا يعرفك ، أشهد أنك فوق العرش فوق سبع سماوات ليس كما يقول أعداء الله الزنادقة »
وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (5/121) :" قَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ " بِالْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالْفَوْقِيَّة ِ " فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : فِي الْقُرْآنِ " أَلْفُ دَلِيلٍ " أَوْ أَزْيَدُ : تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالٍ عَلَى الْخَلْقِ وَأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ "
وهذا ملخص مفيد ، وتأمل كيف أنه صرح بأن الأشاعرة تنفي العلو والرؤية معاً وذكر بدعة نفي العلو مكفرة
وقال العلامة سليمان بن سحمان البيان المبدي وهو يحكي اعتقاد الإمام المجدد ص42 :" ويبرأ من رأي الكلابية اتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القائلين بانكلام الله هو المعنى القائم بنفس الباري وأن ما نزل به جبرئيل حكاية أوعبارة عن المعنى النفسي ويقول هذا من قول الجهمية"
وقال في الضياء الشارق ص386 :" ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام في نفيالصفات ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخفإلحاداً من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلىأن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره"
وقوله ( الجهمية المتأخرين ) يريد به متأخري الأشاعرة
وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ كما في مجموعة الرسائل والمسائل ( 1/221) وهو يتكلم عن الأشعرية :" وقد حكى ابن القيم -رحمه الله- عن خمسمائة إمام من أئمة الإسلام، ومفاتيه العظام أنهم كفّروا من أنكرالاستواء، وزعم أنه بمعنى الاستيلاء، ومن جملتهم إمامك الشافعي -رحمهالله-، وجملة من أشياخه كمالك وعبد الرحمن بن مهدي والسفيانين، ومن أصحابه أبو يعقوب البويطي والمزني، وبعدهم إمام الأئمة ابن خزيمة الشافعي، وابن سريج، وخلق كثير. وقولنا: إمامك الشافعي مجاراة للنسبة، ومجرد الدعوى، وإلافنحن نعلم أنكم بمعزل عن طريقته في الأصول، وكثير من الفروع، كما هو معروف عند أهل العلم والمعرفة"
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
حال بدعة الأشعرية
بدعة إنكار العلو اجتمع فيها ثلاثة أمور
الأولى : أنها بدعة مكفرة
الثانية : أنها مخالفة لما اشتهر فيه الخلاف بين أهل السنة وأهل البدعة
الثالثة : أنها مخالفة في معنى كلي
ووصف رجل تلبس ببدعة هذه أوصافها الثلاثة بأنه من أهل السنة أمرٌ لا يجري على الأصول أبداً وما رأيت أحداً من السلف يفعله مع من هم أهون من هؤلاء كمرجئة الفقهاء والنواصب والخوارج والشيعة المفضلة فكيف بهؤلاء ؟!
وقال أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني في كتاب الجامع ص121: " ومن قول أهل السنة: أنه لا يعذر من أداه اجتهاده إلى بدعة لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يعذروا "
وتفسير كلامه والله أعلم أن من خالف إلى بدعة جليلة لا يعذر في الحكم الدنيوي فيوصفه في الابتداع وإلا فعذره بالجهل في الحكم الأخروي أمرٌ متقرر عند أهل السنة ، وقد ضرب مثلاً بالخوارج وبدعتهم ليست مكفرة عند جماهير أهل السنة ،فكيف بمن كانت بدعته مكفرة والخلاف معه في باب التوحيد
فالخوارج الأوائل لم يعطلوا الصفات ، ولم يفسروا الإله بالقادر على الاختراع ، ولم ينهجوا علم الكلام ، ولم ينفوا الحكمة والتعليل ، ولم يقولوا بالجبر ولم يخالفوا أهل السنة في باب النبوات
ولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن حد البدعة التي يجعل بها الرجل من أهل الأهواء
قال كما في مجموع الفتاوى (35/414) :" و البدعة التى يعد بها الرجل من أهلالأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة كبدعةالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة"
ولا شك أن بدعة المعطلة اشتهرت مخالفتها للكتاب والسنة حتى في أن مسألة واحدة منمسائل الخلاف معهم وهي مسألة علو الله عز وجل على خلقه قد خالفوا أكثر منألف دليل على علو الله عز وجل على خلقه
ولا شكأن مرجئة الفقهاء خير من مرجئة الأشاعرة المتجهمين ، وأن بدعة التعطيل شرمن بدعة الإرجاء والخوارج كما نص عليه شيخ الإسلام فيما تقدم نقله من بيان تلبيس الجهمية
وقال العلامة عبد الله أبو بطين كما في رسائله ص176 :" والأشعرية لا يثبتون علوالرب فوق سماواته واستواءه على عرشه ويسمون من أثبت صفة العلو والاستواءعلى العرش مجسما مشبها، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فإنهمديثبتون صفة العلو، والاستواء، كما أخبر الله -سبحانه- بذلك عن نفسه، ووصفهبه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تكييف ولا تعطيل.
وصرح كثير من السلف بكفر من لم يثبت صفة العلو والاستواء. والأشاعرة وافقواالجهمية في نفي هذه الصفة، لكن الجهمية يقولون: أنه -سبحانه وتعالى- في كلمكان، ويسمون الحلولية، والأشعرية يقولون: كان ولا مكان، فهو على ما كانقبل أن يخلق المكان. والأشعرية يوافقون أهل السنة في رؤية المؤمنين ربهم فيالجنة، ثم يقولون: إن معنى الرؤية إنما هو زيادة علم، يخلقه الله في قلبالناظر ببصره، لا رؤية بالبصر حقيقة عيانا. فهم بذلك نافون للرؤية التي دل عليها القرآن، وتواترت بها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومذهبالأشاعرة: أن الإيمان مجرد التصديق، ولا يدخلون فيه أعمال الجوارح. قالوا: وإن سميت الأعمال في الأحاديث إيمانا، فعلى المجاز لا الحقيقة.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعملبالجوارح. وقد كفر جماعة من العلماء من أخرج العمل عن الإيمان. فإذا تحققتما ذكرنا عن مذهب الأشاعرة من نفي صفات الله -سبحانه وتعالى- غير السبع التي ذكرنا، ويقولون: إن الله لم يتكلم بحرف، ولا صوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويزعمون أن كلام الرب -سبحانه وتعالى- معنى واحد، وأن نفس القرآنهو نفس التوراة والإنجيل، لكن إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنهبالعبرانية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، ولا يثبتون رؤيةأهل الجنة ربهم بأبصارهم، إذا عرفت ذلك عرفت خطأ من جعل الأشعرية من أهل السنة، كما ذكره السفاريني في بعض كلامه"