جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب
حين يتمركز جنود العدو الإسرائيلي على بُعد مئات الأمتار من منزل جدي في قرية #النبطية الفوقا، على مسافة تقل عن كيلومترين عن قلب مدينة النبطية وسوقها القديمة التي سوّى القصف الإسرائيلي معظم أبنيتها بالأرض، فهذا لا يعني فقط أنك ترى عدوك بالعين المجردة. في الحقيقة، إنه انكشاف وتراجع ميداني أمام تقدم عسكري إسرائيلي قد يصل إلى مدينة النبطية أو ما بعدها. وهو الانكشاف والتراجع ذاته الذي يُهدد مدينة صور ومحيطها، سواء بمزيد من الدمار الشامل أو بخطر الاحتلال.
هذا التقدم الميداني الإسرائيلي باتجاه مدينتين مركزيتين في الجنوب، وفشل «الثنائي الشيعي» المتحكم بالطائفة، في الدفاع عنهما، على الرغم من التضحيات الكبيرة التي يقدمها المقاتلون على الجبهات، يضعه أمام امتحانين فشل في كليهما. فـ«حزب الله» سقط في امتحان السلاح الذي لم يمنع العدو من التقدم البري، فيما سقط رئيس حركة «أمل» نبيه بري في امتحان الوقت، بعدما حاول ربط مصير الجنوب بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية، قبل أن يُعلن أخيراً أنه يملك موافقة «حزب الله» على وقف إطلاق النار. إلا أن هذه الموافقة المتأخرة لا تنطبق عليها المقولة الشهيرة: «أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً».
لم يدرك «الثنائي» أن الوقت كالسيل، إن لم تقطعه قطعك، فلقد خسر عامل الوقت نتيجة رهاناته غير الدقيقة على #طهران وقراءاته الخاطئة لبنيامين نتنياهو، الذي لم يلتزم سابقاً بأي اتفاق، ولن يلتزم اليوم حتى لو وافقت #تل_أبيب على بنود بيان #واشنطن المشترك الذي رهن وقف النار بخروج الحزب من مناطق جنوب النهر.
جنوبياً، تبدو الهدنة معلّقة على حبال الترقب، إن لم نقل مستحيلة، وهذا يعني مزيداً من الخسائر في الأرواح والأرزاق، وارتفاعاً في منسوب القلق لدى الجنوبيين الذين عبّروا عن خوفهم على مصيرهم وقلقهم على مستقبلهم في نداءين منفصلين صدرا عن ناشطين من مدينتي صور والنبطية.
تكمن أهمية النداءين في أنهما انطلقا من قلب الجنوب. فصور تُمثل العاصمة التاريخية للساحل الجنوبي، فيما تُمثل النبطية القلب الإداري والسياسي للداخل الجنوبي. لذلك فإن صدور النداءين أوحى بوجود خطاب جنوبي مدني يتجاوز حدود مدينة واحدة نحو مساحة أوسع من الجنوب اللبناني. إنه إعلان عن ظهور صوت جنوبي مدني يطالب بحماية الناس والدولة معاً، أكثر مما هو سجال سياسي مباشر مع أي طرف، وإن كان رد فعل «حزب الله» عليه قد اتسم بقدر كبير من العصبية، فيما التزم جمهور حركة «أمل» بالصمت.
اجتماعياً وسياسياً، يتجاوز نداءا صور والنبطية كونهما صرخة إنسانية ضد الحرب والدمار، ليشكلا أول اعتراض علني واسع على السلاح، ويعبّرا عن حق الجنوبيين في البقاء والحياة. كما يوجهان المسؤولية مباشرة إلى «الثنائي الشيعي» الذي باتت مواقفه وسياساته وارتباطاته، في نظر قطاع متزايد من الجنوبيين، تُهدد وجود الجنوب وسكانه أكثر مما تحميهم.
وفي لحظته الراهنة، يُمثل هذا الموقف تحولاً مهماً في الوعي الجنوبي، إذ ينتقل من انتقاد أداء «الثنائي الشيعي» إلى التشكيك في جدوى السلاح، والدعوة إلى البحث عن أشكال أخرى من المواجهة لا تؤدي إلى تدمير المجتمع الجنوبي وتهجيره.
أما خارج إطار النداءين، وفي الفضاء الجنوبي العام، فقد باتت التحولات داخل البيئة الجنوبية الشيعية، بفعل التكلفة المتزايدة للحرب، أكثر وضوحاً. صحيح أن تقدير حجم هذه التحولات ومدى عمقها ما زال محل نقاش، إلا أن المؤشرات تتراوح بين حالة إنهاك اجتماعي وجماعي وتراجع في الاستجابة والتعبئة، وشعور عام بأن بيئة قدمت تضحيات هائلة باتت اليوم قلقة من النتائج أكثر من أي وقت مضى.
وإذا كان هذا الجدل الجنوبي المفتوح لن يتحول سريعاً إلى معارضة سياسية معلنة، فإنه يُشكل بداية تأسيس لاعتراض متزايد على سياسات «حزب الله»، وعلى دوره ووظيفة السلاح ومستقبله. وهذا يعني، في أحد وجوهه، بداية تحول اجتماعي وسياسي داخل البيئة الشيعية نفسها.
ومن النداءين التأسيسيين إلى الهدنة الهشة، لا تبدو الأطراف المعنية راغبة أو قادرة على تنفيذ التزاماتها كاملة. فالدولة اللبنانية ليست جاهزة، بقدراتها السياسية واللوجستية الذاتية، وتحتاج إلى توافق داخلي ودعم خارجي لتطبيق الاتفاق، أما نتنياهو فلا يبدو مستعداً لوقف أعماله العدائية، فيما طهران لا تزال ترفض فصل المسارات بصورة نهائية.
في المقابل، يبقى نداء أهل الجنوب هو الصخرة الأخيرة التي يستندون إليها. إنه أكثر وآخر ما يملكونه في مواجهة مَن يدمرهم، ومن يقامر بمصيرهم، فيما يقفون على حافة مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات...
#العراق #لبنان
#المحطة_1
#القادم_صادم
مصطفى فحص يكتب ✍️:
إذا كان هذا الجدل الجنوبي المفتوح لن يتحول سريعاً إلى معارضة سياسية معلنة، فإنه يُشكل بداية تأسيس لاعتراض متزايد على سياسات «حزب الله»، وعلى دوره ووظيفة السلاح ومستقبله
🎙️لقراءة المقال أو الاستماع إليه: https://t.co/Wivz4f1f5t
الكاتب الصحفي مصطفى فحص: إيران حاولت استغلال الملف اللبناني من أجل لي ذراع الولايات المتحدة ومقايضتها على الأولويات خلال المفاوضات.. وتهديد نتنياهو باستهداف الضاحية الجنوبية شكل تهديدا لمستقبل الدولة ما حمل ترمب على التدخل لوقفه.. وحزب الله فقد حلفاءه في الداخل ويحظى بتأييد "أيتام بشار الأسد" فقط الذين يعيشون على الدعم الذي يقدمه لهم.. والتدمير الهائل في الجنوب ونزوح مليون شخص ومقتل العديد من الشباب أثر في علاقة المجتمع الشيعي بالحزب
النبطية... تراجيديا المدن العامرة
تشبه مدينة #النبطية الواقعة #جنوب_لبنان، الكثير من شقيقاتها في هذا الشرق الغريب؛ تكبر بالعمر، لكنها لا تشيخ. عمرُ حجارتها أطول من أعمار بنّائيها، لا يُرهقها حصار، ولا يُتعبها انتظار. وبالرغم مما تركته الحروب على جدرانها من خدوشٍ وجراحٍ عميقة، تصرّ على البقاء، وتحتفظ بذاكرة الذين سكنوها، والذين مرّوا عليها، أو مرّوا من أجلها، أو تنازعوا عليها فدمّروها.
صباح عيد الأضحى، كانت النبطية محاصرة. أُغلقت الطرقات منها وإليها، وتُركت تواجه قدرها الأليم وحدها.
في عيد الأضحى، صارت هي الضحية، أو ضُحي بها على محراب الطموحات الكبرى. فحين تُغالي الإمبراطوريات في تنفيذ رغباتها، تتطرّف حدّ التصلّب، وتبحث عن نجاتها الفردية، فتُضحي بأتباعها قبل أعدائها.
وفي لحظةٍ تشبه ملاحم الشعوب القديمة، التي صوّرت فيها خساراتها ودوّنت مراثيها، وقفت النبطية وسط ركامها تسأل سؤالها الأخير: كم يلزم من الدم حتى يقتنع أصحاب المشاريع الكبرى أن المدن والأوطان لا تُبنى على التضحيات المستمرة، ولا على المقاومة الدائمة؟
أما عيد التحرير، فبدا أقرب إلى عودةٍ جديدة للاحتلال، بعدما انحصرت قيمة التحرير في خروج المحتل فقط، ولم يتحوّل إلى حاضنةٍ وطنية مشتركة تجمع الطوائف اللبنانية كلها حول معناه. لأنه، حين استُثمر داخلياً، صار سبباً إضافياً للانقسام والاحتكار. والمعضلة أن صانعيه، أو محتكريه، لم يتعلّموا من التجربة أن الشعوب يظلّ انتصارها منقوصاً حين لا تُسيّله في شرايين الدولة كمادةٍ أساسية للبناء.
أما حين يصبح السلاح أعلى من فكرة الدولة، فإنه يقضي على الانتصار والدولة معاً، ويستجلب الاحتلال مجدداً. وهذا ما يحصل الآن، وهنا أخفق التحرير، وحلّت التراجيديا.
في تراجيديا النبطية اليوم، ها هي ذاكرتنا تتهدّم على أبوابها قبل أن تُهدم البيوت، وتتكسّر أحلامنا على طرقاتها التي حفظت أسماءنا وخطواتنا.
هنا كنّا، وهناك تعلّمنا المعنى الأول للحياة: كيف يخرج الناس صباحاً إلى أرزاقهم، كيف يصنعون من الخبز كرامة، وكيف تتحوّل المدينة الصغيرة إلى وطنٍ كامل نحبّه ويحبّنا.
أما نحن، الذين أُجبرنا منذ قرن على الهجرة من قرانا نحو شكلٍ جديد من الحياة، فها نحن اليوم نُقتلع منها مرةً أخرى، جسداً وذاكرة...
مرثية الحجر ليست للحجر وحده؛ فالنبطية ليست حجارةً فقط، بل وجوهنا، وضحكاتنا المعلّقة على أبواب الدكاكين، وأصوات الباعة، وازدحام سوق الاثنين، ورائحة زهر ليمون أبو صفير (برتقال) الصاعدة من بساتينها، والوجوه التي كانت تطمئننا أن العالم، مهما اضطرب، ما زال يعرفنا.
في النبطية لا يسقط الحجر وحده؛ جزءٌ كبير من الذاكرة يسقط معه، جزءٌ عزيز من سيرة الجنوب اللبناني، منّا، من أرواحنا... ونحن نرى ذلك بصمت... بصمتٍ، بصمت.
#لبنان #العراق
#المحطة_1
#القادم_صادم
ساطع نورالدين
نداء ضد المقاومة نفسها..لا الحزب وحده
ليس من العار ان يوصف نداء صور والنبطية، الموجِع، بانه صرخة استغاثة موجهة الى الدولة اللبنانية ودول العالم كافة، ولا من الحرج ان يصنف تمرداً شعبياً على سلطة وسطوة حزب الله، ولا من الخطأ طبعاً إعتباره انتفاضة عفوية في وجه إيران.. كل ذلك لا ينتقص من الحس الإنساني البليغ الذي حفز توقيعه ونشره، بدافع القول ان الانتحار ليس خياراً بشرياً عاقلاً.
النداء هو ذروة تعبير مجرد عن غريزة البقاء، لا يحتاج الى الاندراج في الشعار الابله: "نحن نحب الحياة"، لأنه يتقدم على كل ما عداه من شعارات متداولة من مختلف الجماعات الطائفية والسياسية في لبنان، باعتباره صادراً من قلب الجحيم الذي يصنعه العدو الاسرائيلي في الجنوب اللبناني المعذب منذ نحو قرن مضى، ليندرج في المستقبل في سجل التحولات السياسية الأبرز في التاريخ اللبناني الحديث.. على الرغم من أنه ليس استثناء جنوبياً، ولن يكون هباء منثورا.
الحق في العيش لا يحتمل الجدال او النقض. والصرخة الآتية من الجنازات المبتورة، ومن فوق الجثث التي لم تعد تجد لها قبوراً ومن تحت ركام البيوت المفتتة التي لم يبق لها أثر، ومن ذكريات العائلات التي أبيدت بالكامل ولم يبق منها سوى صورٍ وهويات ممزقة..هي صرخة لا يمكن ان تحفظها السماء وتحميها عليها، إذا لم تترجم الى نص جريء، مباشر، يختصر تاريخاً من العذاب الجنوبي، ويوجه إصبع الاتهام والمسؤولية، الى المقاومة، الى حزب الله، ويطالبها صراحة بأن تغادر الحاضرتين الجنوبيتين المهددتين بالزوال من الوجود.
ولعله أول وأرفع تعبير علني عن الاعتراض على المقاومة، منذ ان تشكل حزب الله في منتصف ثمانينات القرن الماضي، على فكرة جوهرية مزدوجة، هي تطوير الصراع مع العدو، الذي كان يساريون قد بدأوه من قبل، مستندين الى تجربة فلسطينية بائسة، نبذها الحزب نفسه، حسب ما يرد في أدبياته السياسية الأولى، وفي خطابات أمينه العام الأول والثاني، باعتبارها استعراضية، تفاوضية، تعتمد على إطلاق صاروخ الكاتيوشا، لتستدرج المفاوض الإسرائيلي، فتتسبب بخراب ودمار في قرى جنوبية ليس فيها ملجأ ولا حتى مستوصف..
ومن دون مبالغة او مواربة، يمكن أن يدرج هذا النداء الثنائي، في ذلك الخطاب التأسيسي الذي اطلقه حزب الله، ليصل الى نتيجة مؤداها ان ثمة جنوبيين معتبرين باتوا يجاهرون اليوم بموقفهم المعترض على فكرة المقاومة نفسها، التي تنذر الآن بمحو الجنوب عن الخريطة اللبنانية، وتقتلع الشيعة من أرضهم التاريخية التي عاشوا فيها لقرون طويلة. وهذا الموقف بالتحديد ليس جديداً على الجنوبيين، فقد ألمحوا اليه بعد إخراج المحتل الإسرائيلي في العام وتوسلوا أن يكون التحرير يومها خاتمة الاسهامات اللبنانية الباهظة الاثمان في الصراع العربي الإسرائيلي. وهو موقف تجدد بقوة خلال حرب العام 2006، لكنه خبا بسرعة تحت وطأة إدعاءات النصر الإلهي يومها.
النداء الثنائي، الذي يرجى ان يتطور الى نداء جنوبي، ووطني سهل التوقيع، يمكن ان يترجم الى عبارة صريحة: لا لمثل هذه المقاومة بعد اليوم، أو حتى : لا نريد ولا نحتاج الى مقاومة.. يقولها جنوبيون كثيرون يتمردون هذه الأيام على المقاومين ويمنعوهم من دخول بيوتهم وعبور حقولهم، ويطالبونهم بالتوقف عن اطلاق الصواريخ والمسيّرات من داخل القرى ومن أطرافها.. من دون ان يتعرضوا للاتهام بانهم عملاء او جواسيس. وهو ما يفتح الباب على واحد من أهم المخارج من الحرب، وهو اقتناع المقاومة بالتخلي فقط عن استخدام الصواريخ والمسيّرات، التي لا يمكن لأحد أن يقتنع بانها تصد العدو او تحد من وحشيته.. أو تخدم الحليف الإيراني في مفاوضاته المكلفة.
لم يفت الأوان على توصل حزب الله الى مثل هذا الاقتناع، الذي يمهد لأشكال وأساليب وأدوات أخرى من المقاومة، كانت ولا تزال متاحة، من دون الاستسلام لفكرة الحزب ان الآخرة هي وحدها خلاص الجنوب والجنوبيين.
بيروت في 31 / 5 / 2026
الحاجة ام حسين : من شي يومين اجا لعندي شب قلي اسمه نداء من النبطية وقلي يا حاجة ابصمي على هل الورقه أنا مش عارفه بصمت قاموا الجماعة ما غيرهم خبروني انو نداء هيدي طلع صهيوأمريكي وإمبريالي هي آخر وحده ما فهمته اول الشي بس طلعت رجعي متل البصله الرجعية