قبل اندلاع الحرب قرعت قوى الحرية والتغيير الأجراس منبهة لظاهرة تعدد الجيوش التي خلقها نظام المؤتمر الوطني البائد، ودعت لايجاد حل عاجل لها بالحوار لتجنب إراقة قطرة دم واحدة في البلاد، وكاد أن يتحقق ذلك عبر الاتفاق الإطاري لولا أن قطع عليه الطريق تنظيم الحركة الإسلامية الإرهابي عبر حرب الإجرام المكتمل التي أشعلوها صبيحة الخامس عشر من أبريل.
روج دعاة الحل العسكري عقب ذلك ل "حكمة البصيرة أم حمد"، مدعين أنهم سيعالجون مشكلة وجود الدعم السريع كجماعة مسلحة ضخمة موازية للقوات المسلحة، بانتاج العشرات من الجماعات المسلحة الأخرى الي لا تسيطر عليها الدولة، والنتيجة بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الموت والخراب والدمار، هي أن الدعم السريع لا زال موجوداً ويسيطر على أجزاء واسعة من السودان، إضافة لانتشار عشرات الجماعات المسلحة الأخرى، التي لا تشرق شمس يوم إلا وتضج الوسائط بتجاوزاتها والهلع من انتشارها، هذا إلى جانب السلاح الذي صار في يد الجميع دون ضابط أو رابط، في مظهر واضح من مظاهر تحلل الدولة.
المدهش بحق هو أن ذات الأقلام التي شجعت استمرار الحرب وقرعت طبولها ونشرت الأكاذيب حول امكانية حسمها عسكرياً، تدعي الآن أنها مصدومة جراء ما آلت إليه الأوضاع، وكأنهم لم يكونوا شركاء في هذا الجرم ابتداءً!!
الحقيقة هي أنه في كل يوم تستمر فيه هذه الحرب، يصبح أمر التعافي وعودة الحياة لطبيعتها أكثر تعقيداً وصعوبة. ولو توقفت هذه الحرب اليوم ستحتاج بلادنا لفترة طويلة لمعالجة الإشكالات التي خلفتها. من لا يريد لبلادنا كل هذه الشرور التي تحيق بها الآن، فعليه أن يبدأ برفض الحرب جملة وتفصيلاً، والدعوة والعمل الجاد لايجاد حل سلمي عاجل لهذه الكارثة. فهذا هو المخرج .. وبغير ذلك فإن البديل هو ما نراه الآن وما هو أسوأ يوم غد.
لقد قلنا مراراً وحذّرنا مما رأينا فيه هلاك الوطن وتمزيق أهله، وما بدلنا تبديلاً .. ألا هل بلّغنا .. اللهم فاشهد.
#لا_للحرب
عاد كيكل والنور القبة والسافنا وبقال إلى "حضن الوطن" وعفا الله عما سلف، ولم تعد قضية الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت في الجزيرة والفاشر والخرطوم مشكلة اطلاقاً تستحق التوقف عندها وترديد عبارات مثل "كيف نقعد مع السرقونا وقتلونا واغتصبو بناتنا"، والتي كان دعاة الحرب يرددونها كمسوغ لرفض الحل السلمي التفاوضي، مدعين أنهم سيحسمون المعركة عسكرياً حتى حدود أم دافوق بعد شنق اخر "دعامي" بأمعاء آخر "قحاتي"!!
عودة كل هؤلاء السادة ل "حضن الوطن" لم تحل المشكلة الرئيسية بعد، فلا زالت الحرب تعصف بأرجاء واسعة من البلاد، ولا زال هنالك ملايين النازحين واللاجئين الذين لا يعرفون حتى الآن متى سيعودون لديارهم، ولا زال الجوع والفقر والذل يضرب غالب أهل السودان. عليه ما هو المسوغ الاخلاقي أو السياسي لإستمرار الحرب يوماً واحداً بعد الآن؟! اليس الطريق الأقصر لإنهاء كل هذه المعاناة هي وقف إطلاق النار اليوم قبل الغد؟! وقبل كل هذا ألم يكن من الأفضل أن تتوقف قبل 3 أعوام في جدة أو المنامة أو جيبوتي، وقبل عامين في جنيف، بل وقبل أشهر في واشنطن قبيل فاجعة الفاشر!؟ هل سيتحمل من كذبوا على الناس وقتها وزر ما سُفك من دماء وما ضاع من أرواح وممتلكات؟!
منذ أن أطلقت الرصاصة الأولى في هذه الحرب، وانطلق معها سيل الأكاذيب التي تبرر لمشروعيتها، لم يراودني شك إطلاقاً بأن "حبل الكذب قصير"، وأن كل ما افتراه دعاة الحرب من أباطيل سيسقط لتنكشف عورتهم للجميع بلا غطاء يسترها، وقد كان .. فاليوم لا يستطيع أحد أن يكذب مجدداً بترديد اسطوانات الكرامة والسيادة وذرف دموع التماسيح للتكسب من هول معاناة الناس. اليوم حصحص الحق لكل من يملك ذرة عقل أو ضمير، فطريق دعاة الحرب هو طريق كذب وإجرام ودمار، يخدم مشروعاً سلطوياً لقلة قليلة لا وازع أخلاقي لها البتة، وطريق السلام واضح وبين وهو يتطلب مواجهة هذه القلة الإرهابية وتعرية مشروعها بصرامة، حتى يقيض الله لبلادنا مخرجاً من هذه الحرب الإجرامية، وترفرف رايات السلام العادل الشامل المستدام في كل شبر من بقاع السودان العزيز الذي لا يستحق ما يمر به من محنة على يد هذه الجماعة المجرمة.
#لا_للحرب
لن يسير السودان شبر للأمام إن لم نفهم أن لاأحد افضل من أحد…لا قبيلة أفضل من قبيلة…لا مدينة أفضل من مدينة….لا طائفة أفضل من طائفة …ولن نفهم ذلك من تلقاء أنفسنا ، إن لم يكون ذلك خطة عمل ومشروع أساسي لمن (يحكم الجغرافيا ويدير شأن الناس وحالهم)…فمن يريد الحكم عليه أن يجمع لا أن يفرق …. ومن يريد المجد عليه أن لايخاف ولا يذعن لأصحاب المصلحة.
لم تبقَ كذبة واحدة تخفي عورة هذه الحرب إلا وسقطت، لتثبت زيف كافة سرديات تبرير هذه المقتلة الإجرامية وتمجيدها. هي حرب تمريغ كرامة الناس، والتفريط في سيادة البلاد، وتمزيق كيان الدولة، وإعادة دولة 89 في أبشع نسخها، والانقضاض على ثورة ديسمبر المجيدة بهدف محوها من الوجود وتقديم خمر النظام البائد سيئة الذكر في قناني جديدة لا تخدع ذا عقل أو ضمير.
نحمدك اللهم أن مكنتنا من اعتزال فتنتها وعدم تلويث أيادينا أو ألسنتنا بفعل أو قول فيه ولوغ في دماء وممتلكات وأعراض الناس. نحمدك إذ منحتنا القدرة على الثبات في موقف رفض الحرب كلية والعمل على إيقافها بقدر استطاعتنا.
وكما قيل: “يمكنك أن تكذب على بعض الناس لبعض الوقت .. ولكن لا يمكن أن تكذب على كل الناس كل الوقت”
رسالتي إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة السودانية
استمعت اليوم إلى رسالتك التي وجهتها إليّ عبر الوسائط الإعلامية، والتي أيّدتَ فيها دعوة أحد قادة الكتائب المقاتلة إلى جانبكم بأن أعود لحمل السلاح، مقاتلًا في هذه الحرب الطاحنة التي أتت على الأخضر واليابس في بلادنا.
أشكرك أولًا على هذه الدعوة، وأعتذر عنها، لكن لا أخفي عليك شديد استغرابي منها. فقد عرفتني طوال السنوات الماضية داعياً للسلم، لا للعنف والاقتتال. لم أكن يوماً من دعاة الحرب أو الدمار، بل كانت رسالتي منذ لقائنا الأول، وظلت كذلك على مدار السنوات الماضية، هي الدعوة إلى السلام. لم أناصر عنفاً أو انقلاباً أو حرباً في يوم من الأيام، ولهذا كنت مقاوماً لكم عقب فضكم لاعتصام القيادة العامة، ومعارضاً لانقلابكم في 2021، ومعتزلًا فتنة هذه الحرب التي اندلعت قبل عامين. هذا هو الموقف الذي لن أحيد عنه، لذا تأكد أنك لن تجدني حاملاً لأي بندقية كانت، بل ستجدني ثابتاً على موقفي بالتصدي لكافة المشاريع الشمولية التي تستند على العنف، وبدعوتكم وجميع حملة السلاح إلى تحكيم صوت العقل، وإيقاف نزيف البلاد اليوم قبل الغد.
لقد أحزنتني أيضًا هذه الدعوة، لأنها جاءت بالتزامن مع تقرير مؤلم أصدرته الأمم المتحدة، صنّفت فيه مأساة السودان كأكبر كارثة نزوح وجوع في العالم. أشار التقرير إلى أن 30 مليون سوداني بحاجة ماسة للمساعدة، ودقّ ناقوس الخطر، مطالبًا العالم بالتبرع لإرسال الغذاء والدواء لأهل السودان. يا سيادة الفريق أول، هذه الحرب حوّلت أهل السودان إلى مشرّدين ولاجئين، يستجدون العطف والمساعدات الإنسانية من العالم. أما آن الأوان لإنهاء معاناة الناس؟ ألا يستحق السودان وقف هذه الحرب التي لا جدوى منها؟
ختاماً، وكما اعتذرت عن دعوتك لي لحمل السلاح، أؤكد لك أنني جاهز متى ما كانت الدعوة موجهة للمساهمة في إحلال السلام، وتضميد جراح هذا النزاع، وبناء البلاد عوضاً عن هدمها، ورتق نسيجها الاجتماعي بدلًا من تمزيقه بخطابات الكراهية والتهييج. هذا هو الهمُّ الأوحد للقوى المدنية الديمقراطية التي أنتمي إليها، فلا صنعة لنا سوى السلام والبناء، ولم نكن يوماً من صناع القتل والدمار. سنظل متمسكين بهذه المبادئ حتى يجد السودان مخرجاً من هذا النفق المظلم، عاجلاً لا آجلا.
تحياتي،