في سورة الأنبياء :
تتوالى نداءات ثلاثة من الأنبياء في أشد لحظات الانكسار البشري..
- أيوب ينهكه المرض الممتد فينادي: {إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}..
- ويونس يبتلعه الحوت في ظلمات متراكمة فينادي: {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}..
- وزكريا يكسره وهن العظم وشيخوخته فينادي: {رب لا تذرني فردا وانت خير الوارثين}..
الرابط المذهل في هذه النداءات ليس فقط في سرعة الاستجابة الربانية بحرف الفاء المباشر في: {فاستجبنا له} في المواضع الثلاثة، بل في الحالة الروحية العميقة التي سبقت هذا الحرف!
لم يطلب أي منهم الشفاء أو النجاة أو الولد بشكل مباشر، بل اكتفوا بتشخيص ضعفهم التام، وتجريد أرواحهم من كل حيلة، وإعلان التسليم المطلق للقوة الوحيدة القادرة..
لقد أدركوا أن تفويض الأمر لله هو أعظم وسيلة للنجاة حين تنفد كل الحلول البشرية وتغلق المنافذ.
- وأنت؛ حين تحاصرك الابتلاءات، لا ترهق روحك بالبحث عن مخارج أرضية.. أحيانا يكون الحل الوحيد هو رفع الراية البيضاء أمام الخالق، والاعتراف بالعجز التام أمام قدرته.. مجرد تجريدك لقلبك من التعلق بالأسباب، هو المفتاح السري الذي يحرك لك أبواب السماء.
إذا ابتلاك الله بقدر يؤلم قلبك، فلا تجعل الشيطان يسرق منك أعظم زاد يعينك على احتماله، وهو حسن الظن بعدل الله. فالله لا يظلم في قضائه، ولا يخطئ في تدبيره، ولا ينسى عباده، وإنما يربيهم بالأقدار حتى يبلغوا منازل لا يبلغونها بأعمالهم.
يفرح أحدنا إذا تكفَّل مخلوقٌ بقضاء حاجته، وفرح المتوكِّل على الله بتوكُّله عليه أعظم؛ لأنَّ الذي تكفَّل بقضاء حاجته هو الخالق القادر على كلِّ شيءٍ، قال الله تعالى: ﴿وتوكَّل على الله وكفى بالله وكيلًا﴾، وقال: ﴿ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه﴾... ألا طاب عيش المتوكِّلين.
"فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ "
احيانا يكثر عليك ما لاحيلة لك فيه ، فتضيق بك الحياة ، وتصعب عليك الأمور ، وقد تتعرض لمواجهة مُرهقة تسمع فيها كلاماً لاتستحقه فتتجاوزها بصمت المظلوم،فتأتيك هذه الآية بأن الله سيكفيك بالطريقة والوقت المناسب،فكن مطمئناً ولاتخف مهما كانت الظروف والصعوبات
اقرأ هذه الآية ثم ادعُ بما شئت؛ يُستجاب لك بإذن الله!
قال سعيد بن جبير رحمه الله :
"إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط؛ فسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه!..
قوله تعالى: {قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون}".
وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته :
((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل {فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون}، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)).
- تفسير القرطبي.
من شدة حب الصحابة للنبيﷺ كانوا يعرفون من نبرته ماذا يحتاج دون أن ينطق أو يصرح بذلك، في يوم من الايام، الصحابي أبو طلحة كان يجلس مع النبي فسمع صوته فذهب سريعًا لبيته وقال لزوجته أم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟
هكذا كانوا يحبونه، صلوا عليه.