جاء عند الثعالبي في وصف الرياح:
"...فإذا ابتدأت شديدة فهي: العاصِف، والسَّيْهُوج. فإذا كانت شديدة ولها زَفْزَفَة، وهو الصوت، فهي: الزَّفْزَافَة. فإذا اشتدت حتى تقلع الخيام، فهي: الهَجُوم. فإذا حرّكت الأغصان تحريكًا شديدًا وقلّعت الأشجار، فهي: الزَّعْزَعَان والزَّعْزَع والزُّعْزَاع. فإذا جاءت بالحصباء، فهي الحاصبة... فإذا كانت سريعةً، فهي: المُجْفِل والجافِلَة".
فقه اللغة للثعالبي ج٢ ص٤٦٨
قيمة الأخ عند أخيه:
في القصص العربي ذكر للآصرة الوطيدة بين الأخ وأخيه؛ لذلك كان فقده مؤلمًا أشد الألم؛ فبه خرجت لنا قصائد رثاء تقطع القلوب، وإليك بعضًا منها:
فهذا مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبًا فيقول:
كأنّي إذْ نَعَى الناعي كُلَيبًا
تـَطَايَرَ بين جَـنْبـَيَّ الشَّـرَارُ
فَدُرْتُ وقد عَشِي بَصَرِي عليهِ
كمَا دَارَتْ بِشَـارِبِها العُـقَارُ
ثم قال في قصيدة أخرى:
فإذا تَشَاءُ رأيتَ وَجْهًا واضحًا
وذراعَ بـاكـيـةٍ عـليـهـا بُـرْنُـسُ
تَبْـكِي عـليكَ ولـسْتُ لائمَ حرةٍ
تَأْسَى عـلـيـكَ بِعَـبْرةٍ وتَنَـفَّـسُ
ومن هؤلاء الأُبَيْرِد اليَرْبُوعي فقد نعى أخاه بُرَيْدًا قائلًا:
تَطَـاوَلَ لَـيْـلِـي لَـمْ أَنَـمْـهُ تَـقَلُّـبًا
كأنَّ فِرَاشي حَالَ مِن دونِهِ الجَمْرُ
أُرَاقِبُ مِن ليلِ التِّمَامِ نجومَهَ
لَدُنْ غابَ قَرْنُ الشمسِ حتى بدا الفجْرُ
ثم بعدها في القصيدة نفسها:
وكنتُ أرى هـجرًا فـراقَكَ سـاعةً
ألاَ لا بلِ الموتُ التفـرُّقُ والـهـجْرُ
أحـقًّا عـبادَ اللهِ أن لَّـسْـتُ لاقيًا
بُرَيْدًا طوالَ الدهرِ ما لَأْلَأَ العُفْرُ
ثم قال:
فليتكَ كنتَ الحيَّ في الناسِ باقيًا
وكنتُ أنا المـيتَ الذي أدركَ الدهـرُ
وإن كنت أنسى فلا أنسى في معرض هذا الحديث متمم بن نويرة عندما رثى أخاه مالكًا بأبيات تقطع القلب؛ منها:
تقول ابنةُ العَمْريّ: مالَكَ بعدما
أراكَ حديثًا، ناعمَ البالِ، أَفَرَعا
فقلتُ لها: طولُ الأسى إِذْ سألتِني
ولـوعةُ حُـزنٍ، تتـركُ الوجـهَ أَسْـفَـعا
قَـعِـيْـدَكِ، ألّا تُسْـمِـعِـيْنِـي مَـلامـةً
ولا تَنْـكَئِي قَرْحَ الفؤادِ؛ فَـيِـيْـجَـعا
فـلو أنّ ما أَلْـقَى أَصَـابَ مُـتَالِـعًا،
أوِ الركنَ من سلمى،إذًا لتَضَعْضَعا
ونختمها ببيت موجع حيث قال:
فـلـمّـا تــفـرّقْـنا كــأنِّي ومـالـكًا
لِطُوْلِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً مَعَا
والكلام في رثاء الأخ لأخيه يطول، لا أفقدكم الله إخوتكم وأخواتكم!
وآخر عهدٍ لي بها يوم ودّعت
ولاحَ لها خدٌّ مليح ومحجِرُ
.
عشيةَ قالت: لا يضيعنّ سرُّنا
إذا غبتَ عنّا، وارعَهُ حين تدبرُ
.
وأَعرِضْ إذا لاقيتَ عينًا تخافها
وظاهرْ ببغضٍ، إنّ ذلك أسترُ
.
ولكنني-أهلي فداؤك-أتقي
عليك عيون الكاشحين وأحذرُ
.
وأخشى بني عمي عليك، وإنما
يخاف وينقي عرضه المتفكّرُ
.
وأنت امرؤٌ من أهل نجد وأهلُنا
تَهَامٍ وما النجديُّ والمُتَغَوِّرُ؟!
.
جميل بثينة
كانت مدرسة البصرة النحوية تتشدد في نقل اللغة عن العرب، وعلى رأسها ابن أبي إسحاق الحضرمي فقد تعرض للفرزدق كثيرًا؛ لينتقل هذا التشدد إلى من بعده من علماء المدرسة البصرية. ويقابلها بعد ذلك بسنين مدرسة الكوفة التي كانت تتساهل في ذلك.
قولهم: ارتجل القصيدة والخطبة إذا أتى بها عن غير فكرة، وسابقة رويّة، واشتقاقه من الرِّجل، كأن الشاعر والخطيب أنشأهما وهو على رِجْله في حال الإنشاد.
شرح المفصل لابن يعيش ج١ ص٨٨-٨٩
في عود الضمير إلى (مَنْ) كما في الآتي تجوز مراعاة اللفظ وتجوز مراعاة المعنى. وفي القرآن:
⁃مراعاة اللفظ: {ومنهم مَن يؤمن به}. فقال (يؤمن) مفرد مذكر؛ لأن لفظ (من) مفرد مذكر.
⁃مراعاة المعنى: {ومنهم مَن يستمعون إليك}. فقال (يستمعون)؛ لأن المعنى لجمع الذكور .
مَرَّ كُثَيِّرٌ بن عبد الرحمن حبيب عَزَّة بعزةَ، وهو على جمله، وقال: السلام عليك، يا عزة، فقالت: عليك السلام يا جملُ! فقال هذه الأبيات:
حيَّتْكَ عزّةُ يومَ البينِ وانصرَفَتْ
فحيّي ويحكَ مَن حَيَّاكَ يا جملُ
لو كنتَ حَيَّيْتَها ما كنتَ ذا مِقَةٍ
عندي وما مَسَّكَ الإدلاجُ والعملُ
.
ليت التحيةَ كانت لي فأشكرَها
مكانَ يا جملٌ حُيِّيتَ يا رجلُ
.
فحَنَّ من جزعٍ إذ قلتُ ذاك له
ورامَ تكليمَها لو تَنْطِقُ الإبلُ
صخر أخو الخنساء وموقف زوجته وأمه مع طول مرضه:
" قال الأصمعي: التقى صخر بن عمرو بن الشريد السلمي ورجل من بني أسد، فطعن الأسدي صخرًا، فقيل لصخر: كيف طعنك؟! قال: كان رمحه أطول من رمحي، فمرض صخر منها فطال مرضه، فكانت أمه إذا سُئِلَتْ عنه، قالت: نحن بخير ما رأينا سواده بيننا، وكانت امرأته إذا سُئِلَتْ عنه، قالت: لا حَيٌّ فَيُرْجَى، ولا ميت فيُبْكَى، فقال صخر:
أرى أمَّ صخرٍ ما تملُّ عيادتي
وملَّتْ سليمى مضجعي ومكاني
إذا ما امرؤ سوّى بأمٍّ حليلةً
فلا عاش إلا في شقًا وهوانِ
لعمري لقد أيقظتَ لو كان نائمًا
وأسمعتَ لو كانت له أُذُنَانِ
بصيرًا بوجه الحَزْم لو يستطيعه
وقد حِيلَ بين العَيْرِ والنَّزَوَانِ "
الجليس الصالح للجريري
لبستُ ثوبَ الرجا والناسُ قد رقدوا
وقمت أشكو إلى مولايَ ما أجدُ
وقلتُ: يا عدتي في كل نائبةٍ
ومن عليه لكشفِ الضرِّ أعتمدُ
.
أشكو إليك أمورًا أنت تعلمُها
ما لي على حِملها صبرٌ ولا جلدُ
.
وقد مددتُّ يدي بالضرِّ مبتهلًا
إليك يا خيرَ من مُدَّت إليه يدُ
.
فلا تردَّنَّها يا ربِّ خائبةً
فبحرُ جودِك يروي كلَّ مَن يَرِدُ
.
ابن النحوي
[ رمضان لغويًّا ونحويًّا ]
جاء في المعجم الاشتقاقي/ د.محمد حسن حسن جبل:
رمِضت الغنم: رعت في شدة الحر... ورمض الصائم: حَرَّ من شدة العطش.
والرَّمَض: حر الحجارة من شدة حر الشمس. وارتمَض الرجل: فسد بطنه ومعدته.
(رمض): هذه المادة تدور في المعنى الآتي: احتواء جوف الشيء على غليظٍ حدةً أو حرارةً.
كاحتواء الحجارة على الحرارة، وكذا الغنم، والصائم، والمريض فاسد البطن.
[ سبب التسمية ]
وسمي رمضان بهذا الاسم؛ لموافقته أشهر القيظ عند التسمية.
وذكر السمين الحلبي في عمدة الحفاظ ثلاثة أقوال في سبب التسمية:
١-لموافقته زمن الرمضاء، وهي شدة الحر.
٢- لشدة احتراق جوف الصائم بالعطش.
٣-لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها ويذهبها.
[ الإعراب ]
ومن جهة الإعراب أفادنا الطاهر عاشور في التحرير، قائلًا:
رمضان عَلَم وليس منقولًا؛ إذ لم يسمع على وزن الفعلان
من رَمِض إذا احترق؛ لأن الفعلان يدل على الاضطراب ولا معنى له هنا.
ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، وهو مشتق من الرمضاء وهي الحرارة.
[ الجمع ]
عن الزبيدي في التاج (بتصرف)، جمعه:
رَمَضَانَات ورَمَضَانُون، وأَرْمِضَة، وأَرْمِضَاء، ورَمَاضِين.
وذكر عن ابن دريد أنه قال: زعموا أن بعض أهل اللغة قال: ( أَرْمُض)، وهو شاذ.
[ اسمه في الجاهلية ]
يسمى رمضان في الجاهلية ( ناتِقًا )، قال الشاعر:
وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى
وولّت على الأدبار فرسانُ خثعما
وسمي ناتقًا؛ لأنه كان ينتقهم، أي ينطقهم لشدته.
يقول محمود محمد الطناحي عن الشعر:
الشعر بوح العاشق، ونفثة المصدور، وحنين الغريب، وأنين الفاقد، وبهجة الواجد، ومرثية العزيز، وآهة الملتاع، وتجربة الحكيم.
من طريف عنوانات الكتب ( تعليق الغرفة ) وهو تعليق في النحو لابن بابشاذ النحوي المصري، الذي زهد وتنسك في غرفة الجامع إلى وفاته، وقد كتبها وهو مقيم في غرفته؛ فسماها تلاميذه من بعده بهذا الاسم؛ للزومه غرفته. وقد ذُكر أنها لو بُيّضت لقاربت خمسة عشر مجلدًا.
شكوت إليها ما ألاقي من الهوى
وخشية شمل الحي أن يتصدّعا
.
فما كلّمتني غيرَ نزر، وإنما
ترقرقت العينان منها لتدمعا
.
أما -وجلال الله- لو تذكرينني
كذِكْرِيكِ ما كفكفتِ للعين مدمعا
.
فقالت: بلى -والله- ذكرًا لو انه
يُصَبّ على صُم الصفا لتصدّعا
.
لقد خفتُ ألا تقنع النفسُ بعدها
بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
.
وأعذل فيه النفسَ إذ حيل دونه
وتأبى إليه النفس إلا تطّلعا
.
سلامٌ على الدنيا فما هي راحة
إذا لم يكن شملي وشملكمُ معا
.
ولا مرحبًا بالربعِ لستم حُلولَه
ولو كان مخضلَّ الجوانبِ مُمْرِعا
.
لعَمْري لقد نادى منادي فراقِنا
بتشتيتِنا في كلِّ وادٍ فأسمعا
.
كأنا خُلِقنا للنَّوى وكأنما
حرامٌ على الأيامِ أن نتجمّعا
.
الصمة القشيري
لقد طال كتماني أمامةَ حبَّها
فهذا أوانُ الحبِّ تبدو شواكلُهْ
.
إذا حُلِّيَتْ فالحَلْيُ منها بمعقدٍ
مليحٍ، وإلا لم تشِنها معاطلُهْ
.
وقال اللواتي كنّ فيها يلمنني:
لعلّ الهوى يومَ المُغَيْزِلِ قاتلُهْ
.
وقُلْنَ: تروّحْ، لا تكن لك ضيعةً
وقلبَكَ لا تشغلْ، وهنَّ شواغلُهْ
.
فلو كان هذا الحبُّ حبًّا سلوتُهُ
ولكنَّهُ داءٌ .. تعودُ عقابلُهْ
.
جرير