وما غلب المرءُ نفسَه بشيءٍ أفضلَ من صبره عليها؛ فإنها تميل إلى الراحة وتفر من المشقة، وتستعجل الثمرة قبل أوانها، فإذا ألزمها صاحبها الصبر، قادته إلى محاسن الأمور، وأورثته من فضائل الأخلاق ورفيع المقاصد ما لا يناله المستعجلون.
يستسهل أحدهم الكلام فيما لم يختبر البلاء فيه، ويلذّ له التنظير على أرائك العافية، ويأخذه الزهو وهو يُملي على الآخرين قواعد السلامة، ويظن أنه بعقله نجا، أو بتدبيره ظفر، ولو خُلّي بينه وبين العوارض لأمسك لسانه ورأى بقلبه أنّ الإنسان مجرّد هباءة لا هدى لها ولا نجاة إلا بالحي القيوم!
يبدو أن تحمل الرفض هو أكبر قوة في الكون لتحقيق الأهداف، تحمّل كل أنواع الرفض، من رفض الناس رد الابتسامة إليك - إلى رسالة دولية لرفض مشروع تقدمت إليه.
-في تحمل الرفض بأس وقوة لانهائيان، وعكسه تماما قول الناس ( يفشّل )- حيث تضع نفسك وما تملك تحت تقييم الناس.
- حين يتحمل الإنسان الرفض فإنه عملياً يسحب السلطة من العالم الخارجي ليعيدها إلى مركزه الداخلي ويصير محصناً ومكتفياً، لا ينهار إذا لم يتلقى تأكيدات من الآخر وفي كل مرة نختبر فيها الرفض ونتجاوزه؛ تُصقل إرادتنا وتتغير طرق مواجهتنا للحياة.
-بعد فترة من تحليل المعلومة المتعلقة بالرفض (الماذا والكيف والحزن) سنزداد بأسا وشراسة.
-تتدفق القوة حينما لا نرى الرفض حكماً بل معلومة لا تمس الكينونة، مثل لفّة خاطئة على الطريق قبل الوصول للمنزل.
متى يبدأ الإنسان في خسارة عمره؟
ليس حين يتقدم به العمر...
بل حين يتوقف عن بناء نفسه.
فقد يبلغ الإنسان العشرين وهو يتعلم، ويقرأ، ويزكي نفسه، ويضيف كل يوم إلى عقله وقلبه شيئًا جديدًا، فيكون في صعود مستمر.
وقد يبلغ الأربعين أو الخمسين، لكنه يكرر اليوم نفسه، والأفكار نفسها، والعادات نفسها، حتى تصبح السنوات أرقامًا تزداد، بينما لا يزداد هو معها.
ولهذا فإن العمر الحقيقي لا يُقاس بعدد ما عشنا من السنوات، وإنما بعدد ما نمونا فيها.
إن الله تعالى لم يخلق الإنسان ليستهلك الأيام، بل ليعمرها بالطاعة، والعلم، والإحسان، والعمل الصالح.
وما أجمل أن ينظر الإنسان إلى نفسه بعد عام، فيجد أنه أصبح أرجح عقلًا، وألين قلبًا، وأحسن خلقًا، وأقرب إلى ربه.
فذلك هو النمو الذي يستحق أن يُحتفل به...
أما مرور السنوات وحده، فليس إنجازًا.
د. عبد الكريم بكار
تحميل الماضي والنشأة مسؤولية كل ما يعتري الإنسان من ضعف وهشاشة ليس إلا هشاشةً أخرى؛ فالبالغ، مهما أثّرت فيه ظروفه الأولى، يظل قادرًا على إعادة تشكيل وعيه، ومساءلة معتقداته، وتوجيه سلوكه وأفعاله نحو ما يريد أن يكونه، لا نحو ما فُرض عليه أن يكونه.
إن من ملامح الأذكياء سرعة البديهة، وإطلاق الأحكام، وسرعة تشكيل المواقف، لكن الحكيم طراز آخر من الناس، فهو بطيء في تكوين معتقداته، وصياغة مقولاته؛ إذ إنه يملك قدرة خاصة على ضرب كل أشكال المعرفة والخبرة في بعضها بعضاً، ليخرج في النهاية بزبدة تتميز عنها جميعاً، لكنها منها جميعاً!.
ويفسِّر بعض الناس ذلك بالعيّ والحَصَر، لكن الأيام تُثبت أن مقولات الحكماء هي بنات عواصف فكرية وشعورية هائلة، لكنها غير منظورة!.
ومن أهم تجليات الحكمة: إدراك حجوم القضايا على وجهها الصحيح؛ فالحكيم يرى الأشياء الكبيرة كبيرةً، كما يرى القضايا الصغيرة صغيرةً كما هي، وتقدير القضايا بصورة صحيحة من أخطر المشكلات التي ظلَّت تواجه البشر على مدار التاريخ، وهل دُمِّرت الحضارات إلا من وراء مشكلات وأخطاء ظنها الناس تافهة، فإذا هي عواصف هوجاء تدمِّر كل ما تأتي عليه!.
الحكيم: رجل يرى ما قبل اللحظة الراهنة، ويستشرف ما بعدها، وهو لا يرى نسقاً أو نظاماً من التداعيات الترابطية، لكنه يرى أنساقاً ونظماً تتوازى، وتتقاطع، وتتصادم، إنه يحسّ بالعاصفة قبل هبوبها، فيحذِّر قومه وينذرهم.
كلنا نرى القضايا بحجمها الحقيقي، لكن بعد فوات الأوان!، وبعد أن نكتوي بنارها، وتفوتنا فرصها الذهبية، لكن الحكيم يأتي في الوقت المناسب، كما قال سفيان الثوري: «إذا أدبرت الفتنة عرفها كل الناس، وإذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم»!.
من كتابي: في إشراقة آية
«لو اجتمعت للمرء كلُّ أشكال المواساة، وتنوّعت عليه ألوان السلوى، ما مسحت على قلبه يدٌ أحنُّ من يقينه بأن الأمر كله لله، وأنه في ظل عناية لا تخيب، وأن الله هو المتولّي لأمره، والكافي لهمّه، والسّاتر لضعفه»
توجد اقتباسات منتشرة مثل:
"أنت معدل الخمسة الأشخاص الذين تقضي معهم معظم وقتك. من مستوى الدخل، والتعليم، وأسلوب معيشة.. أنت متوسط من تقضي معهم معظم وقتك."
وأخرى أكثر تطرفاً وربما "سوداوية"، مثل:
"يوجد عقد خفي بين الأصدقاء على أن يبقوا على نفس المستوى. وأي محاولة للخروج عن هذا الاتفاق تُقابل بمشاعر سلبية: غيرة، حسد، أو مجرد انزعاج لأن تفوق أحد الأصدقاء يدفع الآخرين للنظر إلى أنفسهم ومعرفة أنهم بحاجة لبذل جهد أكبر."
وكل هذه الاقتباسات تشير إلى حقيقة إجتماعية يمكن إختصارها في ثلاث كلمات: الانسان مخلوق اجتماعي.
الفرد يؤثر في المجموعة، ويتأثر بها. وأحد أشهر "الأبعاد الثقافية" التي تحدث عنها هوفستيد تتعلق بمدى تأثر الأفراد بالمجموعة. بين ثقافات فردانية Individualism تحتفل بتميّز الفرد وخروجه عن المجموعة، وأخرى جمعية أكثر Collectivism تحتفل بالمجموعة، والعادات والتقاليد.. وتؤمن بأن الماضي يحمل قيماً تستحق الاستمرار والتأثير في سلوك أفرادها.
حتى على مستوى الأفراد أنفسهم، يوجد الفرد الذي يتأثر كثيراً بأراء الآخرين، ويوجد الفرد الذي لا يعطي وزناً كبيراً لأفكارهم.. لكن مهما اختلفت الدرجة، يبقى التأثير موجود وحقيقي.
علم النفس الاجتماعي يدعم هذه الفكرة، وحقيقة أن نصف كتاب "سلوك المستهلك" يدرس المستهلك كفرد، والنصف الآخر يدرسه كفرد ضمن مجموعة. لأن فهم تأثير المجموعات الاجتماعية حولنا شرطاً أساسياً في فهم سلوكنا كأفراد.
بالإضافة إلى ذلك، توجد "مجموعات مرجعية" -reference groups- نستخدمها في عملية مقارنة مستمرة، أشبه بـ بنش مارك، لجميع أهدافنا. ومن خلالها نُحدد ما هو مقبول وماهو مرفوض. منها مجموعات مثالية نطمح أن نكون ضمنها. ومنها مجموعات منبوذة، نرفضها ونتجنب الارتباط بها بأي شكل من الأشكال.
وعلى مستوى شخصي أعمق، تعريفك لنفسك يحمل جانباً إجتماعياً كبيراً.
حسب دراسات هيجينز من جامعة كولومبيا، أحد صور الذات التي نحملها هي تلك الصورة المفروضة علينا من المجتمع -ought self- وهي مجموعة الالتزامات الاجتماعية، الأهداف، والصورة المثالية التي يجب أن نسعى إليها.
المشاعر المرتبطة بعدم الوصول لهذه الصورة قوية ومؤثرة جداً: القلق، التوتر، شعور بالتقصير.. وغيرها من المشاعر السلبية التي حتماً تؤثر على قراراتنا.
والعديد من دراسات علم النفس الاجتماعي تُشير إلى أن أحد أكبر المخاوف والدوافع الإنسانية هي "الخوف من الإقصاء"، خصوصاً من المجموعات التي نسعى جاهدين لأن نكون ضمنها.
لذلك، بدلاً من مقاومة هذه الحقيقة الإجتماعية والاعتقاد بأنك فرد منفصل عن المجموعة ولا تتأثر بأراء الآخرين long wolf، من الأفضل الوعي بهذا التأثير، والعمل على تصميم بيئة إجتماعية تُساعد على أن تكون شخص أفضل، وأكثر سعادة.
وهذا يبدأ عبر الوعي أولاً بحجم تأثير أراء الآخرين علينا. ثم عبر وضع اشتراطات وقوانين واضحة للأصوات التي نسمح لها بالتأثير في نفسيتنا، نظرتنا لأنفسنا، وفي رؤيتنا للعالم حولنا.
نسمع فقط لمن يستحق.
لمن ينتمني إلى مجموعة إجتماعية نطمح إليها.
لشخص يعيش وفق أسلوب حياة نُقدره، ويمتلك من القيم ما نؤمن به فعلاً.
وقتها نستمع لهذه الأراء ونسمح لها بأن تؤثر وتُشكل طموحاتنا وأهدافنا.
وفي المقابل، يجب تجاهل أراء من لا نتفق معهم، وعدم الاستماع لمن لا نحترم أسلوب حياتهم من الأساس. وبدلاً من التأثر بأراء أي شخص يشارك أي رأي في تويتر مثلاً، عن طموحنا، أهدافنا، تخصصاتنا الجامعية، يجب أن نسعى لتصميم البيئة حولنا بشكل يساعد في استغلال هذه الحاجة الغريزية (التأثر بالمجموعات حولنا) بشكل إيجابي.
والأصعب -وربما الأهم- هو تطبيق مبدأ via negative، وهو تطوير حياتنا عبر حذف السلبيات. وليس إضافة المزيد. وهذا يشمل حذف العلاقات التي تُقاوم محاولاتك المستمرة للإرتقاء بأهدافك وطموحاتك.
بشكل عام، السؤال الذي يجب أن نطرحه:
ماهي الأصوات التي يجب أن نسمح لها بالتأثير في أهدافنا؟ طموحاتنا؟ هل صاحب هذا الرأي ناجح؟ سعيد؟ يعيش وفق قيم نؤمن بها؟
أم أن أي رأي سلبي نقرأه يكفي لإطفاء حماسنا تجاه هواية، مشروع، أو فرصة جديدة قد تغير حياتنا للأفضل؟
📍أشياء ساعدتني على معالجة التعفّن الدماغي
الناتج عن المحتوى السريع والتصفح العشوائي
1. المشي لمدة ساعة يوميـــــــا بدون جوال
نعيش في عالم نستهلك فيه محتوى طول الوقت .. لدرجة سلامة عقولنا صارت مرتبطة بالتخفف من المدخلات input
ساعة بدون جوال .. كفيلة تشعرك «بالفهاوة» اللي تحتاجها والممل اللي بينقذك
المشي الحر .. بدون أي سماعات أو محتوى تسمعه .. يشتت عقلك بطريقة صحية .. ويحسن مزاجك بشكل فارق
2. تسجيل خروج من تطبيقات السوشل ميديا
ما يكفي أنك ما تنشر أو تصنع محتوى .. أنت بحاجة أنك توقف سيل الاستهلاك الهادر للمحتوى
جرب تسجل خروج من التطبيق نفسه، وبتلاحظ ان أصابعك ترجعله بدون انتباه منك (اولى علامات الإدمان)
فكرة أنك خرجت من التطبيق ترسل رسالة لعقلك أنك ملتزم تجاه نفسك وصحتك الذهنية والنفسية
3.قراءة كتاب ورقي قبل النوم
ما في شي يهدي عقلي مثل كتاب ورقي قبل النوم .. يسرد بشكل مطول أحداث بطيئة تشكّل في عقلي موجات متتابعة راكدة وبطيئة
تعلمني قوة السياق .. وتكسبني فضيلة الصبر .. وتدخلني من موجة تفكير عميقة
4. الكتابة اليومية - وجوالك بالشنطة
كلنا في داخلنا أصوات متضاربة .. صوت يؤنب وآخر يشجع .. وآخر يطبطب .. ولن تستطيع أن تكشف قوة هذه الأصوات وسيطرتها عليك إلا من خلال التفريغ اليومي ..
مو مهم وش تكتب .. أو بأي لغة ؟ أو وش شكل الاسلوب ؟ الاهم انك تستمر وتفرغ .. وراح تجد أنك اهدا وأكثر اتصال بنفسك ومشاعرك.
5. مشاهدة محتوى طويل .. وخارج مجالك
من أجمل هدايا العقل لنا هي قوة التقــــاطع .. وهي فكرة من خارج مجالك تُلهمك في مجالك ..
لحظة تلاقح عقلك مع عقل شخص آخر ..
إذا كان مجالك في المالية .. جرب تقرا في علم النفس السياسي
واذا كان مجالك الفلسفة .. جرب تتعلم عن نظريات العمارة
واذا كان مجالك الإعلام .. جرب تتابع محتوى عن البيئة
بشرط أن يكون محتوى طويل .. لا يقاطعك عنه شيء👌🏽
وأنت .. كيف تعاملت مع صعوبة التركيز والتشتت الناتج عن المحتوى القصير والسريع جداً؟👀
ومن أعظم أسباب اضطراب القلب أن يجعل العبد سعادته معلقةً بشخصٍ من الخلق، أو يربط صلاح أمره بوجوده وقربه. فإن الخلق يتغيرون ويغيبون، والقلوب تتقلب، وما كان كذلك لم يصلح أن يكون أصلًا تبنى عليه حياة العبد. وإنما الشأن أن يكون العبد قائمًا بأمر نفسه، مشتغلًا بإصلاحها، سائرًا إلى ربه، ثم يجعل ما يرزقه الله من صحبةٍ أو زوجٍ أو ولدٍ عونًا له على ذلك، لا أصلًا يقوم به. فمن عرف طريقه لم يتوقف سيره على أحد، ومن جعل شخصًا غاية قصده اضطرب عند حضوره وغيابه.
"إنما يأخذ العبد من القرآن على قدر طلبه له، لا على قدر ما فيه؛ فإنّ ما في القرآن من العلوم والأسرار مما تُذهل له العقول، وتفنى في دركه الأعمار، وهو بحرٌ لايُدرك قعره، ولاتُبلغ غايته.
وإنما يُفتح للعبد منه على قدر صدقه في طلبه، وإقباله عليه".
"تمر بك في حياتك طائفة من الناس يُشرق معهم ما خفي من نفسك، وتظهر لك شخصيتك على ما تحب، لابما يُكسبونك، ولكن بما يُبدونه مما كان مودَعًا فيك.
وكفى بقول الرومي شاهدًا: "ما جئت لأمنحك جديدًا، بل لأُخرج منك جمالًا خفيًا عنك"، وذلك أعظم ما يُهدى للمحب: أن يظهر له أحبّاؤه خير ما فيه".