ما أجمل وما أكمل هذه الأبيات للمتنبي في أنَّ نفسه لا تشيب وإن شاب رأسه، فهي على ما كانت عليه من الشجاعة ومكارم الأخلاق:
وَفي الجِسمِ نَفسٌ لا تَشيبُ بِشَيبِهِ
وَلَو أَنَّ ما في الوَجهِ مِنهُ حِرابُ
لَها ظُفُرٌ إِن كَلَّ ظُفرٌ أُعِدُّهُ
وَنابٌ إِذا لَم يَبقَ في الفَمِ نابُ
يُغَيِّرُ مِنّي الدَّهرُ ما شاءَ غَيرَها
وَأَبلُغُ أَقصى العُمرِ وَهِيَ كَعابُ
وَإِنّي لَنَجمٌ تَهتَدي بِيَ صُحبَتي
إِذا حالَ مِن دونِ النُجومِ سَحابُ
غَنِيٌّ عَنِ الأَوطانِ لا يَستَفِزُّني
إِلى بَلَدٍ سافَرتُ عَنهُ إِيابُ
وَلِلسِّرِّ مِنّي مَوضِعٌ لا يَنالُهُ
نَديمٌ وَلا يُفضي إِلَيهِ شَرابُ
وَلِلخَودِ مِنّي ساعَةٌ ثُمَّ بَينَنا
فَلاةٌ إِلى غَيرِ اللِّقاءِ تُجابُ
وَغَيرُ فُؤادي لِلغَواني رَمِيَّةٌ
وَغَيرُ بَناني لِلزُّجاجِ رِكابُ
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
(كعاب: الفتاة أوِّل البلوغ. خود: الشَّابة الجميلة النَّاعمة. الغواني: جمع غانية، وهي التي تستغني بجمالها عن الزِّينة. رَمِيَّة: الهدف الذي يوضع للتدريب على رمي السِّهام. الزُّجاج: المقصود كأس الخمر. رِكاب: حَلْقة من حديد معلَّقة بالسَّرْج يضع الفارس فيها رِجْلَه. الدُّنى: الدُّنيا).
وصلت إلى عمر بن عبد العزيز سلتان من الرطب أرسلهما أمير الأردن هديةً له. فلما رآهما سأل:
ما هذا؟
فقيل له:
رطب بعث به أمير الأردن.
فسأل:
وعلى ماذا حُمل هذا الرطب حتى وصل إلينا؟
فأجابوا:
نُقل على دواب البريد التابعة للدولة.
فقال عمر:
ما جعلني الله أحقَّ بدواب البريد من سائر المسلمين. أخرجوا السلتين إلى السوق، فبيعوهما، واجعلوا ثمنهما في علف دواب البريد.
وكان أحد أبناء أخيه حاضرًا، فأشار إلى الراوي سرًّا وقال له:
اذهب، فإذا عُرضتا للبيع ووقف المزاد على ثمن معين، فاشترهما لحسابي.
فأُخرجت السلتان إلى السوق، وبيعتا بأربعة عشر درهمًا. فاشتراهما ابن أخي عمر بهذا المبلغ، ثم أعطى الراوي إحدى السلتين وقال له:
خذ هذه إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أما السلة الأخرى فسأحتفظ بها لنفسي.
فذهب الراوي إلى عمر وسلمه السلة، فقال عمر:
ما هذه؟
قال:
اشتراها فلان ابن أخيك من السوق بعد بيعها، ثم أرسل إليك هذه السلة، وأبقى الأخرى لنفسه.
فلما سمع عمر ذلك قال:
الآن طاب لي أكله.
المصدر:📚
منقول بتصرف عن كتاب سيرة عمر بن عبدالعزيز صـ 52.📖
.
أحمد صبحي جلال
حكاية من الأدب الروسي الساخر.. !!
سألوا رجلاً روسياً عجوزاً:
لماذا اعتقلتك الحكومة ثلاث مرات؟
قال العجوز: كنت شاباً حين انضممتُ إلى الحزب، وكنتُ أرافق مفوض الحزب وهو يشرح تاريخ الحزب ومبادئه، وعند مرورنا أمام الكرملين قال لي :
إن سور الكرملين عال
سألته: لماذا هو عال؟
قال لي: كي لا يقفز الحمير من فوقه!
قلت له: من الخارج للداخل أم من الداخل للخارج؟
فأعتقلوني ولم يفرجوا عني حتى مات ستالين
وحين أفرجوا عني فرحت ووضعت صورة خروتشوف بجانب صورة ستالين، فجاءني مفوض الحزب وسألني:
هل لا زلت تضع صورة هذا الحمار؟سألته: أي منهما؟
فأعادوني إلى السجن، ولم يفرجوا عني حتى عُزِلَ خروتشوف
وفي المرة الأخيرة كنت أحتفل بعيد ميلاد أحد أحفادي
فاتصل بي مفوض الحزب وقال لي:
لماذا لم تأت إلى اجتماع الحزب الأخير؟
قلت له: لو علمت أنه الأخير، لكنت جئت مع كل عائلتي واحتفلنا.. فاعتقلوني للمرة الثالثة ."
الحياةُ ليست مأساةً ولا ملهاةً في ذاتها؛ فالمفارقاتُ نفسها التي أضحكت ديمقريطس حتى لُقِّب بـ«الفيلسوف الضاحك»، هي التي أبكت هيراقليطس حتى عُرف بـ«الفيلسوف الباكي». مادةٌ وجوديةٌ واحدة، واستجابتان على طرفَي نقيض؛ وفي هذا ما يُنبئ بأنّ التصنيف لا يسكن الحدث، بل يسكن موقعَ الرائي منه.
في «فنّ الشعر»، يُصنِّف أرسطو الأعمالَ بحسب طبيعة ما تحاكيه: فالمأساةُ تحاكي أفعالاً جادّةً لشخصياتٍ نبيلة، والملهاةُ تحاكي أفعالَ من هم دونها مرتبةً. غير أنّ جوزيف كامبل، في «البطل بألف وجه»، ينقل السؤال من طبيعة الحدث إلى موضع النهاية: متى نُسدِل الستار؟ فالمأساةُ قد تستحيل فرَجاً إن امتدّ بها الزمن، والفرحُ قد يتكشّف مقدّمةً لكارثةٍ إن توقّف السرد عند لحظةٍ أخرى. ولعلّ التراجيديا، من هذه الزاوية، ليست إلا كوميديا لم تكتمل بعد.
ويُضيف تشارلي تشابلن بُعداً آخر حين يقول: «الحياةُ مأساةٌ لمن يراها عن قُرب، وملهاةٌ لمن يراها عن بُعد». فالقُربُ يَفضح الألمَ الفرديّ بكلّ تفاصيله الجارحة، والبُعدُ يكشف هزلَ المشهد في بنيته.
ثم يأتي هوراس والبول بمحورٍ ثالث: «الحياةُ مأساةٌ لمن يشعر، وملهاةٌ لمن يفكّر». فالانغماسُ يُولِّد المأساة، والتأمّلُ يُولِّد السخرية.
التوقيتُ، والمسافةُ، وطريقةُ الإدراك: ثلاثةُ محاور تُفصح عن أنّ التصنيف ليس صفةً ملازمةً للأحداث، بل ظلٌّ يُلقيه الموقعُ الذي تُرى منه.
ثلاثة رجال، عبر ألفَي عام، رأوا أن الوعي نقمة لا نعمة. واحد شرب المسكّن، وواحد رفضه، وواحد كتب التشخيص. لم يُجب أحد منهم عن السؤال الذي يترك البيولوجيا صامتة.
دخل عالم نفس سوفييتي إلى مقهى عام 1927، ورأى نادلًا يفعل شيئًا يبدو مستحيلاً.
كان يتذكر **كل طلب مفتوح** في كل طاولة. بدقة تامة. بدون ملاحظات. بدون أي جهد.
ثم دفعت طاولة فاتورتها. سألته أن يكرر الطلب.
لم يستطع تذكر أي عنصر واحد.
قضت السنتين التاليتين في محاولة فهم السبب. ما اكتشفته أصبح اليوم **نظام التشغيل** الذي يعمل تحت كل منصة تتنافس على انتباهك.
اسمها **بلوما زيغارنيك**، وكانت طالبة دراسات عليا حينها، تجلس مع أستاذها كورت لوين وهي تراقب الندل وهم يعملون في الصالة. ما لفت انتباهها كان شيئًا عاديًا جدًا، حدث في المطاعم لقرون دون أن يسأل أحد عن السبب.
كان الندل يتذكرون كل طلب مفتوح بدقة مذهلة:
- الطاولة 4 تريد الشنيتسل بدون صلصة.
- الطاولة 7 غيرت نوع النبيذ مرتين.
- الطاولة 12 مدينة بثلاثة قهوة وحلوى.
كل التفاصيل محفوظة بلا جهد، بلا ملاحظات، وبلا أي نظام ظاهر.
لكن **فور** أن تدفع الطاولة فاتورتها… تختفي المعلومات تمامًا.
اختبر لوين ذلك على الفور: استدعى نادلًا بعد دقائق من تسوية الحساب وسأله عن الطلب. لم يستطع النادل تذكره. لا جزئيًا، ولا تقريبًا. المعلومات اختفت ببساطة.
عادت زيغارنيك إلى مختبرها وقضت سنتين تحول هذه الملاحظة إلى واحدة من أكثر النتائج تكرارًا في تاريخ علم النفس.
إليك ما أثبتته، ولماذا يغير هذا الفهم طريقة تفكيرك في الانتباه والذاكرة، وفي **كل** قطعة إعلام استهلكتها في حياتك.
أعطت المشاركين سلسلة من المهام. بعضها سُمح لهم إنهاؤها، وبعضها تم مقاطعته قبل الإكمال. ثم اختبرت الاسترجاع لدى المجموعتين.
**المهام غير المكتملة** تُتذكر بنسبة **تقارب الضعف** مقارنة بالمهام المكتملة.
ليس قليلاً أفضل… بل تقريبًا ضعف. كان الدماغ يحتفظ بالعمل غير المكتمل في حالة توتر نشط، يعود إليه، يبقيه دافئًا، ويرفض أرشفته. أما المهام المكتملة فتُغلق وتُؤرشف وتُطلق. أما غير المكتملة فما زالت تعمل.
سمّته **هدف الاستئناف** (resumption goal). عندما يلتزم الدماغ بمهمة ولا يستطيع إنهاءها، يفتح ملفًا يبقى مفتوحًا حتى يأتي الحل. هذا الملف المفتوح يستهلك جزءًا من طاقتك المعرفية سواء كنت تفكر فيه واعيًا أم لا. يظهر في اللحظات الهادئة. يسحب انتباهك أثناء العمل على أمور أخرى. هو الشيء الذي تجد نفسك تفكر فيه تحت الدش وأنت لم تكن تحاول التفكير في أي شيء.
هذا **ليس عيبًا** في الإدراك البشري، بل **ميزة**. الدماغ تطور لإنهاء الأمور. الحلقة المفتوحة إشارة أن شيئًا مهمًا لم يُحل بعد. إبقاء هذه الإشارة نشطة يزيد من احتمالية العودة إليها وإنهائها. في بيئة كانت معظم المهام فيها على قدر كبير من المخاطر البقائية، كانت هذه الآلية مفيدة بشكل استثنائي.
أما في العالم الحديث، فهي **أكثر نقطة ضعف** في الانتباه البشري يتم استغلالها.
لم تخترع نتفليكس «النهاية المشوقة» (cliffhanger)، لكنها صنّعتها على نطاق صناعي لم يسبق له مثيل. عندما تنتهي الحلقة بسؤال معلّق، لا تخلق مجرد فضول… بل تفتح ملفًا في دماغك يبقى نشطًا حتى تغلقه الحلقة التالية. عداد التشغيل التلقائي الذي يبدأ بعد 15 ثانية ليس ميزة راحة… بل حساب دقيق للمدة التي يستطيع الشخص العادي تحمل حلقة مفتوحة قبل أن يتغلب عليه الضيق الناتج عن «عدم المعرفة» على كل نيّة أخرى كان ينويها في تلك الليلة. «حلقة أخرى» ليست خيارًا… إنها دماغك يفعل بالضبط ما صُمّم ليفعله: يعود إلى ما لم ينتهِ بعد.
كتّاب «لوست» و«بريكنج باد» و«سكسشن» فهموا هذا الأمر بشكل حدسي دون أن يقرأوا أي ورقة بحثية في علم النفس. كل حلقة تنتهي بسؤال مفتوح. كل نهائية موسم تجيب على ثلاثة أسئلة وتفتح خمسة جديدة. كل بنية التلفزيون المرموق هو **آلة زيغارنيك** تعمل على نطاق صناعي.
لكن التلفزيون ليس المكان الذي يصبح فيه الأمر خطيرًا.
كل إشعار على هاتفك هو حلقة مفتوحة.
كل بريد إلكتروني غير مقروء هو حلقة مفتوحة.
كل مهمة كتبتها في قائمة ولم تشطبها بعد هي حلقة مفتوحة.
كل واحدة منها تستهلك جزءًا صغيرًا ولكنه حقيقي من انتباهك المتاح، تسحب انتباهك جزئيًا، وتقلل من قدرتك على أن تكون حاضرًا تمامًا فيما تفعله الآن فعليًا. خوارزمية تيك توك لا تقدم لك فقط محتوى تحبه… بل تقدم لك محتوى **ينهي حلقة ويفتح أخرى فورًا**، فيبقي نظام الاستئناف نشطًا بشكل دائم، بحيث يصبح ثمن التوقف أعلى دائمًا من ثمن الاستمرار.
البحوث حول تأثير التراكم هذا مذهلة. علماء النفس الذين يدرسون الحمل المعرفي وجدوا أن المهام غير المكتملة لا تجلس سلبيًا في الذاكرة… بل تُقاطع بنشاط. تظهر في الأوقات الخاطئة. هي السبب الذي يجعلك تقرأ شيئًا فجأة تتذكر بريدًا إلكترونيًا نسيت إرساله. الدماغ لا يعطل… بل يشغّل نظام الاستئناف بالضبط كما صُمّم. المشكلة أنه يشغله على **أربعين حلقة مفتوحة** في وقت واحد، في بيئة تولّد حلقات جديدة أسرع مما بني الجهاز العصبي البشري لمعالجته.
أهم استنتاج عملي خرج من بحث زيغارنيك هو الذي يستخدمه معظم الناس بالعكس.
بنى ديفيد ألن نظام «الأمور المنجزة» (Getting Things Done) كله على هذه الرؤية: الطريقة الوحيدة لإغلاق حلقة معرفية مفتوحة هي **إما** إنهاء المهمة **أو** اتخاذ التزام موثوق بإنهائها لاحقًا. كتابة المهمة في نظام تثق به فعليًا له نفس التأثير على الدماغ كإنهائها. يُغلق الملف. يُطلق النطاق الترددي. لهذا السبب تشعر بالراحة عندما تكتب مهمة حتى قبل أن تفعل شيئًا بشأنها. أنت لم تحل المشكلة… لكنك أخبرت دماغك أن الحلقة مسجلة وسيُعود إليها، وهذا يكفي ليتراجع نظام الاستئناف.
والعكس صحيح أيضًا، وأكثر تدميرًا بكثير: كل مهمة تعيش فقط في رأسك، غير مكتوبة وغير مجدولة، هي حلقة مفتوحة تحرق مواردك المعرفية على مدار الساعة. التكلفة النفسية **لا تتناسب** مع حجم المهمة. التزام صغير مزعج يستهلك نفس التوتر النشط الذي يستهلكه مشروع كبير. دماغك لا يميّز حسب الأهمية… بل يميّز حسب الإكمال.
نشرت زيغارنيك نتائجها عام 1927. بقيت الورقة في الأدبيات الأكاديمية عقودًا قبل أن ينتبه إليها أحد خارج علم النفس.
ثم أصبح التلفزيون جيدًا. ثم جاء الهاتف الذكي. ثم صُمّمت **اقتصادية الانتباه** بأكملها، في الغالب من قبل أشخاص فهموا بشكل حدسي ما أثبتته علميًا: الحلقة المفتوحة هي **أقوى خطاف** متاح لأي شخص يريد السيطرة على انتباه البشر.
نتفليكس كانت تعرف. إنستغرام كان يعرف. كل مصمم جعل شارة الإشعار حمراء بدلًا من رمادية كان يعرف.
المقهى في فيينا اختفى منذ زمن.
لكن الآلية التي اكتشفتها هناك أصبحت الآن **نظام التشغيل** تحت كل منصة تتنافس على وقتك.
كل «يتبع في الحلقة القادمة».
كل إشعار غير مقروء.
كل منشور ينتهي بـ «الجزء الثاني غدًا».
كل ذلك هو **نفس النادل**، **نفس الفاتورة غير المدفوعة**، **نفس الدماغ** الذي يرفض أن يترك ما لم ينتهِ بعد.
لاحظت زيغارنيك ذلك فوق فنجان قهوة عام 1927.
بعد قرن… أصبحت **أغلى رؤية** في تاريخ الإعلام.
**ولم يعلّمها لك أحد في المدرسة.**
-----
(الصورة المرفقة في المنشور توضح **تأثير زيغارنيك** بصريًا: صورة للباحثة بلوما زيغارنيك على اليسار، ومخططين للمقارنة بين معدل تذكر المهام المكتملة مقابل غير المكتملة، مع ملاحظة أن الدماغ يتذكر المهام غير المكتملة بشكل أفضل عندما يكون هناك دافع لإنهائها).
https://t.co/yVrLdOvgy1
«الأخ الأكبر لا يراقبك. إنه يُغنّي ويرقص. يُخرج الأرانب من قبّعته. الأخ الأكبر مشغولٌ باستحواذ انتباهك في كل لحظة من يقظتك. يحرص على أن تبقى مُشتَّتاً على الدوام. يحرص على أن تبقى مُستَغرَقاً تماماً»
— تشاك بولانيك