كلما كبرتُ في العمر وجدت أنه من غير الممكن العيش إلاَّ مع الذين يحرروننا، ويحبوننا حبًا خفيف الحِمل. الحياة اليوم قاسية جدًا، مريرة جدًا، مُرهقة جدًا، حتى نتحمل أيضًا عبوديةً جديدة آتية من الذي نحبُّه.
- ألبير كامو
بعض تعبي في الحياة –وفي نفسي– نتيجة لعدم قدرتي على ضبط أرجوحة مزاجي وتفسير حركتها. أبسط الأمثلة: كيف أمس تقولين عادي نطلع واليوم لا؟ ما أدري. لكنها إجابة غير كافية للأسف، وأنت مسؤول، يا تقاوم نفسك أو تتلقى العتب برحابة.. ومرات تكتب تغريدة في تويتر.
في هذا العالم الكثير من لحظات الفن غير المُعبر عنها كفاية:
-الفاكهة التي تحمل كدمة من الغصن
-المطر الذي يبدأ بينما الشمس ما زالت موجودة
-اللحظة التي: تتحول رائحة الطلاء الجديد إلى رائحة بيت
-اللحظة التي: يصبح فيها الثوب القديم مريحاً
-البيوت التي تستطيع سماع البحر ولا تستطيع رؤيته
-الخطأ الصغير في أغنية محفوظة عن ظهر قلب
-النافذة المضاءة في طائرة تعبر سماء الليل
-الغرفة التي يضيئها التلفاز بعد نوم صاحبها
-الضوء الأحمر الذي يمر عبر الأصابع حين نضع اليد أمام الشمس
-برتقالة وحيدة في شجرة انتهى موسمها
-رائحة نار بعيدة في ليلة بارده
-رجل يربت على جيبه ليتأكد أن المفتاح معه
من علامات النضج ألّا تسأل: لماذا؟
بل تقول: ثمّ ماذا؟
وتمضي في حياتك كيفما تكون، لأن الأسباب توقفت عن دورها المتوقع منها، لم تعد مقنعة ولا منطقية ولا ذات معنى، إنها اسطوانات نرددها لنشعر بوهم الفهم.
حين لا تسأل لماذا أنت تعرف أنك لن تعرف أبداً، ولا ترغب بأن تعرف أصلاً، زاهداً في كل معرفةٍ تُنتَزع لتطمئن قلقك، دون أن تشرح أي شيء آخر؛ لا تفصح الأسباب عن الألم الكامن فينا، ولا تفضح الشر الساكن فينا.
الأسباب طريقتنا لنقول لمشاعرنا أن تخرس، لكنها لا تخرس أبداً.
علينا إذن أن نسمعها بصوتها الأصليّ، قبل أن تأتينا الدبلجة الركيكة محملةً بما لا نستطيع تحمّله.
لنبكي دون أن نفهم أي شيء، لنصغي للدموع وهي تشرح بلغةٍ بليغةٍ فصيحة حزنَ أننا -ربما- لن نفهم أبداً!
في مشهد من دراما سورية، تجلس فيه البطلة أمام البطل، تقول: "مستعد تسمعني؟ أنا ماني سعيدة." ثم تبكي. حاسّة صوتها يدور في رأسي، وأكرر الجملة.
مستعد تسمعني؟ أنا ماني سعيدة.
أحب ممدوح عزام ثلاث مرات، مرة في روايته الرجل الرفيع بالقميص الأبيض، وأخرى في جهات الجنوب، وهذا المساء في لا تخبر الحصان. أدب بعيد عن المثالية الناصعة لكن قريب من الإنسان؛ البطولة الوحيدة التي تظفر بها شخصياته هي بطولة العيش بين احتمال اليأس ومقاومة الأمل. ولعل تلك أسمى بطولاتنا.
أحب ممدوح عزام ثلاث مرات، مرة في روايته الرجل الرفيع بالقميص الأبيض، وأخرى في جهات الجنوب، وهذا المساء في لا تخبر الحصان. أدب بعيد عن المثالية الناصعة لكن قريب من الإنسان؛ البطولة الوحيدة التي تظفر بها شخصياته هي بطولة العيش بين احتمال اليأس ومقاومة الأمل. ولعل تلك أسمى بطولاتنا.