@sa2626sa إذا سلمنا بوجود مستويين من اللغة: (اللغة النموذجية، ولغة المتكلم في قومه) لزم من ذلك أن النموذجية معياريه حتى يتمثلها الشاعر والخطيب، وهذا ما لم يكن، فمعيارية اللغة متأخرة، إذن الفصحى هي لغة قوم بعينهم أضيف إليها نماذج أخرى فصيحة من لغات آخرين وأقيم المعيار وفق ذلك.
لا يُقصد من إيراد (من تبحّر في النحو اهتدى إلى جميع العلوم) مجرد فهم القواعد اللغوية، بل أن التبحّر في النحو من ثمرته أنه ينمّي مهارة الفهم الدقيق للنص، ويعزّز القدرة على التحليل والتأويل، فالنحو لا يكتفي بدراسة الظواهر اللغوية سطحياً، بل يغوص في العلل والأسباب الكامنة خلفها، ويعتمد منهجاً قياسياً يقارن بين الألفاظ ويُعمِّم النتائج. فالنحاة -مثلاً- يبحثون في العلل الأربع (الفاعلية والمادية والصورية والغائية) ويُحلّلون السياقات اللغوية بناء عليها، وهذه العلل نفسها تشكل أساساً لفهم العديد من العلوم الأخرى. وكذلك يتبنى النحويون منهجية علمية تعتمد على الاس��قراء والقياس ثم تعميم النتائج، وهي الآليات نفسها التي تُستخدم في مختلف فروع المعرفة الإنسانية، بل إنهم سبقوا غيرهم في تطبيق هذه المنهجية الدقيقة. وهكذا يصبح من المنطقي أن يتمكّن من تبحّر في النحو من التعامل مع العلوم الأخرى بيسر، فالأدوات التحليلية والمنطقية التي اكتسبها من خلال تبحرّه في النحو مثل (التركيز على العلل، والقياس، والتعميم) تجعله مؤهلاً لفهم المنهجيات العلمية وتطبيقها بسلاسة، سواء في الفلسفة أو القانون أو حتى العلوم الطبيعية.
الشعر وسر انجذابنا إليه
ما السر في عشق الناس لسماع الشعر، وجعلهم إياه في المقدمة، حتى قدموه على أحاديثهم، التي هي في الأساس دوحته الحاملة لألفاظه، المزهرة بكلماته؟ ثم ما أمر تفوّقه على سردهم العادي، وقد رُكّب من مفرداته، وصيغت ألفاظه منه؟ أذلك يعود لمهارة تركيب الكلمات، وتنظيم موسيقاها، وإعمال التقديم والتأخير فيها، أم يعود لسبب آخر يتعلق بترتيبها، والموازنة بين أماكنها، حتى تبدو وهي أخف على السمع، وأوقع في النفس؟ نعم، ذلك جزء من السبب، إلا أن الجزء الجوهري من ذلك السبب يكمن في ارتباط الشعر بعوالم افتراضية، ينسجها الخيال الشعري، بما بتماهى مع الوجدان الإنساني، من استرجاع ذكرى، أو استنهاض همة، أو مفاصلة مع عالم واقعي، لابسهُ الجفاف حتى جفّت ينابيعه وتصحّرت روابيه، فما إن تتشكل سحب العالم الافتراضي، الذي يصنعه الشعر، حتى تنعتق النفوس من جفاف عالمها الواقعي، لتعيش أجواء الانعتاق اللحظي عن وطأة الواقع وهجير حقائقه، في ظل ما يرسمه الخيال الشعري من آفاق جذابة، تعانق فضاءات خلابة، تسمو بالنفس إلى مناظر من البهجة، تستضيفها في حلقات من السرور، ينساب من أهدابها جداول سعادة، يرقرقها نسائم ذكريات شجية، أو آمال منتظرَة، تخامر جفاف الواقع، فت��عث فيه روحا من الأمل وطيفا من التفاؤل، فيتعمق في الوجدان عشق الشعر، واليقين بجدواه.
فالشعر عندما يجنح إلى الخيال دون أن يتحرر كليا عن الواقع، يجذب إليه عواتق النفوس ونوافرها، لتتخذ منه جناح نهوض، يحلق بها على مسافات متفاوتة، من مراتع أحزانها ومكامن همومها، ألم نجد ذلك في شعر المتنبي وهو يرثي والدة سيف الدولة:
ولو كان النساء كمن فقدنا
لفضلت النساء على الرجالِ
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ
ولا التذكير فخر للهلالِ
فالواقع يؤكد أن النساء حتى ولو كن كتلك الفقيدة، فلن تفضل النساء على الرجال بأي حال، إلا أن المتنبى جنح إلى الخيال، دون أن ينفصل عن بعض حقائق الواقع، فكان لهذا الخيال وقعه اللطيف في تخفيف لوعة الحزن على المكلوم، وتهدئة لواعجه.
ثم نجد شاعرا آخر يوظف خياله الشعري بكل تفاصيله، فيرثي كريما جوادا، شاءت له الأقدار أن يُقتل ويُصلب، فينظر إليه الشاعر وهو مصلوب أمام الملأ، فيقول:
علوٌّ في الحياة وفي المماتِ
لحق أنت إحدى المعجزاتِ
إلى أن قال:
ولما ضاق بطن الأرض عن أن
يضم علاك من بعد المماتِ
أصار��ا الجو قبرك واستنابوا
عن الأكفان ثوب السافياتِ
فما أن شاعت هذه القصيدة، ذات الخيال الواسع، على ألسنة الناس، حتى بكى من أمر بقتله وصلبه، وتمنى لو أنه المقتول المصلوب، بشرط أن يكون المؤبّن بتلك القصيدة.
فحقائق الواقع حول هذه القصيدة، تؤكد القتل والصلب على ما فيهما من بشاعة، غير أن الخيال الشعري انتزع الصورة القاتمة من هذه الحالة الصادمة، ليحيلها إلى معطف بهي، تشرئب إليه أعناق الأماني، وتتناقله أسفار التأريخ.
بمثل هذا الخيال الشعري تتعلق النفوس بالشعر، ويتجلى فيه السبب الجوهري لتعلق النفوس به، ومحبتها لسماعه.
أصل اللغة:
ذكر ابن جني في تعريفه للغة أنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم".
ثم تناول أصل اللغة مبينًا اختلاف الآراء حوله، فقال: "هذا موضع محوج إلى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف".
لكنه استدرك بنقل رأي شيخه أبي علي، فقال: "إلا أن أبا علي رحمه الله قال لي يومًا: هي من عند الله واحتج بقوله سبحانه {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}"
بعد ذلك، ناقش ابن جني الآراء المختلفة المتعلقة بأصل اللغة، فقال:
"ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيًا. وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا فيحتاجوا إلى الإ��انة عن الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظًا إذا ذكر عرف به ما مسماه، ليمتاز من غيره وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين فيكون ذلك أقر�� وأخف وأسهل من تكلف إحضاره".
وأشار إلى رأي آخر يرى أن أصل اللغة مستمد من الأصوات المسموعات في الطبيعة، فقال:
"وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد"، وأيد هذا الرأي في البداية، قائلاً: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل".
لكنّه عدل عن ذلك بعد تأمله العميق لما تحويه اللغة من لطائف وحكمة، فقال: "وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك علي جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، فقوى في نفسي اعتقاد كونها توفيقاً من الله سبحانه وأنها وحي".
@abdullah123248 إتقان العلوم يتطلب إلمامًا باللغة أولًا، ويُعَد علم النحو من أبرز فروعها. فمن تعمّق في علم النحو، فقد مهّد لنفسه السبيل إلى فهم بقية العلوم، إذ يُعَد النحو مفتاحًا يقود إلى إدراكها بوضوح ودقة.
أحضر أعرابيّ ابنه إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي ليعلمه؛ فقال الخليل للابن: امدح هذه النخلة. قال الفتى: حلو مجتناها، باسقٌ منتهاها، نَضِرٌ أعلاها. فقال الخليل: فذمَّها. قال: صعبة المرتقى، بعيدة المرتجى، محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني، نحن إلى التعلم منك أحوج!
يقيسُ بعضُ الحمقى مكانتَه الاجتماعيةَ بالمقعدِ الذي يجلسُ عليه، لذا تراهُ في شكلٍ ساخرٍ مُزرٍ يُسابقُ النّاسَ على تصدُّر المجالسِ ضارباً بكلِّ قيم المروءةِ التي تحثُّ على احترامِ الكبيرِ سنَّا، أو الوجيهِ قدراً لعلمٍ أو فضلٍ أو مسؤوليةٍ، أو الضيفِ الذي يجبُ تقديرُه وإكرامُه، وما علمَ هذا الأحمقُ أنَّ الأقدارَ في الأعمالِ، والترفُّعِ عن الرذائلِ، وإنزالِ الناس منازلَهم، وليستِ الأقدارُ بالمقاعدِ والكراسي، وقد أُثرَ عن نابليون قوله؛ " صدرُ المجلسِ حيثُ يجلسُ نابليون"، وأثرَ عمّن هو أكرمُ وأعزُّ وهو الملكُ فيصلُ -رحمه الله- قولُه: " صدرُ المجلسِ حيث يجلسُ الرجلُ المهمُّ".
تبّاً للحمقى، ولا كثّرَهم اللهُ في ��جالسِ العربِ ذوي المروءةِ. 🫥🙂