بَكَتْ عَينيَ اليُسْرَى، فَلَمَّا زَجَرْتُها ...
عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ... أَسبَلتَا مَعَا
هذا البيت للشاعر:
الصِّمَّةُ بن عبدالله القشيري،
وهو من أجمل الشعر في #البكاء.
الشاعر:
والصِّمَّةُ، شاعرٌ، نجديٌّ، أمويٌّ، بدويٌّ،
وكما فى جمهرة الأنساب،
هو: الصمة بن عبد الله بن الحارث بن قرة بن هبيرة.
كان شريفًا، شاعرًا، ناسكًا، عابدًا...
وَ َجَدُّ الصمة؛ قرة بن هبيرة،
وفد على رسول الله،
فأكرمه وكساه واستعمله
على صدقاتِ قومه –
فهو بذلك صحابيٌّ، وينتهي نسبه
إلى قشير بن كعب بن ربيعة
بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر
بن هو��زن بن منصور بن عكرمة بن خصفة
بن قيس بن عيلان بن مضر.
قصة الصمة وأبياته:
ذكر اليزيدي (ت 310 هـ)، في أماليه، قصته،
وقصة قصيدته التي منها
قال أبو رياش في شرح الحماسة :
وكان من خبر هذين البيتين ، أن الصمةَ بن عبد الله
كان يهوى ابنة عمه ، تسمّى ريَّا،
فخطبها إلى عمه فزوجه على خمسين من الإبل،
فجاء إلى أبيه فسأله، فساق عنه تسعًا وأربعين،
فقال : أكملها.
فقال : هو عمك وما يناظرك فى ناقة.
فجاء إلى عمه بها،
فقال : والله لا أقبلها إلا كلَّها .
فلَجَ عمه ولج أبوه ،
فقال : والله ما رأيت الأم منكما ،
وأنا ألأم منكما إن أقمت معكما.
فرحل إلى الشام فلقى الخليفة فكلمه،
فأعجب به وفرض له، وألحقه بالفرسان .
فكان يتشوق إلى نجد ، وقال هذا الشعر .
الأبيات وشرحها:
1-
حننْتَ إلى ريَّا ونفسكَ باعدتْ ...
مزارَكَ من ريَّا وشَعْباكما معَا
2-
فما حسنٌ أن تأتيَ الأمرَ طائعا ...
وتجزعَ أن داعي الصَّبابةِ أسمعَا
3-
قِفا ودِّعا نجدًا ومن حلَّ بالحمَى ...
وَقَلَّ لنجدٍ عِندنا أن يُودَّعا
4-
بنفسي تِلْكَ الأَرْض مَا أطيب الرّبَا ...
وَمَا أ��سن المصطاف والمتربعا
5-
وَلَيْسَت عشيات الْحمى برواجع
عَلَيْك ... وَلَكِن خلِّ عَيْنَيْك تدمعا
6-
وَلما رَأَيْت الْبشر أعرض دُوننَا ...
وحالت بَنَات الشوق يحنن نزعا
قال التبريزي في شرح ديوان الحماسة:
1 - الحنين تألم من الشوق وريا اسْم امْرَأَة وباعدت أبعدت وَالْوَاو فِي الْمَوْضِعَيْنِ من الْبَيْت وَاو الْحَال والمزار الزِّيَارَة والشعب الْحَيّ يلوم نَفسه فِي بعده عَنْهَا ويقرعها فَيَقُول اشْتقت إِلَى ريا وَقرب وصالها وَقد أبعدت زيارتك مِنْهَا حِين فارقتها وَقد كَانَ شعبًا كَمَا مُجْتَمعين.
2 - المُرَاد بِالْأَمر الْفِرَاق أَو الْحبّ وَإِن الثَّانِ��َة بِتَقْدِير اللَّام وَالْمعْنَى لَيْسَ بِحسن أَن تنقاد أَولا للحب مُخْتَارًا فَإِذا أسمعك دَاعِي الصبابة نداءه جزعت
3 - الْحمى مَوضِع فِيهِ مَاء وكلأ يمْنَع النَّاس مِنْهُ والنجد كل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق وَالْمعْنَى يَا خليلي قفا حَتَّى تودعا نجدا وَمن سكن حماه وَقَلِيل عندنَا أَن نودعه
4 - الْألف وَاللَّام فِي الرِّبَا عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ والربا مَا ارْتَفع من الأَرْض والمصطاف مَكَان الصَّيف والمتربع مَكَان الرّبيع وَالْمعْنَى أفدي بنفسي تِلْكَ الأَرْض لطيب رباها العجيب وَحسن فصليها صيفا وربيعا
5 - الْمَعْنى أَنَّك وَإِن أفرطت فِي الْجزع فَإِن أَوْقَات المواصلة بالحمى مَعَ أحبابك لَا تكَاد تعود وَلَكِن أَدَم الْبكاء لَهَا مَعَ التوجع فِي أَثَرهَا تَجِد فِيهِ رَاحَة
6 - الْبشر جبل بالجزيرة وَأعْرض أبدى عرضه وجانبه وحالت تحركت وَبَنَات الشوق نوازع الحنين كأطفال الْحبّ وَهَذِه اسْتِعَارَة لَطِيفَة جميلَة وَأَرَادَ بهَا مسببات الشوق وآثاره والنزع جمع نَازع أَي مشتاق.
1-
بكتْ عينيَ اليُسرَى فل��َّا زجرتُها ...
عن الجهلِ بعد الحلْمِ أسبَلَتا معَا
2-
تلفت نَحْو الْحَيّ حَتَّى وجدتني ...
وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
3-
وأذكُرُ أيَّامَ الحمَى ثمَّ أنْثَني ...
على كبِدِي من خشيةٍ أنْ تصدَّعا
4-
ألا يا خليليَّ اللَّذين تواصَيا ...
بلومِيَ إلاَّ أنْ أُطيعَ وأتْبَعا
5-
فإنِّي وجدتُ اللّومَ لا يُذهب الهوَى ...
ولكنْ وجدتُ اليأسَ أجدَى وأنْفَعا
6-
وسرب بدتْ لي فيه بِيضٌ نواهِدٌ ...
إذا سُمتُهنَّ الوصلَ أمسينَ قُطَّعا
7-
مَشَينَ اطّرادَ السَّيل هونًا كأنَّما ...
تراهنَّ بالأقدامِ إذ مِسْنَ ظُلَّعا
8-
فقلتُ سقَى اللهُ الحمَى دِيَمَ الحَيَا ...
فقلنَ سقاكَ ��لله بالسّمّ منقَعَا
9-
وقلتُ عليكنَّ السَّلامُ فلا أرَى ...
لنفسيَ من دونِ الحمَى اليومَ مَقْنَعا
10-
فقلنَ أراكَ اللهُ إن كنتَ كاذبًا ...
بنانكَ مِن يُمنَى ذراعيكَ أقطَعَا
11-
فلم أرَ م��لَ العامريَّة قبلَها ...
ولا مثلَها يومَ ارْتحلْنا مُودَّعا
12-
تُريكَ غداةَ البينِ مقلةَ شادنٍ ...
وجيدَ غزالٍ في القلائدِ أتلَعَا
13-
شكوتُ إليها ما أُلاقِي من الهوَى ...
وخشْيةَ شَعب الحيِّ أن يتصدَّعا
14-
فما كلَّمتْنا غيرَ رجعٍ وإنَّما ...
ترقرقتِ العينان منها لتَدْمَعا
15-
كأنَّك بدعٌ لم تَرَ البينَ قبلَها ...
ولم تكُ بالألاّف قبلُ مُفجَّعا
16-
فليت جِمالَ الحيِّ يومَ ترحَّلوا ...
بذي سلَمٍ أمستْ مَزاحيفَ ظُلَّعا
17-
فيُصبحنَ لا يُحسنَّ مشيًا براكب ...
ولا السَّيرَ في نجدٍ وإنْ كانَ مَهْيَعا
18-
أتجزعُ والحَّانِ لم يتفرَّقا ...
فكيف إذا داعِي التَّفر��ّقِ أسمَعَا
19-
تلَفَّتُ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني ...
تشكَّيتُ للإصغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
قال التبريزي:
1 - بَكت عَيْني جَوَاب لما فِي الْبَيْت قبله وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنِّي لما رَأَيْت الْبشر أبدى جَانِبه حاجزا بَيْننَا وتحركت مسببات الشوق بالحنين مشتاقة إِلَى نجد بَكت عَيْني الْيُسْرَى فَلَمَّا منعتها عَن الْبكاء الَّذِي يشْعر بِالْجَهْلِ بعد الْحلم وتيقنت أَن الْبكاء لَا يُفِيد مَعَ الْيَأْس من الْقرب طاوعتها الْيُمْنَى فدمعتا مَعًا وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْجَهْلِ بعد الْحلم الْجزع بعد الصَّبْر
2 - تلفت الْتفت وَاللَّيْث صفحة الْعُنُق والأخدع عرق فِيهَا والإصغاء الْميل وليتا وأخدعا منصوبان على التَّمْيِيز وَالْمعْنَى لما حَان الْفِرَاق صرت أَكثر من الِالْتِفَات جِهَة الْحَيّ حَتَّى وجدت نَفسِي وجع الليت والأخدع لدوام التفاتي تحسرا فِي أثر الْفَائِت من أحبابي وديارهم
3 - الْمَعْنى أَنِّي أَتَذكر أوقاتي بالحمى لما كَانَ بَيْننَا من أَسبَاب الْوِصَال بهَا فانثنى على كَبِدِي فأقبض عَلَيْهَا مَخَافَة تشققها وخروجها من موضعهَا شوقا إِلَى أحبابها.
وللخالديين في حماستهما:
قوله: «حننت» البيت والَّذي بعده
فقد أخذه منه جماعة، وهو المخترع له، فممَّن أخذه بعضهم فقال:
تطوِي المنازلَ عن حبيبك طائعًا * وتظلُّ تَبْكيه بدمعٍ ساجمِ
هلاَّ أقمتَ ولو على جَمْر الغَضَا * قُلِّبتَ أو حدِّ الحُسام الصَّارمِ
كَذَبَتْكَ نفسُك لست من أهل الهوَى * تشكو الفراقَ وأنتَ عين الظَّالمِ
ومثله آخر:
أترحَلُ عن حبيبك ثمَّ تَبْكي ... عليه فما دعاك إلى الفراقِ
كأنَّك لن تذُقْ للبَين طعمًا ... فتعلمَ أنَّه مُرُّ المذاقِ
ومثله:
يسُبُّ غرابَ البين ظُلْمًا معاشِرٌ * وهم آثروا بعدَ الحبيب على القُرْبِ
ومثله:
أترحَلُ طوعَ النَّفس عمَّن تحبُّه * وتبكي كما يبكي المفارِقُ عن قَهْرِ
أقِمْ لا ترمْ والحزمُ منك بمعزل * ودمعُك باقٍ في جفونك لا يجري
* قال ال��رزوقي في شرح ديوان الحماسة:
قال الصمة بن عبد الله القشيري
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا ... وتجزع أن داعي الصببابة أسمعا
الحنين: تألم من الشوق وتشك. وريا؛ اسم امرأة. ف��ن قيل: هلا قيل روى، لأن فعلى إذا جاء اسمًا من بنات الياء يقلب ياؤه واوًا، على هذا الفتوى والشروى والتقوى والبقوى؟ قلت: إنه سمي به منقولًا عن الصفة، وفعلى صفة يصح فيه الياء، على هذا قولهم: خزيا وصديا وريا كأنه تأنيث ريان في الأصل، كما يقال عطشان وعطشى، ثم نقل من باب الصفات إلى بابالتسمية بها فترك على بنائه. وقوله (ونفسك باعدت) الواو واو الحال، وهي للابتداء، ومعنى باعدت بعدت، وهو كمل يقال ضاعفت وضعفت. وفي القرآن: باعد بين أسفارنا، والمزار: اسم مكان الزيارة. والشعب. شعب الحي، يقال: التأم شعبهم، أي اجتمعوا بعد تفرق، وشت شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمع. وقوله (وشعبا كما مع��) الواو واو الحال أيضًا، والعامل في (ونفسك باعدت) حننت، وفي قوله: (وشعبا كما) باعدت. ومعنى قوله: (معا) مجتمعان ومصطحيان، وموضعه خبر المبتدأ.
وقوله (فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا) في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء به وهو نكرة لاعتماده على حرف النفي، و(أن تأتى) في م��ضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، والتقدير: ما يحسن إتيانك الأمر طائعًا. وانتصب طائعًا على الحال من أن تأتي. ويجوز أن يرتفع حسن على أنه خبر مقدم، وأن تأتي في موضع المبتدأ. ويجوز أن يرتفع حسن بالابتداء وأن تأتي في موضع الخبر، وهذا أضعف الوجوه لكون المبتدأ نكرةً والخبر معرفة. وقوله (وتجزع أن داعي الصبابة) أن مخففة من أن الثقيلة، والمراد: وتجزع من أن داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنها بعد أن كان حيًا كما مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعًا غير مكره. وجزعك بعده، لأن داعي الشوق والعائد منه إليك أسمعك وحرك منك.
قفا ودعا نجدًا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه والناول بالحمى منه. ثم استأنف فقال ملتفتًا: ويقل لنجد وساكنه التوديع منا، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لانقدر على غيره. والحمى: موضع فيه ماء وكلأ يمنع منه الناس. ويقال: أحميت المكان، إذا ��علته حمى. وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون للمكان وقد أبطل وأبيح ولم يحم: بهرج. وأنشد:
فخيرت بين حمىً وبهرج ... ما بين أجراذ إلى وادي الشجى
وقوله (أن يودعا) في موضع الفاعل لقل. ومعنى قوله (وليست عشيات الحمى برواجع) أنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لاتكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها، مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحةً. وفي هذا إلمام بقول الآخر:
فنلت له إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وقوله (تدمعا) جواب الأمر. ولو قال تدمعان، لكان حالًا للعينين.
ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق يحنن نزعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
البشر: جبل. وأعرض دوننا: ابدى عرضه. وحالت: تحركت. يقال: استحلت الشخص، إذا نظرت هل يتحرك. ومنه لاحول ولا قوة إلا بالله! والمعنى: لما تباعدنا عن نجد؛ وحجز بيننا وبينه البشر، تحركت بنات الشوق نوازع كثيرة الحنين، مظهرةً ضعف الصبر. وجواب لما قوله (بكت عيني اليمنى) . وأراد ببنات الشوق مسبباته. وهذا كما ��ال الآخر:
يضم إلى الليل أطفال حبها ... كما ضم أزرار القميص البنائق
فأطفال الحب كبنات الشوق. والنزع، الأشهر فيه أن يكون جمع نازع بمعنى كاف، فوضعها موضع نوازع، واللفظتان المتواخيتان لكونهما من أصل واحد يستعار ما إحداهما للأخرى. وإنما قال (بكت عيني اليمنى) لأنه كان أعور ممتعا بعينه اليسرى. والعين العوراء لاتدمع. فيقول: بكت عيني الصحيحة؛ فاجتهدت في زجرها عن تعاطي الجهل بعد أن كنت تحلمت وتركت الصبي، فلما تكلفت ذاك لها أقبلت العوراء تدمع معها وتبكي. ونبه بهذا على عصيان النفس والقلب، وقلة ائتمارهما له، وأنهما إذا زجرا وردا عن مواردهما زادا على المنكر منهما
تلفت نحو ��لحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتًا وأخدعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا
يقول: أخذت في مسيري من لما أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ملتفتًا إلى ما خلفته من الحي وأرض نجد، حتى وجدتني وجع الليت - وهو عرق فيها - لطول إصغائي، ودوام التفاتي؛ كل ذلك تحسرًا في إثر الفائت من أحبابي وديارها، وتذكرًا لطيب أوقاتي معهم فيها. وقد قيل فيه: إن من رموزهم أن من خرج من بلد فالتفت وراءه رجع إلى ذلك البلد. وأنشد فيه أبيات منها قوله:
عيل صبري بالثعلبية لما ... طال ليلى وملني قرنائي
كلما سارت المطايا بناميلًا تنفست والتفت ورائي
قالوا: التفت لكي يقضى له الرجوع، لكونه عاشقًا
وانتصب (ليتًا) لأنه تمييز، وهذا من باب ما نقل الفعل عنه، كأن الأصل: وجع ليتني وأخدعي، فلما شغل الفعل عنهما بضميره أشبها المفعول فنصبهما. ومثله: تصببت عرقًا، وقررت به عينًا.
وقوله (وأذكر أيام الحمى ثم أنثني) يقول: وأتذكر أوقاتي بالحمى لما كان من أسباب الوصال تساعد، وبين دورنا ودور الأحبة تقارب، وللتراسل إمكان، ومع الحبيب في الوقت بعد الوقت تلاق واجتماع، ثم أنعطف على كبدي وأقبض عليها مخافة تشققها، وخروجها من مواضعها، شوقًا إلى أمثالها، وحسرة في إثر منقطعها. وقد ذكر هذه الأبيات أبو عبد الله المفجع رحمه الله، في حد الغزل من كتابه المعروف بالترجمان، فنذكر بيتين منها في (باب الصبابة)، وهما:
حننت إلى ريا ونفسك باعدت
فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا
وقال في تفسيرهما:
(يقول: الحرب بينك وبين قومك تمنعك من قربها ولقائها) .
وذكر مع البيتين قول عنترة:
علقتها عرضًا وأقتل قومها ... زعمًا لعمر أبيك ليس بمزعم
ثم جاء إلى (باب الحنين)، فذكر ما في الأبيات،
وذكر أيام الحمى
و وليست عشيات الحمى برواجع
وبكت عيني اليمنى
الأبيات...
وقال في تفسيرها:
هذا كان مجرورًا لأحبابه وهم منتجعون بجنوب الحمى فنشأت عين - والعين: سحابة تجيء من ناحية القبلة - فنشأت من عين يسار القبلة، فارتاع لذلك، وخشى الفرقة إذا اتصل الغيث، فذلك معنى قوله: بكت عيني
اليسرى، كنايةً عن السحاب. و��هلها: كثرة مطرها. وجعل ارتياعه منها زجرًا لها. ثم نشأت أخرى من عن يمين القبلة، فأيقن حينئذ بالفراق. فذلك معنى قوله: أسبلتا معا. ثم قال معترفًا بالبين: خل عينيك تدمعا، يعني السحابتين.
وقال جرير:
إن السواري والغوادي غادرت ... للريح منخرقًا بها ومجالا) .
هذا كلامه في كتابه، وقد حكيناه على ما أورده لازيادة فيه ولا نقصان. وأظن أنه تذكر أبيتًا غير هذه، ثم تصرف في تفسيرها وذكر هذه الأبيات في أثناء تفسير ما ذكره، ولم يأت بها. وقد أحسنت الظن مستطرفًا فعله. والله أعلم. انتهى شرح المرزوقي بما فيه من تهكم بما زعمه عورًا في الشاعر، وبشرح المفجع!
دفع العور عن الصمة!
وأعجب من رجل أديب مثل المرزوقي، كيف يكون ظاهريًا، ملتزمًا بحرفية النص في شرح الشعر، فما هو الشعر إن لم يكن فيه خيال، وهل يسمى شعرًا هذا الذي لا يجسد الشاعر فيه أبواب البيان من تشبيه وتورية وتضمين؟!
ومن المستبعد أن يكون الصمة أعورًا، ويستخدم ما أبتلي به في شعره، الذي يحرص كل شاعر على أن يطرزه بأجمل ما لديه!
الخلاف في نسبة الأبيات للشاعر:
قوله:
بكَتْ ��َينيَ اليُسرَى، فَلمّا زَجَرْتُها ...
عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ أسبَلتَا مَعَا
وَأذكُرُ أيّامَ الحِمَى ثُمَّ أَنْثَنِي ...
عَلَى كَبِدِي مِنْ خَشْيَةٍ أََنْ تَصَدَّعَا
1- البيتان نسبهما ابن جني، في إعراب الحماسة،
إلى الصمة بن عبدالله القشيري.
2- وكذا في (الأمالي)، لليزيدي (ت 310 هـ).
3- وحماسة الخالديين، لأبي بكر محمد بن هاشم، (ت نحو 380 هـ)، وأبي عثمان سعيد بن هاشم (ت 371 هـ)، المسمى: (الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين).
4- و أبو محمد ابن حزم (ت 456 هـ)، في أنسابه.
5- وأبو القاسم الفارسي (ت 467 هـ)، في شرح حماسة أبي تمام.
6- وأبو عبيد البكري (ت 457 هـ)، في (سمط اللآلي).
7- ثم عبدالقادر البغدادي (ت 1093 هـ)، في (خزانة الأدب).
أما الذين نسبوا الأبيات لغير الصمة القشيري فهم:
- ابن عبد ربه الأندلسي (ت 328 هـ)، في كتابه الشهير: (العقد).
- وأعجب العجب أن المرزوقي (ت 421 هـ)، في كتابه (الأزمنة والأمكنة)، أورد من القصيدة أربعة أبيات، ونسبها إلى دريد بن عبدالله! مع أنه في شرحه حماسة أبي تمام، أثبت نسبة الأبيات للصمة بن عبدالله القشيري، فسبحان من يُغَيِّرُ ولا يتغير، مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت الأمكنة!
- كما أن السراج القاريء في (مصارع العشاق)، أورد معظم الأبيات، ونسبها إلى يزيد بن الطثرية، لكنه استبرأ لنفسه بأن أسند هذه النسبة الواهمة.
والغريب أن الأبيات التي ساقها السراج في مصارع عشاقه تكاد تطابق أبيات الصمة، وفيها ذكر ابنة عمه رَيَّا، صراحًا بواحًا، فهل لبيزيد بن الطثرية ريَّا، كما كان للصمة ريَّا؟
قال ابن عبدالبر (ت 463 هـ)، في (بهجة المجالس وأنس المُجالس):
وقال الصّمّة القشيري:
أما وجلال الله لو تذكرينني
كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا
فقالت: بلى والله ذكرًا لو انّه ...
يصبّ على صمّ الصفا لتصدّعا
وأكثرهم ينسبون إليه في هذا الشعر قوله:
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت * مزارك من ليلي وشعبا كما معا
وأورد منها أبيات ثم قال:
ومنهم من ينسبها إلى قيس بن ذريح،
وللمجنون أيضا تنسب، والأكثر أنّها للصّمّة.
-----
* ابن عبد ربه، أورد ا��أبيات ضمن قصة، في العقد، جاء فيها:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها * عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
عند ابن عبد ربه الأندلسي، في (العقد):
حضر مسامرة الرشيد ليلة، عبثر المغني،
وكان فصيحًا متأدبًا، وكان مع ذلك
يغني الشّعر بصوت حسن،
فتذاكروا رقة شعر المدنيين،
فأنشد بعض جلسائه أبياتًا
لابن الدمينة،
حيث يقول:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ...
على كبدي من خشية أن تصدّعا
وليست عشيات الحمى برواجع ...
عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ...
عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
فأعجب الرشيد برقة الأبيات،
فقال له عبثر:
يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الشعر مدني رقيق،
قد غذي بماء العقيق، حتى رق وصفا،
فصار أصفى من الهواء،
ولكن إن شاء أمير المؤمنين
أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى،
وأصلب وأقوى، لرجل من أهل البادية.
قال: فإني أشاء.
قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين.
قال: وذلك لك.
فغنى لجرير:
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ...
وشلا بعينك لا يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ...
ماذا لقيت من الهوى ولقينا
راحوا العشيّة روحة مذكورة ...
إن حرن حرنا أو هدين هدينا
فرموا بهنّ سواهما عرض الفلا ...
إن متن متنا أو حيين حيينا
قال: صدقت يا عبثرة!
وخلع عليه وأجازه.
--------
ومن الطرائف، ما جاء في
(جمع الجواهر في الملح والنوادر)،
للحصري القيرواني (ت 453 هـ)،
إذ عنوَنَ بـ:
(إبليس ينادم إبراهيم الموصلي)، ناقلًا
أن إبراهيم الموصلي، قال:
استأذنت الرشيد في أن يهب لي في كل أسبوع يوم��ا، أخلو فيه مع جواري، فأذن لي في يوم الأحد وقال: هو يوم أستثقله؛ فلما كان في بعض الآحاد أتيت الدار، فدخلت وأوصيت الحجاب ألا يأذنوا لأحد علي وأغلقت الأبواب. فما هو إلا أن جلست حتى دخل علي شيخ حسن السمت والهيئة، على رأسه قلنسوة لاطئة، وفي رجله خفان أحمران، وفي يده عكازة مقمعة بفضة، وعليه غلالة سكب. فلما رأيته امتلأت غيظًا، وقلت: ألم آمر الحجاب ألا يأذنوا لأحد، فسلم. فأفكرت، وقلت: لعلهم علموا من الشيخ ظرفًا وهيئة، فأحبوا أن يؤنسوني به في هذا اليوم؛ فلما أمرته بالجلوس جلس، وقال: يا إبراهيم ألا تغنيني صوتًا؟
فامتلأت عليه غيظًا ولم أجد إلى رده سبيلًا؛ لأنه في منزلي، وحملته منه على سوء أدب العامة؛ فأخذت العود وضربت وغنيت ووضعت العود.
فقال لي: لم قطعت هزارك؟
فزادني غيظًا، وقلت لا يسيدني ولا يكنيني ولا يقول: أحسنت! فأخذت العود فغنيت الثانية،
فقال لي: أحسنت، فكدت والله أشق ثيابي، فغنيت تمام الهزار. فقال: أحسنت يا سيدي!
ثم قال: ناولني العود، فوالله لقد استجابه، فوضعه في حجره، ثم جسه من غير أن يكون ضرب بأنملة، فوالله لقد خلت زوال نعمتي في حبسه، ثم ضرب وغنى:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد ...
لقد زادني مسراك وجدًا على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضّحى ...
على فنن غضّ النبات من الرّند
بكيت كما يبكي الوليد ولم أكن ...
جليدًا وأبديت الذي لم أكن أُبدي
وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا ...
يملّ وأنّ النأي يسلي من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا ...
على أن قرب الدار خيرٌ من البعد
فوالله لقد خلت كل شيء في الحضرة يتغنى معه حتى الأبواب والستور، ثم ضرب وغنى:
ألا يا حمامات ��للّوى عدن عودةً ...
فإني إلى أصواتكنّ حزين
فعدن فلما عدن كدن يمتني ...
وكدت بأسراري لهنّ أُبين
دعون بترداد الهدير كأنما ...
شربن حميّا أو بهنّ جنون
فلم تر عيني مثلهنّ حمائمًا ...
بكين ولم تدمع لهنّ عيون
ثم ضرب وغنى:
قفا ودعا نجدًا ومن حلّ بالحمى ...
وقلّ لنجدٍ عندنا أن يودّعا
وأذكر أيام لحمى ثم أنثني ...
على كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا
فليست عشيّات الحمى برواجع ...
إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
وأعذر فيها النفس إن حيل دونها ...
وتأبى إليها النفس إلاّ تطلّعا
فوالله لقد تغنى كل شيء معه بالحضرة، حتى النمارق والوسائد وقميصي الذي على بدني؛
فقال: يا أبا إسحاق!
هذا الغناء الماخوري، تعلمه وعلمه جواريك، ثم وضع العود من حجره وقام إلى الدار فلم أره، فدفعت أبواب الحرم فإذا هي مغلقة؛ فقلت: ويحكن هل سمعتن ما سمعت، أو رأيتن ما رأيت؟ قلن: نعم! سمعنا وأعدن الأصوات علي وقد لقنها؛ فسألت الحجاب عن الرجل؛ فقالوا لي: لم يدخل عليك أحد حتى يخرج، فأمرت بدابتي فأسرجت، فركبت من فوري إلى دار الخليفة واستأذنت؛ فلما رآني قال: ألم تنصرف آنفًا على نية المقام في منزلك والخلوة بأهلك؛ قلت: يا سيدي؛ جئت بغريبة؛ وقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها، فضحك حتى رفع الوسائد برجليه، وقال لي: كان نديمك اليوم أبو مُرَّة،
ددت أنه لوم متعنا بنفسه كما متعك.
----
#تركي_الدخيل
#سياحة_مع_بيت_شعر
مبروك للاهلي وجماهيره دخولهم نادي التحديات من المسؤول 😁 ..
فقبله النادي الأعظم قبل نهائي دوري ابطال اسيا ١٩٨٧م أُخذ مدربه عمر ابو راس للمنتخب و ضم معه ٩ لاعبين للمنتخب ورفض انضمامهم وكل ما حاوله المسؤول كان تأجيل النهائي لكن الاتحاد القاري رفض فاضطر النادي الأعظم للانسحاب وخسارة اول لقب قاري !
في منتصف موسم ٢٠٠٥/٢٠٠٦م أُخذ مدربه باكيتا للمنتخب وهو كان قد حقق ثلاثية الموسم الماضي وتُرك يتخبط وخسر الدوري في ذلك الموسم !
في نفس الموسم تم ضم ٩ لاعبين للمنتخب ورفض انضمامهم جميعاً في دوري ابطال اسيا وسمح بثلاثه منهم فقط وخسر الهلال التأهل !
وقبلها بعام فقط كان قد تم استثناء دوليي منافسه في دو��ي ابطال اسيا من الانضمام للمنتخب لحين الانتهاء من مشاركتهم في تناقض صارخ !!
في موسم ٢٠٠٨/٢٠٠٩
تم طرد مدربه كوزمين وهو على منصة تتويجه كبطل للكأس وفي طريقه للحصول على الدوري في الثلث الاخير من الموسم !
في موسم ٢٠١٨/٢٠١٩م
تم طرد رئيسه سامي الجابر بعد بداية الموسم دون أي سبب وهو من قام بكل التعاقدات من مدرب ولاعبين ورسم استراتيجية الموسم وخسر بعدها الفريق كل بطولات الموسم !
واخيراً وليس آخراً .. تم فرض خروج افضل لاعبيه سعود عبدالحميد تحت شعار مشروع احتراف اللاعبين السعوديين ومازال الفريق الاعظم حتى اليوم يعاني في هذا المركز وصرف عشرات الملايين لهذه الخانة !
هذا غيض من فيض لصدمات وتحديات تلقاها الفريق الاعظم من المسؤول وسط منافسات الموسم.
طُرفه ..
هذه التحديات في عُرف المنافسين تصنف دلال 😂
يوم عرفة هو أفضل الأيام للدعاء؛
لقول النبي ﷺ: "خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وخيرُ ما قُلْتُ أنا والنَّبيُّونَ من قبلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ".
نحمد الله سبحانه وتعالى أن أكرمنا بإتمام صيام شهر رمضان المبارك وقيامه، ونسأل الله أن يديم علينا أمننا واستقرارنا، وأن يحفظ أبطالنا البواسل على الثغور والحدود في مختلف القطاعات العسكرية والمدنية.
وكل عام وأنتم بخير، وبلادنا في عز ورفعة.