عزيزتي الدوحة
لا أكتب إليكِ مجاملة، فهذه ملكة لا أتقنها، ولا تملقًا و بيننا أربعة وعشرون عامًا من الرفقة النبيلة، وقد مضى من العمر أكثر مما بقي.
أكتب إليكِ من قلبٍ وقع في غرامك ببطء منذ أن وطأت قدماي أرضك في ظهيرة حارة من تموز.
كنتِ يومها صغيرة وادعة وملاذاً من صخب المدن. وسرعان ما ألفت روحي سكينتك.
لا تشبه الدوحة غيرها فهي تمنحك شعورًا نادرًا بالفردانية الإنسانية فلا تكون رقماً في زحام بل حالة لوحدك
..أتذكرين طرقاتك التي نمت وتفرعت وامتدت أمام أعيننا تحت ناظري أشجار النخيل تحرس الأيام ؟ طالت الأيام يا غالية وصارت شهورًا وسنوات، ارتفع البنيان وتلوّن، لكن شيئًا أصيلًا في جوهرك لم يغادر .. تلك السكينة التي تسكنك.
أهل البلد حكاية أخرى ، كأنما خُلقوا له وخُلق لهم ..هم في سكون لا تسمع لهم شجاراً أو صراخاً أو ما يؤذيك في كلمة أو نظرة أو حركة
راقون محترمون ، آمنون مؤتمنون ، هنا تنام وباب بيتك مفتوح أو تنسى محفظتك فتعود لتجدها حيث تركتها أو تسبقك إلى الأمانات.
هل أبالغ؟
هذا ما عشته وهذه شهادتي وربع قرن فيصل بين الطبع والتطبّع.
قبل أيام خرج أحد أبنائك يشرح للناس ما تعنيه تنبيهات الإنذار من الخطر. قال لهم: نعلم أن بعضكم قد ينزعج أو يخاف…
أما أنا فأحزن.
هذا الصوت غريب عنك، وهذه الجروح لا تشبه وجهك الجميل الذي تعب أهله طويلًا في إظهاره بأبهى صورة. لا تستحق هذه البلاد إلا الخير والوفاء وصناعة الجمال.
عزيزتي الدوحة،
لقد عشت فيك أكثر من نصف العمر، وكل ابن آدم مفارق يومًا عن طيب أو عن كره ، لكن الروح التي سُكبت في بيوت سكنها وطرقات مشاها وأيام قضاها بين بشر من ألطف وأكرم الناس ، ليست مروراً عابراً في دروب الحياة ..إنها حياة كاملة.
ومن احتويتِه بين ذراعيك لن يتركك في وقت الضيق
عالحلوة وعالمرة معِك .. كوني دوماً بخير 🌹
كثرة الدعاء تعلّق قلبك بالله، وتحسن بها صدق التوكّل، وتصرف نفسك عن الأسباب الدنيوية، لأنك تنتظر أن يدبّر الله أمرك من السماء إلى الأرض، كيف بالدعاء الذي تلحّ به طيلة نهار رمضان وليله، وأنت موعودٌ بالإجابة، اشرح صدرك سيأتي الله بالخير الذي تنتظر، والبشائر التي تتوق لسماعها.
كلما أمسيت تفكّر بتلك النعم التي أمست معك، وأصبحت جزء من روتين حياتك، عافيتك، قوت يومك، راحتك، ركنك الهادئ في منزلك، وجبتك الدافئة، وقهوتك مع من تُحب، مساحتك التي تستطيع بها التفكير والتأمل.
اللهمَّ يا حافظ النعم نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
"ألطاف الله التي كنت تدعو بها، وتنتظر استجابتها، أنت الآن تتنعّم بها غير مدرك لها، فقد لطف بك ولم يبدل عافيتك إلى سقم، ولم يُحِجْك إلى أحد، ومنعك من المحبوب لأنه سيقودك إلى مكروه، وأخّر عنك المطلوب لإعطائك أضعافه، أنت فقط لم تستشعر الألطاف وهي تسري بين جنبيك!"
صباح الخير، وبعد: "كل شيء ينتظر وقته، كل شيء قدّره الله بميعاد، لا وردة تتفتح قبل وقتها ولا شمس تشرق قبل حينها، الذي لك سيأتيك في الوقت المُقدّر له"
• اللهمَّ يا نور السماوات والأرض بلّغنا الخير والسِعة، والنور والجبر❤️.
"أن يجود الله عليك بالعيشة الرضيّة القنوعة المؤنسة، بالأهل الرُّحَماء، بالمحبة السخية، بالرفقة الطيّبة، بالقلوب الحنونة، كلها بمثابة أرزاق وفيرة يحظى بها المرء حتى تصبح حياته أكثر ليونة وسعة"
• رزقنا الله هذه الرحمة، وهذا الحنان❤️
نعمة عظيمة أن تنشغل بنفسك وبما يرتقي بك في دينك ودنياك، وأن يكون سعيك لرضا الله فقط، وأن لا تبحث عن الأضواء الساطعة وتفضّل نور السكينة الدافئ، ولا تبحث عن خفايا الخلق بل تغض البصر عنها، نعمة عظيمة أن تكون حياتك تدور حول ذاتك، وثقتك بالله وحده.
"إذا أراد الله بك خيرًا ؛ ساقه إليك من بين ألف ضيق، حتى تدرك أن رحمته لا تُحجب، وأن ما كُتب لك سيأتيك ولو بعد حين.
فما أراده الله لك لن يرده أحد، وما صرفه عنك كان لطفًا خفيًّا.
كن راضيًا مطمئنًا، فكل ما يحدث لك يحمل في طيّاته خيرًا يُدبّره الله بحكمةٍ لا تراها العيون"
يارب لا تحرمنا نعمة استشعار النعم .. تلك التي تدفعنا للمرور بجانب الأشياء الاعتيادية بتقدير عميق، وقلبٍ شكور، مثل امتداد السماء، اخضرار الشجر، رائحة القهوة، ضحكة أحبابنا، صوت سكينة القرآن في منازلنا، ودفء زواياه❤️.
"يساق الخير بسبلٍ شتَّى لا نعلمها، والنوائب تأتي بالرّضا والجبر بين طيَاتها ولو كان ظاهرها خسران بيّن، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن يحسن الظنَّ ينل من إحسان الله له ما تقر به عينه."
إذا أردت أن يُبارك الله في وقتك، ويُفتَح لك في يومك، قدم القرآن على سائر أشغالك، وأعطه أكبر نصيب من وقتك! فإنه ما جالس عبدٌ كتاب الله إلا وامتلأ قلبه نورًا، وسكنت نفسه، وانشرح صدره، فكلما أكثرت من التلاوة، وداومت على الذكر، رأيت في أعمالك بركة، وفي وقتك سَعة، وفي قلبك طمأنينة.
"أحياناً لا يدرك العبد أن الله يسوقه إلى نجاته في ثوبٍ من المنع، أو في طريقٍ لم يختره.
يُغلَق باب، فيظنّ أنه حُرم، وهو في الحقيقة نُجي.
تتعسّر الأمور، فيظنها ابتلاءً، وهي رحمةٌ تتقدّم عليه بخطواتٍ خفيّة.
فالله – جلّ شأنه – قد يمنع لتُعطى، ويُبْعِد لتُحمى"