"العاقلُ لا يمتحن أهلَه ولا أصدقاءَه بالمواقف، ولا يطالبهم بأمورٍ قد تستخرج منهم خصالًا غير كريمة.
العاقلُ يرحم ضعفَ أحبابه، ويُشفق عليهم، ويجنّبهم مواطنَ الحرج، ويُعينهم على استبقاء صورتهم الجميلة لديه ولدى أنفسهم.
وقد وجدتُ لهذه العبادة آثارًا طيبةً في نفسي وحياتي وعلاقاتي."
صبَاح الخير، وبعد:
(وعسَى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم)
"هذه الآية تهذبني كل يوم، تدرّبني كل يوم على أن أنسى شيء اسمه سخط واستياء، وأن أمر المؤمن كله خير♥️"
ركبت سيارتي هذا #الصباح متجهة إلى العمل، فوقع بصري على علبة العصير التي تركتِها ابنتي شهد صباح زفافها..
لم تكن مجرد علبة..
كان آخر أثر عابر لابنتي قبل أن تصبح عروساً، وآخر تفصيل صغير من أيام اعتدت فيها وجودها دون أن أفكر أن للوجود نهاية مختلفة.!
ما إن رأيتها حتى تداعت في داخلي سنوات كاملة؛ طفلتي الأولى، يدها الصغيرة في يدي، ضحكاتها في المقعد المجاور، أحاديثنا في الطريق، خلافاتنا القصيرة، أسرارها، تعبها، فرحها، وكل المرات التي كانت فيها قريبة إلى درجة أنني لم أتخيل كيف سيكون المكان من دونها..!
تلك العلبة جعلتني أشعر أن الفقد لا يأتي دائماً في صورة رحيل مؤلم..
أحياناً..
يأتي في أجمل المناسبات، مزيناً بالفرح، محاطاً بالتهاني، لكنه يترك في قلب الأم مساحة فارغة لا يراها أحد.
فرحت بزواجها كما لم أفرح من قبل، ودعوت لها من أعماقي أن تبدأ حياتها الجديدة بالحب والسعادة والطمأنينة.
لكن قلبي هذا #الصباح كان يتعلم للمرة الأولى أن يحبها من بعيد، وأن يراها في الأشياء التي تركتِها خلفها.
أردت أن أرفع العلبة، ثم ترددت..
شعرت أنني حين أرفعها سأغلق آخر مشهد من صباح زفافها، وسأعترف أن ابنتي التي كانت تركب إلى جواري صار لها طريق آخر، وبيت آخر، وحياة تنتظرها.
كوني سعيدة يا ابنتي، فهذه أمنية عمري.
عيشي حبك، واصنعي ذكرياتك، واملئي بيتك بالدفء الذي ملأتِ به بيتنا..
ولا تقلقي على أمك.. ستشتاق، وستبكي أحياناً من أشياء لا تبدو جديرة بالبكاء، لكنها ستظل أسعد الناس لأنك سعيدة.
أما علبة العصير تلك… فلم تكن مجرد علبة.
كان عمراً مضى، وحباً بقي، وذكريات تداعت دفعة واحدة في قلب أم رأت ابنتها تكبر وتغادر المقعد المجاور، من دون أن تغادر قلبها أبدا.❤️
أبكي الآن على يدي الفارغة، وعلى قلبي أيضًا
وأتساءل كيف يركض الإنسان كل هذا العمر ويقاتل ويصبر، ويؤمن ثم يصل في النهاية فلا يجد في يديه شيئًا؟ كيف يمكن لسنواتٍ كاملة أن تمضي، ولا يبقى منها سوى الخراب؟ ليكتشف المرء في النهاية أنه لم يخسر شيئًا واحدًا فحسب، بل خسر نفسه وعمرًا كاملًا