فخ تسليم السلاح.. مناورة ام استدراج؟!
موافقة حماس على ورقة ملادينوف تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الواقع الفلسطيني، من دون أن تفضي بالضرورة إلى نهايات قريبة في غزة. فما ظهر حتى الآن، هو صيغة تفاوضية تحاول معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها إدارة غزة ومستقبل سلاح المقاومة، مع بقاء الخلاف قائما حول النهاية التي ستقود إليها هذه العملية.
البند الثامن في الورقة الخاص بسلاح المقاومة في غزة، يستخدم مفهوم تخزين وحصر السلاح الثقيل والمنشآت العسكرية والانفاق تحت إدارة اللجنة الإدارية الفلسطينية، وضمن مسار متدرج، يبدأ مع دخول اللجنة ومباشرة مهامها وانتشار ما يسمى بقوة الاستقرار الدولية، على ان تربط مراحل عملية حصر السلاح بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المناطق المحتلة في غزة. ولا تنتهي العملية – بحسب النص - الا بإيجاد مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وقيام الدولة الفلسطينية!!
في خلفية الصورة، يمكن فهم موافقة حماس على مضمون الورقة في إطار الوظيفة التي يمكن ان تؤديها هذه الخطوة داخل اللحظة السياسية الراهنة. إذ يبدو أن هناك إدراكا لدى الجميع لحاجة نتنياهو إلى إبقاء غزة ساحة مفتوحة أمام العمليات العسكرية والاغتيالات والتوسع الميداني، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وضيق هامش حركته في إيران ولبنان، على الأقل حتى الآن. فهذه المرونة قد تسحب من إسرائيل ذريعة الرفض المطلق، أو تنقل في الحد الأدنى، مسؤولية تعطيل المسار إلى الجانب الإسرائيلي. كما قد تمنح الوسطاء هامش للضغط لتطبيق الصيغة التي ساهموا في إنتاجها.
غير أن هذه المناورة فيها مخاطرة حقيقية، فالموافقة على الدخول في هذا المسار المفتوح من بوابة سلاح المقاومة، وخصوصاً ان الامر يتجاوز مسألة حصر السلاح الثقيل الى فكرة السلاح بمفهومه السياسي الواسع، يعني انتزاع التزام يتعلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وحتى من دون أن يقابله انسحاب إسرائيلي فعلي أو وقف للعدوان، خصوصا أن هذا الأمر سيبقى خاضعا للتفسير والتقييم الأمني اللذين تملك إسرائيل نفوذا واسعا عليهما. وقد يجري لاحقاً استدراج الفصائل إلى دوامة من التفاصيل بهدف إعادة صياغة الاتفاق من داخله، انطلاقا مما انتهت إليه الورقة.
من جهتها، تتعامل الولايات المتحدة وما يسمى مجلس السلام مع بنود الورق�� باعتبارها طريقاً سيؤدي إلى ابعاد حماس عن حكم غزة، والنزع الكامل لسلاح فصائل المقاومة وافراغه من مضمونه السياسي، وهذا ما اشارت اليه تصريحات ترامب، فهو كعادته يعبر عما يريد له ان يكون بمعزل عن النصوص وتفاصيلها.
أما إسرائيل، فحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يوجد اية مؤشرات تفيد بانها قد تغير موقفها، إذ تصر على تجريد كامل للقطاع من السلاح، قبل الحديث عن وقف العدوان او الانسحاب او الاعمار. وهذا يعني أن الأطراف تلتقي نسبيا عند مدخل العملية، بينما تتباعد تصوراتها بشأن مخرجاتها النهائية.
ومن المعلوم أن المصلحة الانتخابية لنتنياهو تكمن في تجنب إنجاز تسوية قبل الانتخابات قد يترتب عليها جدول للانسحاب، أو قيود تحد من حرية عمله العسكري في القطاع. فهو معني في هذه الفترة بمواصلة القصف والاغتيالات وتوسيع رقعة سيطرته على الأرض. لذلك ستظل غزة الساحة الأكثر قابلية للتصعيد كلما اقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية، خصوصا إذا بقيت جبهتا إيران ولبنان مقيدتين بالحسابات الأميركية، ومن غير المستبعد أن يدفع ذلك ترامب إلى منح نتنياهو هامشا أوسع في القطاع، مقابل ضبط التصعيد على هاتين الجبهتين.
مع ذلك يبدو اننا امام انعطافه حاسمة لها ما بعدها، صحيح ان التنفيذ سيبقى معلقاً على نوايا إسرائيل والولايات المتحدة، ومدى جديتهما، وما إذا كانت هناك فعلا ضمانات حقيقية وآليات للتحقق كما تشير الورقة، خصوصا في ملفي الانسحاب ووقف الاغتيالات، لكن مجرد انتزاع إقرار سياسي بما يخص السلاح، سيكون له تداعيات على أي تصور لاحق..
يبقى السؤال هل ستفضي هذه العملية الى فتح كوة في الجدار تمهد لإنهاء حقيقي لحرب الإبادة في غزة؟ أم أنها ستعيدنا إلى المربع الأول، في انتظار ما ستؤول إليه الحرب المشتعلة في الإقليم؟
هل يكفي الرثاء بعد ألف يوم من الإبادة في غزة؟ هل ينفع ألف رثاء، أو مليون رثاء، لشعب يقف على حد السكين، بلا ماء يكفي لغسل الدم، ولا خبز يطوي الجوع، ولا ليل يمر بلا فزع؟
إلى متى سيبقى الناس يقصفون ثم يخرجون من بين الركام؟ هل كتب عليهم أن يظلوا يمسحون الغبار عن وجوههم، وينادون أسماء من يحبون، ثم يكملون الطريق بما بقي لهم من متاع ؟
ألف يوم، والعالم يراقب. منهم من يبرر، ومنهم من يساوي بين السكين وحبل الوريد، ومنهم من يرسل كلمات ناعمة لا تسمن ولا تغني من جوع.
غزة لا تحتاج إلى رثائكم. غزة تريد أن توقفوا المذبحة. تريد سماء بلا طائرات ولا حصار، ومدرسة خارج الخيام، و��يتا له جدار يسند ظهر ساكنيه، وبابا ونافذة، وقليلا من سكينة.
غزة لا تريد ان تنسوا أسماءها، ولا ان تسلموا مفاتيحها. غزة تحاول عبثا فهل من ضمير؟!.
ابن صفورية يقرأ اتفاق واشنطن https://t.co/345GX5bL1Oابن-صفورية-يقرأ-اتفاق-واشنطن
أنا فلسطيني لاجئ في لبنان. جدي لم يغادر إلى لبنان في نزهة عائلية ثم ضل طريق العودة. جدي طردته العصابات الصهيونية من قرية صفورية الفلسطينية عام 1948، وطردت معه مئات الآلاف من أبناء شعبي الذين أصبحوا لاجئين في لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة ومخيمات ومنافي الأرض. أقول ذلك لأن البعض قد يكون نسي أن هناك بلداً اسمه فلسطين، اقتلع شعبه من أرضه بالقوة، ومسحت قراه ومدنه وسرقت بيوته، ولم يتبقَّ منها سوى مفاتيح في أيدي أصحابها، تتوارثها الأجيال شاهدة على الجريمة.
من هذه النقطة أقرأ ما يسمى اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل. أقرأه من زاوية الفلسطيني الذي ولد في لبنان وهو يعرف أن له بيتاً في صفورية لا يستطيع الوصول إليه لأن العالم قرر أن اللص أصبح «دولة محترمة»، لها حدود وسفارات وحق في الأمن. لذلك لا أستطيع أن أمر على عبارة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والسلام مروراً عابراً، لأن هذه العبارة، قبل أن تمر فوق جنوب لبنان المحتل وفوق الدماء الطرية التي لم تج��ّ بعد، تمر قبل ذلك فوق رقبة اللاجئ الفلسطيني، وفوق صفورية وحيفا ويافا واللد والرملة وعكا والقدس، وفوق أسماء القرى والمدن الأخرى التي حاولوا شطبها من الخريطة وبقيت محفورة في صدور الفلسطينيين.
الذاهبون إلى واشنطن يقولون إنهم يبحثون عن وقف العدوان، وعن عودة أهل الجنوب إلى بيوتهم، وعن الإعمار والسيادة واستعادة قرار الدولة. من يعترض على ذلك؟ ومن هو الذي يريد لأهل الجنوب أن يبقوا تحت النار؟ ومن هو المجنون الذي يستخف بقلق الناس على أولادهم وبيوتهم وحقولهم وأرزاقهم؟ لكن المسألة ليست هنا. لبنان، وهو يبحث عن النجاة من العدوان، لا يملك أن يمنح إسرائيل شهادة براءة من أصل الجريمة، ولا أن يقول لها إن لك حقاً في الوجود فوق أرض فلسطين، كما لا يملك أي عربي ولا أي سلطة ولا أي مؤتمر ولا أي مبادرة، أن يسقط حق شعب اقتلع من وطنه.
هذه الورقة، في منطقها الداخلي ومنطق الجهة التي تريد أخذ لبنان إليها، معروفة لنا جيداً نحن الفلسطينيون. منطق بدأ من مدريد، وتكرس في أوسلو، ثم لبس أسماء كثيرة، خارطة طريق ومبادرة عربية ودولة مؤقتة، وحل الدولتين ومناطق مصنفة وتنسيق أمني وإصلاحات وتغيير مناهج... في كل مرة كانوا يقولون لنا إن هذه مرحلة على طريق الدولة، وإن التنازل الصغير يفتح الباب للحل، فإذا بنا نكتشف أن الدولة الموعودة كانت قبراً وسراباً نجري خلفه ولا ندركه.
أوسلو كانت انتقالاً في مركز السؤال الفلسطيني من منطق التحرير إلى منطق الاعتراف، وتحولاً في جوهر القضية التاريخية، من قضية شعب اقتلع من وطنه إلى برنامج سلطة محاصرة في كانتونات تنتظر تصريحاً من الاحتلال لتمارس حقها في الحياة. منذ تلك اللحظة لم يعد الخلاف الفلسطيني خلافاً عل�� البرامج والوسائل فقط، بل صار انقساماً حول معنى فلسطين نفسها.
هذا هو الدرس الذي لا يريدون للبنانيين أن يروه. إذا كان الشعب الفلسطيني المحتل والمنكوب قد دخل في هذا الانقسام العميق يوم ذهب جزء من قيادته إلى مسار يعاكس معنى المقاومة، فكيف سيكون الحال في لبنان، البلد المثقل أصلاً بالطوائف والمحاور وذاكرة الحرب والخوف من الآخر وتدخلات الخارج وتعريفات السيادة المتنازعة؟ كيف يمكن لعاقل أن يصدق أن ورقة أميركية تقر بأن المقاومة هي المشكلة، وتصور إسرائيل كضحية تحتاج إلى تطمين، سينتج عنها دولة لبنانية أكثر تماسكاً وسيادة؟ هذا كلام لا يصمد أمام تجربة فلسطين ولا أمام تجارب التاريخ.
المسار الذي كان يمكن أن يسلكه لبنان كان في متناول اليد.
لمتابعة القراءة: