في طوق الحمامة قال ابن حزمٍ كلاما بديعا يصف فيه سلطان الحب على النّاس: "ولقد وطئتُ بساطَ الخلفاء، وشاهدتُ محاضر الملوك، فما رأيتُ هيبةً تعدلُ هيبةَ محبِّ لمحبوبه؛ ورأيتُ تمكن المُتَغلّبين على الرؤساء وتحكّم الوزراء، وانبساطَ مدبِّري الدول، فما رأيتَ أشدَّ تبجُّحًا ولا أعظم سرورًا بما هو فيه من مُحِبِّ أيقنَ أن قلبَ محبوبِه عنده ووثقَ بميلِه إليه، وصحّة مودّته له؛ وحضرتُ مقام المُعتذرين بين أيدي السَّلاطينِ، ومواقف المُتّهَمين بعظيمِ الذُّنوبِ مع المتمرّدين الطّاغين، فما رأيتُ أذلَّ من موقفِ محُبٍّ هَيمان بين يدي محبوبٍ غضبان، قد غَمره السَّخط وغلب عليه الجفاء"
بين تساؤل رامي صبري:
طب ليه بتبني الذكريات لما الفراق هيهد بينا
ليه خليتنا نحلم والأمل لمع عيونا؟
قديمًا تسائل گلكامش:
إذا كان المستحيل يجب أن لا يُرتاد
فلماذا أيقظت في قلبي الرغبة التواقة اليه؟
الفلسطيني الملتحي ذو الطاقية البيضاء هو الشيخ فاروق رمضان، انتزع السلاح من يد الصهيوني فقتله وأصاب رفاقه ومات شهيدًا مقبلًا غير مدبر. تعجز الكلمات عن وصف هكذا بطولة. اللهم تقبّله عندك في علّيين🌷
سيشغلونكم ببائع الخبز، وبائع اللحم، وبائع الدقيق، وبائع الزيت؛ حتى تنسوا بائع الوطن، وتصفّقوا لبائع الصواريخ، وهو يعدّ أرباحه من دمكم وقوت يومكم وعلى أنقاض أوطانكم، فيربح هو بعد أن تخسروا أنتم كل شيء ..
«قُل للحوادثِ أقدِمِي أو أحجِمي
إنَّا بَنُو الإقدَامِ والإحجَامِ
نحنُ النِّيامُ إذا الليالِي سَالمت
فإذا وثَبْنَ فنحنُ غَيرُ نِـيامِ»
لله درك يا شيخ فاروق
اعتداءات المستوطنين متكررة، لكن الشيخ فاروق رمضان رفض الذل، فانتزع سلاح أحدهم واشتبك معهم وقتل اثنين وأصاب آخرين قبل أن يستشهد. سيبقى في هذه الأرض من يؤمن أن الكرامة تُنتزع ولا تُوهب.
كل ما يشغل بالي، في المشاهدة العشرين للمشهد، فيمَ كان يفكر فاروق حينها؟ كيف يستطيع المرء أن يحسم قراراته، ويتم حساباته، في جزء من الثانية؟ والمعادلة واضحة، رجل محاصر بين قطيع من الخنانيص وضباط مدججين بالسلاح، إن سكت يكاد يسلم وإن استبسل انتهى كل شيء، وأولها حياته.
..
لكن القرار كأنما "مؤتمَت" مسبقًا، تلك وقفة عز، وميتة عز، ومضي إلى الله على عجل، في موقف شرف، يحب المؤمن المجاهد أن يبعث عليه وليس بشيء أعلى وأجلّ! استنقذ الشيخ فاروق عدنان رمضان البندقية من المستوطن الإسرائيلي، وقتل وأصاب، حتى أرسل جنديا وضابطا إسرائيليين إلى جهنم في جزء من الثانية!
..
والشيخ؟ الليث الهمام القسورة، الغضنفر الحسام المهند، استشهد في اللحظة ذاتها، ومعه ثلاثة من إخوته وأبناء عمومته، ودار رمضان مفتوحة اليوم على مصراعيها، تستقبل المهنئين والمعزين في آن واحد؛ عزاء فلسطين فيهم، وتهنئة فلسطين بهم.
..
الضفة تتكلم، نابلس تقول كلمتها، وجنين تتحدث من خلف ألف عصابة وكمامة وجنزير على عينيها وفمها، الضفة تغلي كأزيز مرجل، والنار من تحت الرماد أحمى من النار من فوق الحطب، والبواسل يضمون إلى الله، كالشيخ فاروق، عمريّين بين حق وباطل!
اضرب فداك أبي وامي
اضرب وأحل جسوم المجرمين تراب.
كان بإمكانه أن يساير ويداهن الجنود فيسلم
ولكن شهامته أبت عليه الذلة،وكانت روحه
أرخص عليه من أن يلطخ المرجمين كرامته.
كنتُ جالسة ذات مرة في مجلس نساء، وكانت معنا امرأة لديها أحد عشر من الأبناء ذكور وإناث. ساد الصمت في المجلس قليلًا فالتفتت نحوي وسألتني ذلك السؤال الذي يُلقى كثيرًا لملء أي فراغ في الحديث:
- ما ودّك تجيبين الثالث؟
وجاءها ردّي بسرعة البرق: لا والله، ما ودّي.
فجاء ردّها أسرع: ليه؟
صمتُّ لحظة. فكرت هل أشرح لها خططنا أنا وزوجي ونمط حياتنا وتطلعاتنا للمستقبل؟ ثم قلت في نفسي لماذا أعطيها تقارير ودراسة جدوى؟ ما علاقتها بذلك؟ فاكتفيتُ بالقول أنني وزوجي اكتفينا بسلطان وديم.
حينها انفلتت بسرد منافع كثرة الأبناء، وكيف سيتهافتون على خدمتنا إذا ضعفت قوانا وخرّفنا مع تقدم العمر، مع استعراض فكرة أن البرّ معادلة رياضية: إذا قصّر واحد أو اثنان، تكفّل البقية بسدّ النقص. وأن الـ……
تركتها تتكلم على راحتها دون مقاطعة. ثمّة هُراء مجتمعي متغلغل في النسيج الفكري والثقافي لا ينفع معه الأخذ والردّ، هراء تعلّمت أن أقابله بوجه مبتسم، وأتحاشى الصدام معه كما أتحاشى راعي الكامري في الشارع، أسمح له بالمرور دون أن أعترضه، ثم أمضي في حياتي بقناعاتي. كذا ببساطة.
وتعلّمت ألّا أحوّل المجالس إلى ساحة مناظرة، فالكثير من القناعات ليست ناتجة عن حجة حتى تُغيَّر بحجة، وإنما هي ميراث ثقافي يتناقله الناس جيلًا بعد جيل وهذه لا يمكن للفرد وحده أن يقتلع جذورها.
لكنها فاجأتني حين قالت: وبما أن بنتك كبرت بتكون التجربة أسهل.
سألتها مستغربة: كيف أسهل؟
فقالت: الكبير يربّي الصغير. تتعبين مع أول اثنين بس.
توقفتُ عند الكلمة: "يربّي".
وأول ما خطر في ذهني فيلم "كفرناحوم". صحيح أن الظروف مختلفة لكن الفكرة واحدة: أن يُحمَّل طفل مسؤوليات لا تناسب عمره.
لماذا تربي ديم -طفلة بلغت لتوها ١١ عامًا- طفلًا آخر؟ في علم النفس يعرف هذا المفهوم بالوالديّة، وهو أن يُدفع الطفل إلى أداء أدوار ومسؤوليات يفترض أن يتحملها الوالدان، فيصبح راعيًا قبل أن يُمنح فرصة كاملة ليكون طفلًا.
ثم لماذا أتخفّف أنا كأم مع طفل جديد من أعباء ومسؤوليات مستحقّة تحمّلتها مع أشقائه من قبله؟ هل هذا عادل له؟
كلما ظننتُ أنني أدركت أبعاد الأخطاء التربوية كشف لي الواقع بُعدًا جديدًا منها، وأن كثيرًا من مبرّرات التوسّع في الإنجاب تُفضي إلى ممارسات تربوية مؤذية.
تغيروا وكأن الوصل ما كانا وكيف يغتال عهد القرب ما كانا
تبدلت في سماء الود أسطرنا وصار نور الصفا للصد بركانا
أين العهود التي كنا نعيش بها عيش الكرام وكان الحب إيمانا
يا رب قلب رأينا فيه مسكننا إذا به اليوم يبني اليوم حيزانا
ما عاد يروي ظمأنا وددهم أبدا ولا التلاقي شفى من جرح دنيانا
تبدلت وجهة الأيام في نظري واستوطن الحزن في ليل تعشانا
فلا تعاتب من استغنى بغفلته فالقلب إن ود لا يشتاق من خانا…