أمس قاعد مع أصحابي وبنتونس، قمنا فتحنا سيرة الأيام والناس، قام واحد من الشباب قال لينا: "يا جماعة، العيد ده ما نعيد على جعفر صاحبنا في المصحة؟ والله مقصرين معاهو شديد والزيارة بتفرق معاهو".
جعفر ده يا أخوانا كان زمان صاحبنا، زول قيافة كده وظريف وانيق ومهذب وناجح في قرايتو من الأساس لغاية الجامعة، ودايماً الأول على رأس دفعته. الدنيا قلبت عليه فجأة كده ودخل ليه في مشاكل نفسية لخبطت عليه حياته كلها.
أهله ما خلوا ليهم شيخ ولا معالج ولا دكتور، وفي الآخر انتهى بيه المطاف جوه المصحة النفسية. في ناس بتقول "أصابته العين" وناس بتقول كان بيحب بت أهله واتزوجت ليها واحد مغترب.. الحقيقة وين؟ الله وحده العالم.
المهم، جهزنا لينا بسكويت وكعك وقلنا نمشي نعيد عليه ونفرح المرضى المعاه ديل ونوزع ليهم المخبوزات دي، عسى ولعل ندخل السرور في نفوسهم التعبانة دي.
أنا في الأول اترددت، وقلت ليهم يا أخوانا أنا زول قلبي رهيف وما بقدر أشوف جعفر "صحبي الزمان" وهو في الحالة دي، لكن في الآخر مشيت معاهم.
دخلنا المصحة، وحسيت إني دخلت عالم تاني خالص، ناس عايشة بره دنيتنا دي، في ملكوت براهم. لقينا جعفر قاعد ليه في ركن، مشينا عليه وسلمنا عليه، وهو مبتسم وبعاين لينا، ولا نطق بكلمة واحدة، صمت غريب كأنه الكلام بقى صعب عليه.
أديناه الكعك ووزعنا للباقيين، وسألنا المشرف عن صحته، قال لينا: "هو كويس، بس مرات بتجيه نوبات وبيهدأ بالعلاج، وأتمنى ما تكتروا معاه الكلام".
طلعنا من المصحة ونحن كلنا الحزن ساكن في عيونا. كانت زيارة قصيرة، لكنها أعادت ترتيب أولوياتنا. تركنا جعفر لصمته، وتركنا له كعك العيد، لكننا أخذنا معنا يقيناً بأن الصداقة الحقيقية هي ألا نترك يد صاحبنا حين تضل روحه الطريق.
رحماك يا الله بكل محبوسٍ خلف وجعه، وعوضاً جميلاً لكل من فقد أغلى ما يملك.