“وكذلك جعلنا لكل نبي .. عدوا”
هي ربتة ربانية علي قلبك، تخبرك أن اطمئن، فإن العداوات قانون رباني وسنة كونية لا تتخلف .. لا علاقة سببية أصيلة لها بصفاتك أو شخصيتك أو أفعالك، ولا ارتباط بينها وبين جميلك أو قبيحك. فإن أشد الناس نقاءً لم تخل حياتهم من مبغضين وكارهين حد العداوة، وأكثر نفوس العالمين صفوًا لم تسلم من رفض وصراع ومناوءة ! فتصالح مع القاعدة، وارض بالواقع، ولا تخرجن من عداوتهم بحماقة أن تساعدهم في تعكير سلامك حين تستمد من العداوة قدحًا ذاتيًا في بصيرتك بنفسك! حين نفسك وفعلك موضع التساؤل نتاجًا لعداوة، فتردد بين المضي والانسحاب، وتصنع من نفسك جلادًا آخر وانت تقف في حفرة الرجم! تصالح مع وجود هذا الرافض لوجودك بين حين وآخر، فلم تكن لتسلم من ذلك مهما فنت طاقاتك في المحاولة ! فكف عن محاولة ارضاء الجموع بالتلون حينًا والتخفي حينًا والمداهنة حينًا والمفاوضة على كينونتك حينًا.
لن يسلم أحد من عدوٍ؛ مهما بذل وسعه، سيبقى لك دومًا نصيبٌ من مبغض تؤرقه كل خطوة تخطوها وكل أرض تطؤها وكل جميل ينالك. سيبقي دومًا هناك من يشكك في أغراضك، ويحكم علي قلبك، ويقيم من نفسه معيارًا يزيح عنك كل خيرية ويحط عنك كل قيمة.
تصالح مع هذا القانون، وكف عن انتحاب رافض لتلك السنة الكونية التي لا انفكاك عنها.
قد سمحت السماء لقانون (نصيب العداوة) أن يسري على الأنبياء؛ فوصموا بالجنون وتشوهات النفوس وفساد العقل، واتهموا بالشعوذة والسحر، وشككت في أغراضهم فقيل بابتغائهم محض الملك والسيادة والمنزلة، ووصفوا بالنزق والذل والدونية، وطعن في أعراضهم وشرفهم ونسائهم، بل اغتيبوا في محض ذكورتهم! أما ترانا نجد أنفسنا أحيانًا أرقي وأعصم من ان نصاب بمعشاره، ونحن لا نحمل قدر نقاء قلوبهم أو بهاء رسالاتهم وغاياتهم.
.
لذا كف عن البحث عن أسباب للعداوة حين يعييك فهمها، وتوقف عن التنقيب عن علة، فعلي وجه الحقيقة أحيانًا لا أسباب ولا علل ، هو فقط الإنسان. وكف عن اهراق الطاقة في البحث عن حلول ومخارج واسترضاء وهدنة وتفاوض.. ومحاولات إثبات! فأحيانًا لن يرضوا قط .. فإن منحتهم تنازلًا عن بعضك .. لامتدت طلباتهم إلي ما بقي منك، ولو تلونت بما يكفي ليقنعوا ويكفوا مقتهم، لتصيدوا منك هفوة فجعلوها تعريفا لك، ولو قررت أحيانًا أن تصلح ما بينك وبينهم لعمدوا لأسلحة التأويل والقلب لكل حركة وسكنة منك، لتنقلب ضدك! فكف عن العبث، فأحيانًا لا شيء أكثر لتفعله سوى القبول والتواضع لقانون العداوة الكوني، وتستقبل نصيبك منه بشجاعة! وأن تكون أنت أنت.
كافًا عن تسول المزيد من تمام القبول الجمعي، والشحاذة المفرطة لإعجاب الكل، وتتبع رضاهم، واقتفاء إيجابهم. كف عن محاولة تحسين تصوراتهم عنك، واسمح للقوم أن يفكروا فيك كيفما شاؤوا، ويضفوا على صورتك في عقولهم ما أرادوا من رتوش ولوثات.
كفّ عن التحليل والاستنكار، وتجرع حظك من الكراهية.. فلست بدعًا من الأمر!