بين قاعدة ما يجب تعلمه من النجوم وبين قاعدة ما لا يجب
ظاهر كلام أصحابنا أن التوجه للكعبة لا يسوغ فيه التقليد مع القدرة على الاجتهاد، ونصوا على أن القادر على التعلم يجب عليه التعلم ولا يجوز له التقليد، ومعظم أدلة القبلة في النجوم؛ فيجب تعلم ما تُعلم به القبلة كالفرقدين والجدي وما يجري مجراها في معرفة القبلة، وظاهر كلامهم أن تعلم هذا القسم فرض عين على كل أحد.
وقال ابن رشد: يُتعلم من أحكام النجوم ما يُستدل به على القبلة، وأجزاء الليل وما مضى منه، وما يُهتدى به في ظلمات البر والبحر، وتُعرف مواضعها من الفلك وأوقات طلوعها وغروبها؛ وهو مستحب لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
قلتُ: ومقتضى القواعد أن يكون ما يُعرف به منها أوقات الصلاة فرضًا على الكفاية؛ لجواز التقليد في الأوقات.
قال صاحب الطراز: يجوز التقليد في أوقات الصلاة إلا الزوال؛ فإنه ضروري يستغني فيه عن التقليد، فلذلك لم يكن فرضًا على الأعيان، ومن جهة أن معرفة الأوقات واجبة يكون ما تُعرف به الأوقات فرض كفاية، ويكون موطن الاستحباب هو ما يُعين على الأسفار ويُخرج من ظلمات البر والبحر.
قال ابن رشد: وأما ما يقتضي إلى معرفة نقصان الشهر ووقت رؤية الهلال فمكروه؛ لأنه لا يُعتمد عليه في الشرع فهو اشتغال بغير مفيد.
قال: وكذلك ما تُعرف به الكسوفات مكروه؛ لأنه لا يُغني شيئًا ويوهم العامّة أنه يعلم الغيب بالحساب، فيُزجر عن الإخبار بذلك ويُؤدَّب عليه.
قال: وأما ما يُخبر به المنجّم من الغيب من نزول الأمطار أو غيره فقيل: ذلك كفر يُقتل بغير استتابة؛ لقوله ﷺ: «قال الله تبارك وتعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي؛ فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».
وقيل: يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل؛ قاله أشهب.
وقيل: يُزجر عن ذلك ويُؤدَّب، وليس اختلافًا في قول بل اختلاف في حال؛ فإن قال: إن الكواكب مستقلة بالتأثير قُتل ولم يُستتب إن كان يُسرّه؛ لأنه زنديق، وإن أظهره فهو مرتد يستتاب، وإن اعتقد أن الله تعالى هو الفاعل عندها زُجر عن الاعتقاد الكاذب؛ لأنه بدعة تُسقط العدالة ولا يحل لمسلم تصديقه.
قال: والذي ينبغي أن يُعتقد فيما يصيبون فيه أن ذلك على وجه الغالب نحو قوله ﷺ: «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة».
فهذا تلخيص قاعدة ما يجب ويحرم من تعلم أحكام النجوم.
[أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي، طبعة دار السلام، الأولى، ص1403-1404].
«إن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة تكفيرهم بها، كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو زير الماء أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع، ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينهما وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل؛ لأنهم جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء حصول الآثار عند العقاقير لخواص طبائع تلك العقاقير.
وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها؛ لأنها ليست من كسبهم، ولا كفر بغير مكتسب، وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى فقد أخطأوا؛ لأنها لا تفعل ذلك، ولا ربط الله تعالى بها ذلك، وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد، فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب خطأ كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال، وأما تكفيره بذلك فلا.
وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك أو الشياطين بقدرتها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض علماء الشافعية: هذا مذهب المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى، فكما لا يكفر المعتزلة بذلك لا يكفر هؤلاء، ومنهم من فرق بأن الكواكب مظنة العبادة، فإذا انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرًا.
وأجيب عن هذا الفرق بأن تأثير الحيوانات في القتل والضر والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغيرهم، وأما كون المشتري أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة إنما هو حرز وتخمين من المنجمين لا صحة له، وقد عُبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هذه الشائبة مشتركة بين الكواكب وغيرها فهو موضع نظر، والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى، فهذا مذهب الصابئة وهو كفر صريح، لا سيما إن صرح بنفي ما عداها».
[أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي، طبعة دار السلام، الأولى، ص1300-1301].
«واستشكل بعض العلماء الفرق بين السجود للشجرة، والسجود للوالد في أن الأول كفر دون الثاني، وإن كان الساجد في الحالتين معتقدًا ما يجب لله تعالى وما يستحيل وما يجوز عليه، وإنما أراد التشريك في السجود وهو يعتقد بذلك التقرب إلى الله تعالى كما يعتقده الساجد للوالد، وقد قالت عبدة الأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾، مع أن القاعدة أن الفرق بين الكفر والكبيرة إنما هو بعِظَم المفسدة وصِغَرها لاشتراك الجميع في المفسدة والنهي والتحريم، وما بين هاتين الصورتين من المفسدة التي نعلمها ما يقتضي الكفر في إحداهما دون الأخرى.
وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا له، ولم يكن قبلة على أحد القولين، بل هو المقصود بالتعظيم بذلك السجود، ولم يقل أحد إن الله تعالى أمر هنالك بما نهى عنه من الكفر، ولا أنه أباح الكفر لأجل آدم عليه السلام، ولا أن السجود لآدم مفسدة تقتضي كفرًا لو فُعل من غير أمر ربه، ولا يمكن أن يقال: إن الأمر والنهي سببا المفاسد والمصالح؛ فإن نهى عن السجود كان مفسدة، وإن أمر به كان مصلحة؛ لأن هذا يلزم منه الدور؛ لأن المفسدة تكون حينئذ تابعة للنهي مع أن النهي يتبع المفسدة، فيكون كل واحد منهما تابعًا لصاحبه فيلزم الدور، بل الحق أن المفسدة يتبعها النهي، وما لا مفسدة فيه لا يكون منهيًّا عنه.
واستقراء الشرائع يدل على ذلك؛ فإن السرقة لما كان فيها ضياع المال نُهي عنها، ولما كان في القتل فوات الحياة نُهي عنه، ولما كان في الزنا مفسدة اختلاط الأنساب نُهي عنه، ولما كان في الخمر ذهاب العقول نُهي عنه، فلا جرم لما صار الخمر خلًّا ذهب عنه النهي، ولما كان عصيرًا لا يفسد العقل لم يكن منهيًّا عنه، فالاستقراء دلّ على أن المفاسد والمصالح سابقة على الأوامر والنواهي، والثواب والعقاب تابع للأوامر والنواهي؛ فما فيه مفسدة يُنهى عنه فإذا فُعل حصل العقاب، وما فيه مصلحة أُمر به فإذا فُعل حصل الثواب.
فالثواب والعقاب في [المرتبة] الثالثة، والنهي والأمر في الرتبة الثانية، والمفسدة والمصلحة في الرتبة الأولى؛ فلو عُلّل الأمر والنهي بالثواب والعقاب لزم تقدّم الشيء على نفسه برتبتين، ولذلك يقول الأغبياء من الطلبة: مصلحة هذا الأمر أنه يُثاب عليه، فيعللون بالثواب والعقاب وهو غلط».
[أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي، طبعة دار السلام، الأولى، ص1308].