في "الجمهورية" اليوم:
1920: حين وُلد لبنان على عيب خَلْقي
روبير دو كيه لم يكن يحبّنا.. لكنه كان محقاً
طلال عسّاف
———
لبنان الصغير، المحدود الموارد، المتجانس نسبياً، الموصول بباريس عاطفةً وثقافةً وكنيسةً، أسهل إدارةً وأوثق ولاءً وأقل كلفةً. أمّا لبنان الكبير، بامتداداته السنّية إلى دمشق وشيعته إلى جبل عامل ودروزه إلى حوران، فهو كيانٌ ذو جاذبية اتجاهات، أشدّ مراساً وتَصعُب قيادته.
لم يكن دو كيه يرسم حدود دولة مسيحية، بل يرسم حدود نفوذ فرنسي. كان المسيحيّون في حسابه أداةً لا غاية، ضماناً لا وصيّةً. وحين رفض الحويّك نصيحته، لم يُعاند دو كيه كثيراً، ولم تُعاند فرنسا أكثر. لم تبغِ في الأصل إنشاء كيان مسيحي منفصل داخل المشرق العربي، سيُعرّض حُكماً مصالحها لخطر عداء الغالبية المسلمة.
——
آثرت المسيحية السياسية، في معظمها وعلى امتداد عقود، أن تتذكر فرنسا بوصفها أمّاً حانية لا بوصفها قوّة انتداب احتسبت مصالحها بدقة. كلّف هذا الالتباس التاريخي غالياً. كلّف في لحظة 1943، حين اعتُقد أنّ الاستقلال كافٍ ولا يحتاج إلى مراجعة البُنية. وكلّف في لحظة 1958 حين طُلب التدخُّل الأميركي عوضاً عن إعادة التفاوض الداخلي. وكلّف في الحرب الأهلية حين استُبدل بالفرنسي فلسطيني وسوري وإسرائيلي، كلٌّ يحسب غنيمته. وكلّف في الطائف الذي كان تسويةً بين آخرين على أرض اللبنانيّين. وكلّف أيضاً في كل مرّة أخطأ فيها اللبنانيّون قراءة موازين القوى، فظنّوا أنّ الرعاية الخارجية تعني الانحياز لمصلحتهم، فيما هي لم تعنِ سوى الانحياز لمصلحة الراعي. هذا الوهم المتوارث هو الذي جعل لبنان يتحوَّل، جيلاً بعد جيل، من مساحة لأحلام أبنائه إلى ساحة لحروب غيرهم.
https://t.co/o8FXPyQm32
في "الجمهورية" اليوم:
1920: حين وُلد لبنان على عيب خَلْقي
روبير دو كيه لم يكن يحبّنا.. لكنه كان محقاً
طلال عسّاف
———
لبنان الصغير، المحدود الموارد، المتجانس نسبياً، الموصول بباريس عاطفةً وثقافةً وكنيسةً، أسهل إدارةً وأوثق ولاءً وأقل كلفةً. أمّا لبنان الكبير، بامتداداته السنّية إلى دمشق وشيعته إلى جبل عامل ودروزه إلى حوران، فهو كيانٌ ذو جاذبية اتجاهات، أشدّ مراساً وتَصعُب قيادته.
لم يكن دو كيه يرسم حدود دولة مسيحية، بل يرسم حدود نفوذ فرنسي. كان المسيحيّون في حسابه أداةً لا غاية، ضماناً لا وصيّةً. وحين رفض الحويّك نصيحته، لم يُعاند دو كيه كثيراً، ولم تُعاند فرنسا أكثر. لم تبغِ في الأصل إنشاء كيان مسيحي منفصل داخل المشرق العربي، سيُعرّض حُكماً مصالحها لخطر عداء الغالبية المسلمة.
——
آثرت المسيحية السياسية، في معظمها وعلى امتداد عقود، أن تتذكر فرنسا بوصفها أمّاً حانية لا بوصفها قوّة انتداب احتسبت مصالحها بدقة. كلّف هذا الالتباس التاريخي غالياً. كلّف في لحظة 1943، حين اعتُقد أنّ الاستقلال كافٍ ولا يحتاج إلى مراجعة البُنية. وكلّف في لحظة 1958 حين طُلب التدخُّل الأميركي عوضاً عن إعادة التفاوض الداخلي. وكلّف في الحرب الأهلية حين استُبدل بالفرنسي فلسطيني وسوري وإسرائيلي، كلٌّ يحسب غنيمته. وكلّف في الطائف الذي كان تسويةً بين آخرين على أرض اللبنانيّين. وكلّف أيضاً في كل مرّة أخطأ فيها اللبنانيّون قراءة موازين القوى، فظنّوا أنّ الرعاية الخارجية تعني الانحياز لمصلحتهم، فيما هي لم تعنِ سوى الانحياز لمصلحة الراعي. هذا الوهم المتوارث هو الذي جعل لبنان يتحوَّل، جيلاً بعد جيل، من مساحة لأحلام أبنائه إلى ساحة لحروب غيرهم.
https://t.co/o8FXPyQm32
في "الجمهورية" اليوم:
عيب التأسيس
لبنان والسؤال الذي لم يُطرح يوماً
في مئوية الدستور وتأسيس الجمهورية، 23 أيار 1926
طلال عسّاف
———
وُلد لبنان الكبير سنة 1920 كتسوية، لا كمشروع. لم ينبثق من رحم نضال وطني داخلي يُوحّد المكوّنات حول رؤية مشتركة، ولم يقم على عقد اجتماعي حقيقي يُعرّف المواطن بوصفه فرداً في دولة، بل بوصفه عضواً في طائفة تتفاوض مع طوائف أخرى على حصة في السلطة. بدلاً من أن يكون النظام السياسي وعاءً يذوب فيه الانتماء الأهلي تدريجياً لمصلحة هوية وطنية جامعة، غدا النظام نفسه مضخةً تُعيد إنتاج الانتماءات الطائفية وتُضفي عليها شرعية مؤسسية.
هذا هو عيب التأسيس بامتياز. لم تُبنَ الدولة فوق المجتمع لتُنظّمه، بل بُنيت داخله لتعكسه. والفارق جوهري.
——
لم يُبنَ لبنان على قاعدة خاطئة بالمعنى الأخلاقي، بل على قاعدة قاصرة بالمعنى التاريخي. لم يكن الخطأ في الاعتراف بالتنوع، بل في تحويل التنوع من واقع يجب احتواؤه إلى هندسة يجب إدامتها. وبين الاحتواء والإدامة مسافة شاسعة. الأول يُفضي إلى الاندماج التدريجي، والثاني يُفضي إلى التكلّس الدائم.
——
الدول التي نجحت في تجاوز عيوب تأسيسها لم تفعل ذلك بالتمسك بصيغة التوازن القديمة ولا بالقفز إلى المجهول، بل بإعادة تعريف ما الذي يجمع مواطنيها. البوسنة التي اختارت تكريس التوازن بقيت رهينته. بلجيكا التي أعادت هيكلة علاقة مكوناتها بالدولة وجدت استقراراً نسبياً. وجنوب أفريقيا التي جرؤت على القطيعة مع منطق التأسيس فتحت أفقاً جديداً.
لبنان اليوم أمام الخيارات الثلاثة مجتمعة: يمكنه أن يبقى بوسنة المتوسط، كياناً مُدَاراً بضمانات خارجية وتوازنات داخلية هشة. ويمكنه أن يسلك المسار البلجيكي، إصلاح بنيوي تدريجي يُعيد توزيع السلطة من دون أن يُلغي التمايز. أو يمكنه، في لحظة استثنائية، أن يجرؤ على السؤال الجنوب أفريقي الكبير: مَن نحن معاً، بعيداً عمّن نحن كلٌّ على حدة؟
التاريخ لا يُعيد نفسه، لكنه يُقدّم خياراته. والمأساة الحقيقية ليست أن لبنان لا يعرف الخيارات المتاحة، بل أنه يعرفها ولا يختار.
https://t.co/AiNfemyqWr
في "الجمهورية" اليوم:
الجيش بين فخّين؟
طلال عسّاف
———
لا تُبنى الجيوش بالسلاح وحده. تُبنى بالإجابة عن سؤال مركزي. جيش لماذا؟
بُني الجيش الإسرائيلي على إجابة وجودية واضحة، وبُني الجيش الأردني على إجابة سياسية واضحة*.
يملك الجيش اللبناني الكفاءة البشرية والمهنية، لكنّه يفتقد إجابة سياسية واضحة، لأن الدولة التي يفترض أن يخدمها لم تُجِب عن هذا السؤال بعد.
****
لا يحتاج الخروج من المأزق اللبناني معجزةً، بل شروطاً ثلاثة:
-أولها، القرار السياسي الداخلي بأن الجيش هو المرجع الأمني الوحيد، وهذا يعني مساراً جديّاً حول خطة واضحة وصريحة تنتهي حكماً بتكريس أحادية السلاح وقرار السلم والحرب.
-ثانيها، وثيقة تحدد بوضوح الدور المتخيَّل للبنان وما الذي يُدافَع عنه، كيف، وبأي أدوات وعناصر قوة، وهي يا للمفارقة، وثيقة غائبة منذ الاستقلال. من شأن هذا أن يجعل لبنان حاجةً إقليمية ودولية لا مجرد دولة تطلب الحماية.
-ثالثها، تفاوض دولي صريح لتغيير سقف التسليح المسموح به، ينطلق من موقف سيادي.
https://t.co/jssWKQH2Mm
في "الجمهورية" اليوم:
التحوّل من امتلاك الموارد إلى التحكُّم بالمرور..
متى يُوقِظ لبنان أصله النائم؟
طلال عسّاف
———
ثمة وَهم شائع يقول إنّ الجغرافيا تنتظر. الجغرافيا لا تنتظر، لكنّ الخرائط السياسية والاقتصادية تُرسم بشكل مستمر، ومَن يغيب عن طاولة رسْمها لا يجد مقعداً حين تُطبع وتُنشر.
يواجه لبنان معادلة نادرة. يملك أصلاً استراتيجياً لا يمكن اصطناعه، هو الموقع، في لحظة يرتفع فيها الطلب على هذا الأصل نتيجة اضطراب الممرات البحرية.
https://t.co/Dp4KDHuzAa
في "الجمهورية" اليوم:
التحرّر من المسار المُرهِق!
طلال عسّاف
———
لم يعُد ترفاً سياسياً النقاش في جدوى الانتقال إلى مسار تفاوضي مباشر، بل بات ضرورة وطنية تفرضها حدود القدرة على الاحتمال.
إن الاكتفاء بمقاربات مرحلية غير مدعومة برؤية سيادية شاملة وضمانات تنفيذية ملزمة، يؤدّي حتماً إلى إعادة إنتاج الأزمة. لا يكمن التحدّي في تحسين شروط الاحتواء، بل في الانتقال إلى مسار تفاوضي حاسم يُنهي أسباب النزاع بدل إدارتها.
بذلك، يصبح المسار التفاوضي خياراً عقلانياً وواجباً وطنياً، وربما الخيار الوحيد القابل للحياة. فهذا المسار، إذا أُدير بثوابت واضحة ورؤية استراتيجية، يمكن أن يُفضي إلى معادلة متوازنة: انسحاب إسرائيلي كامل، دولة تحتكر السلاح، ولبنان خارج لعبة المحاور.
https://t.co/D93OtVxjNY
في "الجمهورية" اليوم:
من عقدة محتملة إلى الهامش.. لبنان بين الممرّات!
طلال عسّاف
———
يكمن الخطر الحقيقي على لبنان في أن يتجاوزه بصمت كل هذا الانتقال الجيواستراتيجي. أن تُرسم خرائط الممرات من حوله لا عبره، وأن يتحوّل من عقدة محتملة إلى فراغ بين عقد. هذه هي الخسارة الاستراتيجية الأعمق: أن يفقد دوره لا بفعل قرار، بل بفعل عدم الجاهزية. فهل يستطيع منع جغرافيّته من التحوّل إلى عبء؟ في هذه المعادلة، لا مكان للحياد السلبي. إمّا الانخراط في شبكة المرّرات بشروط واضحة، وإمّا السقوط خارجها، حيث لا تمرّ الأنابيب... ولا تُصاغ القرارات.
https://t.co/rh9H9cXEaB