"غراس الإحسان الذي تزرعه على هذه الأرض ستتفيّأ من وارفِ بركته يومًا، غيوم العطاء التي تنسِجها للآخرين بإخلاص ستزورك ذات برهة وتهديك المطر، وألوان السعادة التي تنشرها على القلوب ستقابلك أمثالها بين محطّات الحياة؛ فالجزاء يا صاحبي من جنس العمل ."
يمرّ الإنسان أحيانًا بأيام يشعر فيها بضيقٍ يثقل صدره، دون أن يكون قادرًا على الإشارة إلى سبب واضح. لا مشكلة كبيرة وقعت، ولا خبرًا سيئًا تلقّاه، ولا خسارة محددة أصابته، ومع ذلك يشعر أن شيئًا في داخله ليس على ما يرام.
وهنا يخطئ بعض الناس حين يظنون أن لكل شعور سببًا مباشرًا وظاهرًا. فالإنسان ليس آلة تعمل وفق معادلات بسيطة، بل هو كيان تتداخل فيه النفس والعقل والجسد والروح، وما يمرّ به اليوم قد يكون نتيجة تراكمات لم ينتبه إليها بالأمس.
قد يكون الضيق أثرًا لإرهاق طويل لم يأخذ حقه من الراحة، أو لضجيج مستمر لم يترك للعقل فرصة ليستعيد هدوءه، أو لضغوط صغيرة اجتمعت حتى أثقلت النفس. وربما كان نتيجة فراغ داخلي، أو انقطاع عن عبادة كانت تمنح القلب سكينته، أو ابتعاد عن صحبة صالحة كانت تعين على الثبات.
ومن الأخطاء الشائعة أن يسارع الإنسان إلى مقاومة هذا الشعور بأي وسيلة تشغله عنه؛ فيغرق في تصفح الهاتف، أو يكثر من الترفيه، أو يملأ يومه بالانشغالات، بينما كان الأجدر به أن يتوقف قليلًا ويسأل نفسه: ماذا تحاول نفسي أن تخبرني؟
فالضيق ليس دائمًا عدوًا، بل قد يكون رسالة. رسالة تدعونا إلى مراجعة إيقاع حياتنا، أو إعادة ترتيب أولوياتنا، أو إصلاح علاقة ضعفت، أو تصحيح مسار بدأ ينحرف دون أن نشعر.
ولهذا فإن الحكيم لا يخاف من هذه اللحظات، ولا يبالغ في تفسيرها، وإنما يستقبلها بهدوء، ويمنح نفسه قدرًا من الراحة، ويجدد صلته بالله، ويبتعد قليلًا عن ضجيج الحياة، ثم يراقب ما يتكشف له مع الأيام.
إن النفس البشرية تحتاج، كما يحتاج الجسد، إلى فترات تستعيد فيها توازنها. وليس كل ضيق علامة على كارثة، كما أن ليس كل راحة دليلًا على سلامة الأحوال.
وقد يكون أعظم ما نتعلمه من هذه التجربة أن العناية بالنفس ليست علاجًا وقت الأزمات فحسب، بل هي أسلوب حياة. فكلما أحسن الإنسان إدارة وقته، وحفظ قلبه من الضجيج، وأعطى روحه نصيبها من الذكر والعبادة، وجسده نصيبه من الراحة، وعقله نصيبه من التأمل؛ كان أقدر على مواجهة تلك اللحظات العابرة دون أن تستنزف طاقته أو تفقده اتزانه.
د. عبد الكريم بكار
لماذا يسرح الإنسان في الصلاة رغم أنه يريد الخشوع؟
يبدأ كثير من الناس صلاتهم بنية صادقة في الخشوع، ثم لا يلبث العقل أن يبتعد. فجأة يتذكر موعدًا، أو حوارًا قديمًا، أو مهمة لم تُنجز، أو مشكلة تؤرقه. وقد ينتهي من الصلاة وهو لا يكاد يتذكر ماذا قرأ، أو كم صلى من الركعات.
وهذا يجعل كثيرين يشعرون بالحزن، وربما بالذنب، ويظنون أن ضعف الخشوع دليل على ضعف الإيمان. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالدماغ بطبيعته لا يتوقف عن إنتاج الأفكار، وهو يميل إلى الانشغال بما يشغل صاحبه طوال اليوم. فمن يقضي ساعات طويلة بين الهاتف، والأخبار، ورسائل العمل، ومقاطع الفيديو السريعة، ثم يقف للصلاة، يجد أن ذهنه يحتاج وقتًا لينتقل من ضجيج الحياة إلى سكينة العبادة.
ولهذا فإن الخشوع ليس حالة تأتي تلقائيًا، بل مهارة تحتاج إلى تهيئة ومجاهدة، كما يحتاج الجسد إلى تدريب حتى تزداد قوته.
ومن أكثر ما يعين على الخشوع أن يسبق الصلاة شيء من الاستعداد النفسي؛ كالتبكير إليها، وإتمام الوضوء بهدوء، واستحضار أن هذه الدقائق لقاء مع الله لا يشبه أي لقاء آخر.
كما أن فهم معاني ما يُقرأ في الصلاة يجعل العقل والقلب يسيران في الاتجاه نفسه، فلا تبقى الكلمات ألفاظًا مألوفة، بل تتحول إلى معانٍ حاضرة تؤثر في النفس.
ولا ينبغي أن يتحول الشرود إلى سبب لترك المجاهدة. فكلما عاد الذهن إلى التفكير في أمور الدنيا، كانت إعادته برفق إلى الصلاة جزءًا من العبادة نفسها. وقد كان الشيطان يحرص على تشتيت المصلي، لأن الصلاة الخاشعة من أعظم ما يزكي القلب.
الخشوع ليس أن يخلو الذهن من كل خاطر، وإنما أن يعود القلب إلى الله كلما ابتعد، وأن تستمر هذه المجاهدة حتى تصبح الصلاة راحةً للنفس بعد أن كانت معركةً مع الشرود.
د. عبد الكريم بكار
لقد نظرت في حياة كثير من الشباب، فوجدت أن من أهم أسباب انحراف بعضهم تلك القسوة التي عاشوها في طفولتهم. فقد نشؤوا في بيوت غابت عنها الرحمة، وحضر فيها العقاب أكثر من الحوار، والتوبيخ أكثر من التشجيع، والتهديد أكثر من الاحتواء.
قد تُنتج القسوة طفلًا مطيعًا في حضور والده، لكنها لا تبني في داخله ضميرًا حيًّا. فهو يطيع خوفًا من العقوبة، لا اقتناعًا بقيمة الصواب. فإذا غابت رقابة الأب، لم يجد في نفسه ما يحجزه عن الخطأ.
ولهذا كان النبي ﷺ أعظم المربين، ومع ذلك كان ألين الناس مع الصغار، وأرحمهم بالناشئة، يجمع بين الحزم والرحمة، وبين التربية بالموقف والتربية بالمحبة. فلم تكن هيبته قائمة على القسوة، بل على العدل، وحسن الخلق، وعظيم القدوة.
إن الابن الذي لا يسمع من أبيه إلا الأوامر، ولا يتلقى منه إلا النقد واللوم، قد يتوقف مع الأيام عن الإصغاء إليه، ويبدأ بالبحث عن الاحتواء في أماكن أخرى. فالإنسان مفطور على الميل إلى من يمنحه التقدير، ويشعره بأنه مسموع ومقبول.
ولا يعني هذا أن تتحول التربية إلى تدليل أو تساهل، فالتدليل يفسد كما تفسد القسوة. وإنما المقصود أن يدرك الوالدان أن التربية الناجحة تقوم على معادلة دقيقة: حزمٌ يضع الحدود، ورحمةٌ تحفظ القلوب.
إن الأب الذي يكسب قلب ابنه، يسهل عليه أن يهذب سلوكه. أما الذي يخسر قلبه، فلن تنفعه كثرة الأوامر، ولا شدة العقوبات.
فنحن لا نربي أبناءنا ليطيعونا ونحن حاضرون، وإنما نربيهم ليحسنوا الاختيار عندما نغيب عنهم.
د. عبد الكريم بكار
د.عبدالعزيز الراجحي:
" انتبهوا من وضع حياتكم كلها للناس، حفظ الخصوصية جميل، مو ضروري الناس تعرف كل تفاصيل حياتي .."
من اجمل المقاطع اللي سمعتها عن تأثير السوشل ميديا في حياتنا.
إذا أخطأتّ أو وقعتّ في ذنب، فتذكر دائما كلمة الامام سفيان الثوري -رحمه الله-:
"لئن غلبني الشيطان؛ فأذنبت، لأقصمن ظهره بتوبتي وحسن عبادتي".
فاحذر أن يغلبك الشيطان
(أنفقي ولا تحصي، فيحصي الله عليك)
حديث عجيب جداً في البذل والإنفاق في زمن تدقيق الحسابات ..
قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: قال لي النبي ﷺ: " أنفقي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك". وفي رواية:" ولا توكي فيوكى عليك".
وفي رواية:"ارضخي ما استطعتِ".
#متفق_عليه
(الشرح): لا تحصي ما تنفقين، حتى لا يُستكثر، فربما امتنعت من الإنفاق .. ولا تتكلفي معرفة قدر إنفاقك، أو لا تَعُدِّي ما تتصدقين به، فيحصي الله ما يعطيك، ويمنع البركة في مالك والنماء فيه.
ودل الحديث على أنَّ الصدقة تنمي المال، وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وادخار المال في (الوعاء)، وشد صرته (بالوكاء) وهو الرباط ، من أعظم الأسباب لقطع مادة البركة.
[عنايةُ طالب العلم بكسب المال الحلال]
من توفيق الله لطالب العلم أنّ يعتني بكسب المال الحلال, ولو شغَله ذلك عن تحْصيل بعْضِ العلم, فغناه عن الناس سببٌ في صلاح دينه ودنياه, ومَن أهْمَل الكسب في شبابه سيضطرّ إلى الكسب في كبره, وربما ذلّ وتَعِب بسبب ذلك، والشيطان هو الذي سوّل وحسّن له ذلك, ولقد كان كبار الصحابة رضي الله عنهم يعملون ويتاجرون, والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم, فتركوا كثيرًا من مجالسه الشريفة المباركة؛ لشغْلهم بالتجارة والكسب الحلال.
جاء في صحيح مسلم (2153) أنّ عمر رضي الله عنه خفيت عليه سنّة فقال: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
وجاء في صحيح البخاري (1184) عن مرثد بن عبد الله اليزني قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه ، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم! يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟! فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل.
ومرّ سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه على رجل في السوق وقد اشترى وسقا من طعام, فقال له: يا أبا عبد الله, تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله r؟
فقال: إنّ النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس.
وقال سعيد بن المسيِّب رحمه الله: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويصل به رحمه, ويكف به وجهه عن الناس.
ولَمَّا مات ترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار, وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي.
وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: نِعْم العون على تقوى الله عز وجل الغِنى.
وقال سُفْيَان الثَّوْرِيّ رحمه الله: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن.
فهذا هو فهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى, وقد حاد عن طريقتهم بعض من ينتسب للزهد, فتركوا السعي في طلب الرزق بدعوى التوكل أو بدعوى الرضا بقضاء الله, وهذا عجز وكسل لا توكُّل, والمؤمن مأمورٌ بأنْ يسعى في الأرض لطلب الرزق.
قال ابن الجوزي رحمه الله صيد الخاطر (ص53): لا يزال الشيطان يحرضه على الزهد، ويأمره بالترك، ويخوفه من طرقات الكسب، إظهارًا لنصحه، وحفظ دينه، وفي خفايا ذلك عجائب من مَكْرِهِ!
ولو أنه نظر في سير الرجال ونبلائهم، وتأمل صحاح الأحاديث عن رؤسائهم، لعلم أن الخليل عليه الصلاة والسلام كان كثير المال حتى ضاقت بلدته بمواشيه، وكذلك لوط عليه الصلاة والسلام، وكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والجم الغفير من الصحابة.
وإنما صبروا عند العدم، ولم يمتنعوا عن كسب ما يصلحهم، ولا من تناول المباح عند الوجود.
وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج للتجارة والرسول صلى الله عليه وسلم حيّ.
وإني تأمّلت أكثر أهل الدين والعلم هذه الحال، فوجدت العلم شغلهم عن المكاسب في بداياتهم، فلما احتاجوا إلى قوام نفوسهم ذلوا، وهم أحقّ بالعز.
وقد كانوا قديمًا يكفيهم بيتُ المال فضَلات الإخوان، فلما عدمت في هذا الأوان، لم يقدر متدين على شيءٍ إلا ببذل شيء من دينه، وليته قدر، فربما تلف الدّين ولم يحصل له شيء.
فالواجب على العاقل أن يحفظ ما معه، وأن يجتهد في الكسب ليربح مداراة ظالم أو مداهنة جاهل، ولا يلتفت إلى ترهات المتصوفة، الذين يدّعون في الفقر ما يدعون، فما الفقر إلا مرض العجَزَة.
وأما الكاسب ليكون المعْطِيَ لا المُعْطَى، والمتصدق لا المتصدق عليه: فهي من مراتب الشجعان الفضلاء، ومن تأمل هذا، علم شرف الغنى، ومخاطرة الفقر.
وقال في (ص 197): ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس؛ فإنه إذا ضُمّ إلى العلم حِيْزَ الكمال.
وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه، وقل الصبر، فدخلوا مداخل شانَتهم، وإن تأولوا فيها..
فعليك –يا طالب العلم- بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس؛ فإنه يجمع لك دينك..
وقال في (ص 398): ولا يلتفت إلى من يذمّ المال؛ فإنهم الحمقى الجهال, وقد كان لكلّ نبيّ معاش، ولجميع الصحابة، وخلفوا أموالًا كثيرة، فافهم هذا الأصل، ولا تلتفت إلى كلام الجهال.
فاجتهد – أخي المسلم – في السعي في إيجادِ طريقٍ لكسب المال الحلال, ولا تؤجّل السعي إلى مستقبلٍ لا تعلم ماذا يحصل لك من عوارض أو صوارف قد تحول بينك وبين الكسب, فتنْدم لتفريطك, وسوءِ فهْمك وتدْبِيرك.
الشخص العاقل، الناضج هو الذي لا يصنع من التل الصغير جبلًا عظيمًا، أي لا يعطي الموقف أكبر من حجمه، يفكر قبل أن يتصرف، عندما يسيء إليه شخص لا يقفز فورًا أنها إدانة لشخصه، بل يرى الموقف أنها مشكلة اجتماعية أكثر من كونها مسألة شخصية، يحلل الموقف، ولا يندفع عاطفيًا.
يدور في ذهنه:
- هل الشخص الذي أمامي قليل التعليم؟
- هل تعرض لسلسلة إحباط وضغوط ليتصرف هكذا قبل موقفي معه؟
- هل هو مريض؟
- هل لديه معلومات خاطئة ومضللة؟
ينظر للموقف من أكثر من زاوية، عقله يشتغل قبل عواطفه، يحاول احتواء الموقف ابتداء، المسألة تحتاج لتدريب، لا أحد يولد ناضجًا وحكيمًا.
#اسامه_الجامع
قال أبو الطيب المتنبي: «إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا».
شخصية اللئيم تُظهر التودد وتُبطن الحسد، تُعطي بالقول وتمنع بالفعل، وتفرح بعثرات الآخرين أكثر من نجاحاتهم. هذا الطبع يُفسد الثقة في البيئات الاجتماعية والعملية، ويُرهق من يتعامل معه.
أنفع سبيل في التعامل هو الوعي والحدود: لا إفراط في القرب يكشف الأسرار، ولا انجرار إلى خصام يُغذّي نواياه. وضوح الموقف وحفظ الكرامة يقلّص أثره ويُبقي النفس آمنة.
ماذا يحتاج الطفل أكثر من الحب؟
يظن كثير من الآباء أن الطفل إذا شعر بأنه محبوب، فقد حصل على أهم ما يحتاج إليه.
والحب نعمة عظيمة... لكنه وحده لا يكفي.
فقد ينشأ الطفل في بيت يغمره بالحب، لكنه يخرج منه ضعيف الإرادة، قليل المسؤولية، لا يعرف لماذا يعيش، ولا ماذا يريد أن يكون.
ذلك لأن الطفل يحتاج إلى شيء قد يغفل عنه كثير من المربين...
إنه المعنى.
فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده... ولا بالمشاعر وحدها.
بل يعيش أيضًا بالغاية. ومنذ سنواته الأولى، يبدأ الطفل في طرح أسئلة تبدو بسيطة:
لماذا أصلي؟
لماذا أقول الصدق؟
لماذا أساعد الآخرين؟
لماذا أدرس؟
إذا كانت الإجابة دائمًا:
"لأننا هكذا."
أو:
"لأنني قلت لك."
فإن الطفل يتعلم الطاعة... لكنه لا يتعلم المعنى.
والطاعة التي لا يسندها وعي، تضعف عند أول اختبار.
ولهذا كان القرآن يبني المعنى قبل الأمر.
يبني الإيمان قبل التكليف.
ويبني القناعة قبل المسؤولية.
ولهذا كان النبي ﷺ يربي أصحابه على فهم الحكمة، لا على تنفيذ الأوامر مجردة من الفهم.
إن الطفل الذي يعرف لماذا يفعل الشيء... أثبت ممن يعرف كيف يفعله فقط. ولهذا فإن من أعظم ما يقدمه الوالدان لأبنائهما، ليس كثرة الأشياء، وإنما كثرة المعاني.
أن يعرف الطفل أن العلم عبادة.
وأن العمل أمانة.
وأن الصدق قوة.
وأن الإحسان رفعة.
وأن النجاح ليس أن يتقدم على الناس...
بل أن يقترب من الله، ويزداد نفعًا لعباده.
وحين يكبر هذا الطفل، لن يحتاج في كل خطوة إلى من يراقبه.
لأنه يحمل في داخله بوصلة تهديه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل أب وأم ليس:
هل أبناؤنا يشعرون أننا نحبهم؟
بل:
هل نمنحهم معنى يعيشون من أجله؟
فالحب يمنح الطفل الدفء... أما المعنى، فيمنحه الاتجاه. والإنسان قد يواصل السير سنوات طويلة إذا عرف إلى أين يسير.
د. عبد الكريم بكار
إياك أن تردّ على أحد سبّك أو شتمك بعد هذا الحديث..!
تأمل ⬇️
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر؛ رد عليه (أبوبكر) بعض قوله..
فغضب النبي ﷺ، وقام، فلحقه أبو بكر، فقال:
"يا رسول الله! كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددتُ عليه بعض قوله غضبتَ وقمتَ؟!"
قال ﷺ: ((إنه كان معك ملَك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان؛ فلم أكن لأقعد مع الشيطان)).
ثم قال: ((يا أبا بكر! ثلاث؛ كلهن حق:
-ما من عبد ظُلم بمظلمة؛ فيغضي عنها لله عز وجل، إلا أعز الله بها نصره!
-وما فتح رجل باب عطية؛ يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة!
-وما فتح رجل باب مسألة؛ يريد بها كثرة، إلا زاده الله عز وجل بها قلة!)).
.
📖: أحمد في مسنده (9341) - وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2376).
عشرة مبادئ تصنع الأسرة التي تدوم
ليست الأسرة الناجحة هي التي تخلو من المشكلات...
بل هي التي تمتلك مبادئ واضحة، تعود إليها كلما اشتدت الخلافات، واختلطت المشاعر، وتزاحمت ضغوط الحياة.
فالبيوت لا يحفظها الحب وحده، ولا المال، ولا حسن النيات، وإنما يحفظها أيضًا منهج في التعامل، وقيم تحكم العلاقة بين أفرادها.
ومن خلال التأمل في هدي الإسلام، وتجارب الحياة، يمكن الوقوف عند عشرة مبادئ أرى أنها من أهم ما يعين على نجاح العلاقات الأسرية.
1- تقديم الأسرة على الانشغالات الثانوية
الأسرة ليست ما يتبقى من الوقت بعد العمل والأصدقاء والهاتف...
بل هي الأولوية التي تُبنى حولها بقية الأولويات.
فالبيت الذي لا يُمنح الوقت الكافي، يصعب أن يُمنح الاستقرار.
2- الحوار قبل إصدار الأحكام
كثير من المشكلات الأسرية لا تبدأ بسوء النية...
بل بسوء الفهم.
ولهذا كان الحوار الهادئ من أعظم وسائل حفظ البيوت، لأنه يكشف المقاصد قبل أن تتراكم الظنون.
3- الرحمة قبل المحاسبة
قال الله تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ولم يقل: عدلًا فقط.
فالرحمة هي التي تجعل الإنسان يغفر الزلة، ويتجاوز التقصير، وينظر إلى شريكه بعين الإحسان لا بعين التفتيش.
4- احترام الاختلاف
ليس مطلوبًا أن يتشابه الزوجان في كل شيء.
فالاختلاف في الطباع، والاهتمامات، وطرق التفكير، سنة من سنن الله.
وإنما النضج أن يتحول الاختلاف إلى تكامل، لا إلى صراع.
5- حسن الظن
الأسرة التي يسودها سوء الظن...
تكثر فيها الخصومات.
أما حسن الظن، فيدفع إلى السؤال قبل الاتهام، وإلى التماس العذر قبل إصدار الحكم.
6- الشكر أكثر من العتاب
البيوت لا تعيش على النقد المستمر.
فالكلمة الطيبة، والثناء على المعروف، وشكر الجهد، كلها غذاء للعلاقة، كما أن كثرة اللوم تستنزفها.
7- حل المشكلات وهي صغيرة
المشكلة الصغيرة التي تُؤجل...
نادراً ما تبقى صغيرة.
ولهذا فإن المبادرة إلى الحوار، والاعتذار، والإصلاح، تمنع تراكم الجراح.
8- القدوة أقوى من التوجيه
الأبناء يتعلمون من طريقة تعامل والديهم أكثر مما يتعلمون من نصائحهم.
فإذا رأوا الاحترام، والرحمة، وضبط الغضب، نشؤوا على ذلك.
9- جعل العبادة روح الأسرة
البيت الذي يجتمع على الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، وذكر الله...
تكون فيه رابطة أعمق من المصالح والمشاعر العابرة.
فالطاعة تجمع القلوب كما تجمع الأجساد.
10- استحضار أن الأسرة أمانة
الأسرة ليست مشروعًا لتحقيق السعادة الشخصية فقط...
بل أمانة سيسأل الله عنها كل من الزوجين.
ومن استحضر هذه المسؤولية، اجتهد في حفظ بيته، والإحسان إلى أهله، والتغاضي عن كثير مما لا يستحق الخلاف.
الخاتمة
إن الأسرة ليست بناءً يُقام مرة واحدة...
بل بناء يحتاج إلى ترميم دائم.
وكل كلمة طيبة، وكل موقف رحيم، وكل اعتذار صادق، وكل دعاء في جوف الليل، هو حجر جديد في هذا البناء.
وما أحوج بيوتنا اليوم إلى أن تُبنى على القيم قبل أن تُبنى على الإمكانات، وعلى المودة قبل المظاهر، وعلى التقوى قبل كل شيء.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
د. عبد الكريم بكار
هل نحتاج إلى دورة تدريبية قبل الزواج؟
الجواب نعم... لأن الزواج مسؤولية تُتعلم كما تُمارس
يقبل الشاب والفتاة على الزواج وهما يحملان أحلامًا كبيرة، وتوقعات جميلة، ورغبة صادقة في بناء أسرة سعيدة. لكن كثيرًا منهم يدخل هذه المرحلة اعتمادًا على ما شاهده في بيئته، أو ما سمعه من الأصدقاء، أو ما تعرض له في وسائل الإعلام، دون أن يمتلك المعرفة الكافية التي تعينه على إدارة هذه العلاقة الإنسانية العميقة.
ومن هنا أرى أن حصول الزوجين على دورة تدريبية قبل الزواج ليس رفاهية، ولا تشكيكًا في قدرتهما، بل هو استثمار في مستقبل الأسرة، ووقاية من كثير من المشكلات التي تنشأ بسبب الجهل أكثر مما تنشأ بسبب سوء النية.
إننا لا نستغرب أن يخضع الطبيب لسنوات من الدراسة قبل أن يمارس مهنته، ولا أن يتعلم السائق قواعد القيادة قبل أن يقود سيارة، بينما نرى بعض الناس يستغربون فكرة التأهيل للزواج، مع أن الأسرة هي المؤسسة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان، ومنها يبدأ استقرار المجتمع أو اضطرابه.
إن كثيرًا من حالات الخلاف بين الأزواج لا تعود إلى انعدام الحب، وإنما إلى ضعف مهارات التواصل، واختلاف التوقعات، وسوء إدارة الخلاف، والجهل بحقوق كل طرف وواجباته. فكم من بيت هدمته كلمة قاسية، أو موقف أسيء فهمه، أو خلاف بسيط تضخم حتى أصبح أزمة، بينما كان بالإمكان احتواؤه لو امتلك الزوجان أدوات الحوار وفهم كل منهما لطبيعة الآخر.
ولا ينبغي أن تكون الدورة مجرد محاضرات نظرية، بل يجب أن تقدم بأسلوب عملي يناقش مواقف الحياة اليومية، ويعرض حلولًا واقعية، ويكسب المقبلين على الزواج مهارات يحتاجون إليها منذ اليوم الأول.
ومن أهم الموضوعات التي ينبغي أن تتناولها هذه الدورات:
أولًا: مفهوم الزواج ورسالة الأسرة. فالزواج ليس مجرد احتفال، ولا انتقالًا إلى منزل جديد، بل هو ميثاق غليظ يقوم على السكن والمودة والرحمة، ويتطلب التضحية والصبر والتعاون.
ثانيًا: الحقوق والواجبات الشرعية. فمعرفة كل طرف بما له وما عليه تقلل كثيرًا من أسباب النزاع، وتمنع الظلم وسوء الفهم، وتغرس روح العدل والاحترام المتبادل.
ثالثًا: مهارات التواصل والحوار. كيف يستمع الزوج لزوجته؟ وكيف تعبر الزوجة عن رأيها؟ وكيف يختلفان دون أن يتحول الخلاف إلى خصومة؟ فالكلمة الطيبة، وحسن الإنصات، واختيار الوقت المناسب للحوار، كلها مهارات يمكن تعلمها.
رابعًا: إدارة الخلافات الزوجية. فالخلاف أمر طبيعي، لكن المشكلة ليست في وجوده، بل في طريقة التعامل معه. ويتعلم الزوجان أن الغضب لا يكون سببًا في اتخاذ قرارات مصيرية، وأن الاعتذار ليس ضعفًا، وأن التسامح من أسباب دوام المودة.
خامسًا: الإدارة المالية للأسرة. فالجانب المالي من أكثر أسباب النزاعات الزوجية. ولذلك ينبغي تعليم الزوجين كيفية إعداد ميزانية، وترتيب الأولويات، والاتفاق على أسلوب الإنفاق والادخار، حتى لا تتحول الأمور المالية إلى مصدر توتر دائم.
سادسًا: الجوانب النفسية واختلاف الشخصيات. فلكل إنسان طباعه، وطريقة تفكيره، وأسلوبه في التعبير عن مشاعره. وفهم هذه الفروق يساعد على تقبل الآخر والتعامل معه بحكمة، بدلًا من تفسير كل اختلاف على أنه تقصير أو عدم اهتمام.
سابعًا: التربية والاستعداد للأبناء. فالأسرة لا تبدأ بتربية الأبناء بعد ولادتهم، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى للزواج، حين يتفق الزوجان على المبادئ والقيم التي يريدان غرسها في أبنائهما مستقبلًا.
ثامنًا: الذكاء العاطفي في الحياة الزوجية. فالكلمة الجميلة، والابتسامة، والتقدير، والاهتمام، والاحتواء، ليست أمورًا ثانوية، بل هي غذاء العلاقة الزوجية، ومن أسباب استمرار المودة.
أما عن المدة المناسبة لهذه الدورة، فأرى أنها لا ينبغي أن تكون يومًا واحدًا أو بضع ساعات؛ لأن الموضوع أعمق من ذلك. والأنسب أن تمتد من خمسة إلى سبعة أيام تدريبية، أو ما يعادل عشرين إلى ثلاثين ساعة، تتوزع على جلسات متنوعة تجمع بين المحاضرات، وورش العمل، والمناقشات، والتطبيقات العملية، حتى يخرج المشاركون بمهارات حقيقية لا بمجرد معلومات عابرة.
كما أن من المفيد أن تتضمن الدورة لقاءات مع مختصين في الشريعة، وعلم النفس، والإرشاد الأسري، وأن تُعرض فيها نماذج لمواقف واقعية وكيفية التعامل معها، ليكون التعلم قريبًا من الحياة اليومية.
ولا ينبغي أن ينظر المجتمع إلى هذه الدورات على أنها دليل على ضعف المقبلين على الزواج، بل على العكس، فهي دليل على وعيهم وحرصهم على بناء حياة مستقرة. فالإنسان الحكيم هو الذي يستعد قبل أن يواجه التحديات، لا بعد وقوعها.
ومن الجميل أيضًا أن يمتد هذا التأهيل إلى ما بعد الزواج، من خلال برامج متابعة واستشارات أسرية ودورات تطويرية، لأن الحياة الزوجية تمر بمراحل مختلفة، ولكل مرحلة تحدياتها ومتطلباتها.
أكثر ما يُرهق المرأة ليس العمل... ولا البيت.
يظن كثير من الناس أن أكثر ما يرهق المرأة هو كثرة الأعمال التي تقوم بها، أو تعدد المسؤوليات التي تحملها داخل البيت وخارجه.
لكن التجربة تقول شيئًا آخر.
فكثير من النساء استطعن القيام بمسؤوليات كبيرة، ولم يشعرن بذلك الإرهاق الذي يشعر به غيرهن ممن يحملن أعباء أقل.
لأن الإرهاق الحقيقي لا ينشأ دائمًا من كثرة العمل...
بل من الصراع الداخلي.
الصراع بين ما تشعر أنه واجبها، وما تتمناه لنفسها.
بين رغبتها في أن تكون أمًا حاضرة، وزوجة ناجحة، وبين طموحها إلى التعلم، والإنجاز، والإسهام في خدمة مجتمعها.
ويشتد هذا الصراع حين تشعر أنها ستُلام مهما كان اختيارها؛ فإن اهتمت بأسرتها قيل إنها أضاعت طموحها، وإن اجتهدت في عملها قيل إنها قصرت في بيتها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
إن المرأة لا تحتاج إلى أن تُدفع نحو أحد الطرفين...
بل تحتاج إلى بيئة تمنحها التقدير، والأمان، والاحترام، وتساعدها على ترتيب أولوياتها وفق ظروفها، ومرحلة حياتها، دون أن تُحمَّل شعورًا دائمًا بالذنب.
وليس النجاح في أن تجمع المرأة أكبر عدد من الأدوار...
بل في أن تؤدي كل دور بإتقان، حين يحين وقته، دون أن يطغى جانب على آخر.
وقد جعل الإسلام الأسرة ميدانًا عظيمًا للعبادة، كما جعل العمل النافع، والعلم، وخدمة الناس من أبواب الخير، فإذا صلحت النية، وأُحسن ترتيب الأولويات، لم يعد هناك تعارض بين الرسالتين، بل أصبح كل منهما معينًا على الآخر.
إن المرأة المطمئنة ليست التي خلت حياتها من المسؤوليات...
بل التي وجدت المعنى فيما تقوم به، وأحاطها من حولها بالتقدير، وأعانها أهلها على أداء رسالتها.
فما أكثر الأعمال التي تُنجزها المرأة بقلب راضٍ فلا تشعر بثقلها...
وما أكثر الأعمال القليلة التي تثقلها حين تفقد الدعم، أو التقدير، أو السكينة.
د. عبد الكريم بكار