أبي... قدوتي التي لا تُعوّض
منذ رحيلك قبل شهرين، وأنا أشعر أن جزءًا من روحي قد غاب معك. لم يكن رحيلك مجرد فقدان لشخص عزيز، بل كان غيابًا لسند كنت أستند إليه في كل خطواتي، لصوت حكيم يرشدني، ولحضور يملأ البيت دفئًا وأمانًا وبهجه. كنت قدوتي في الحياة، ولم أتعلم منك بالكلمات فقط، بل بالمواقف التي كنت تبني بها شخصيتي انا واخوتي دون أن ندرك.
كنت مثالًا حيًّا للكفاح منذ نعومة أظفارك. بدأت تعليمك في الكتاتيب (#سدير-#العطار)، حيث تعلمت القراءة والكتابة في بيئة بسيطة، لكنها مليئة بالإصرار والشغف. لم تنتظر أحدًا ليأخذك إلى المدرسة، بل اصطحبت عمي ذات يوم وسجلتما نفسيكما في الصف الثالث الابتدائي مباشرة. لم تنتظر الفرص بل خلقتها. منذ ذلك اليوم، بدأ مشوار التحدي الذي لم يتوقف.
في مرحلة المتوسطة والثانوية، كنت تعمل نهارًا لتوفر احتياجاتك، ثم تدرس ليلًا بإصرار لا يلين حتى تخرجت. لم يكن النجاح بالنسبة لك خيارًا، بل كان ضرورة. بل وحتى في آخر سنة من دراستك الليلية، لم تأخذ أي إجازة، رغم مشقة العمل والدراسة، لتتمكن من الانتظام نهاريًا وتحقيق شرط القبول في البعثة الخارجية. واصلت مسيرتك حتى التحقت ببعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك، وسط الغربة والتحديات، واصلت تعليمك حتى حصلت على درجة الدكتوراه. كم كان ذلك حلمًا صعبًا في زمنك. لكنك جعلته واقعًا.
عدت إلى الوطن محملًا بالعلم والطموح، فالتحقت بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، حيث بدأت مسيرتك الأكاديمية. لم تكن مجرد أستاذ جامعي، بل كنت معلمًا ملهمًا، يزرع في طلابه حب التعلم والاجتهاد. تدرجت في المناصب حتى أصبحت وكيل الجامعة للدراسات العليا والأبحاث، لكنك ظللت كما أنت لم تغيرك الألقاب ولا المناصب لأنك لم تعتد على، ولم تسمح لنا بالاستفادة من، منافع المنصب التي لم أفهمها وقتها ولكن تجلت بوضوح لاحقًا.
لقد علّمتنا بطريقة غير مباشرة أن نكون إيجابيين مهما كانت الظروف، وأن السعادة الحقيقية لا تُنتظر من الآخرين، بل تنبع من داخل الإنسان، من قلبٍ مؤمن بأن ما يختاره الله له هو الأفضل دائمًا. كنت أراك دائمًا راضيًا، لا تشتكي من شيء، تواجه الحياة بابتسامتك المعتادة التي لم تفارقك حتى في أصعب الأيام.
ومن دروسك التي لن أنساها، أن نعامل الجميع بسواسية، دون تفريق بين جنس أو عرق أو منصب. كنت تقول دائمًا: "عامل الناس كما تحب أن يعاملوك"، ولم يكن مجرد كلام، بل كان تطبيقًا عمليًا يراه كل من عرفك.
وأهم ما علّمتنا إياه هو الإخلاص في العمل، أن نبذل قصارى جهدنا في كل ما نقوم به، ثم نترك النتائج على الله. لم تكن تؤمن بالطرق المختصرة، كنت تعلّمنا أن النجاح الحقيقي هو الذي يأتي بعد جهد وتعب، وأن الله لا يضيع عمل عامل.
أبي، نشتاق إليك كل يوم. نفتقد وجودك، صوتك، نصائحك، وابتسامتك التي كانت تمنحنا القوة. لكن عزاءنا أنك تركت أثرًا لا يُمحى. لم تترك فقط أبناءً يفتخرون بك، بل تركت طلابًا وزملاء يذكرونك بكل خير. وما يثلج صدري أنني في كل مرة أقابل فيها قياديين في الشركات الكبرى، سواء في أرامكو أو سابك أو غيرها، أسمع كلمات مليئة بالاحترام والتقدير لك. يذكرون كيف كنت معلمًا وأبًا لهم قبل أن تكون أستاذًا، ويدعون لك بصدق.
هذا هو الإرث الحقيقي الذي لا يزول، وهذا هو الأثر الذي يبقى بعد الرحيل. رحمك الله يا أبي، وأسكنك فسيح جناته، وجمعنا بك في الفردوس الأعلى من الجنان، ورحم الله جميع موتى المسلمين.
#جامعة_الملك_فهد_للبترول_والمعادن #جامعة_الملك_فهد
#kfupm #الخبر
@khalafroula Unfortunately Deputy Editor and writer of a well respected and unbiased newspaper tweets and writes with hatred and grudge. Apparently the latest events have brought down a lot of masks.