طبيب يسعى لتشخيص سرطان الموروث الذي غطى على نقاء الوحي.
دعوة للعودة إلى نقطة الصفر مع القرآن، بعيداً عن كهنوت الرجال.
كتابي: الدين كما أراده الله لا الآباء 👇
إذا كنت تبحث عن اليقين في زمن اختلط فيه كلام الخالق بظنون البشر، وتريد أن تقف على الحقيقة دون وساطة الكهنة.. فهذا البحث لك.
هذا البحث ليس مجرد مقال عابر، بل هو وثيقة قرآنية فاصلة وموسوعة مصغرة يجب أن تقرأها بتمعن، وتحفظها عندك (Bookmark)، وتشاركها مع من تحب.
ببساطة وبمنهجية صارمة، يثبت هذا البحث أن الدين والتشريع الملزم محصور حصرياً في القرآن الكريم وحده، ويرد بأسلوب علمي قاطع على أكثر من 37 شبهة تُطرح دائماً لإثبات حجية الروايات والموروث (مثل شبهة الطاعة، والبيان، والصلاة وغيرها).
ستكتشف في هذا الملف كيف ينقض الموروث نفسه من داخله، وكيف أن الآيات التي يستخدمونها لإلزامنا بالروايات هي نفسها الآيات التي تهدم صنم الموروث إذا قُرئت في سياقها الصحيح.
اقرأه بعقلك، احفظه كمرجع دائم للرد على أي شبهة تراثية، وشاركه لتكون جزءاً من تحرير العقول وإعلاء سيادة النص القرآني.
(للقراءة والتحميل، وتفضلوا بالزيادة عليه ونشره فهذا البحث بلا حقوق نشر)
https://t.co/Em5GWVD9n7
التبيين في ملك اليمين: حال لا صنف!
الفكرة باختصار: ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ في القرآن ليست صنفا من البشر يُباع ويُشترى ويبقى ملكا لغيره طول عمره، بل حال يمر بها إنسان فقير أو يتيم، فيعيش في بيت غيره ويعمل فيه مقابل سكنه وطعامه، بعهد يحميه. والقرآن لم يأمر بإدخال أحد في هذه الحال، بل وجدها قائمة فنظّمها، وحمى من فيها، وفتح له أبواب الخروج منها.
((حال قد تعود))
بقيت في المجتمعات البشرية، إلى وقت قريب، حال يعرفها كل من قرأ التاريخ. حروب تقتل الآباء فيبقى أيتام بلا معيل، فيأخذهم الناس إلى بيوتهم حتى لا يجوعوا. وأسر فقيرة لا تقدر على إطعام أولادها وكسوتهم، فتعطيهم لبيوت ميسورة يخدمون فيها.
هؤلاء لا يأخذون أجرا نقدا، بل يأخذون السكن والطعام والشراب. ولأنهم لا يجمعون مالا، لا يستطيعون أن يتركوا هذه البيوت ويبدؤوا حياة مستقلة بأنفسهم.
ثم تغير العالم: كثرت المدن والأعمال وأبواب الرزق، فقلّت هذه الحال حتى كادت تختفي. لكن الأحوال تتبدل، وقد تعود هذه الحال إن وقعت حروب مدمرة أو كوارث كبرى تهدم العمران وتكثر الأيتام والجياع. ولهذا نحتاج أن نفهم حكمها اليوم، حتى نعرف كيف نتعامل معها إن عادت.
وهذه الحال هي ما يسميه القرآن ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 3]. وقد قيل في الموروث إن الأسير في الحرب يصير بها متاعا يُباع ويُشترى، وإن المرأة منهم تحل لمن هي عنده بلا عقد نكاح. والقرآن لا يقول شيئا من ذلك. وفي هذا المقال نقرأ القرآن وحده: نجمع الآيات التي ذكرت هذه الحال، ونأخذ كل حكم من آيته، ونسكت عما سكت عنه.
ماذا تعني العبارة؟
في قوله ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ كلمتان تحتاجان إلى بيان: «اليمين» و«الملك».
اليمين: العهد
اليمين هنا العهد والعقد. والأيمان في القرآن تُعقد كما تُعقد العقود. ففي السورة نفسها التي فصّلت أحكام هذه الحال: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: 33]، أي الذين بينكم وبينهم عقد. والقرآن يجمع بين الأيمان والعهد في مواضع، منها: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم﴾ [التوبة: 12].
فمعنى ﴿ما ملكت أيمانكم﴾: من صار تحت أمركم بعهد وعقد، لا من قبضت عليه أيديكم.
وتأتي الكلمة مفردة حين يُخاطَب النبي وحده: ﴿وما ملكت يمينك﴾ [الأحزاب: 50]، ومجموعة ﴿أيمانكم﴾ حين يُخاطَب الناس. فالفرق في عدد من يُخاطَب، لا في المعنى.
ولاحظ أن القرآن يستعمل الفعل ﴿ملكت﴾، ولا يجعل لهؤلاء اسما ثابتا يُعرفون به كأنهم نوع من البشر. فهو يصف أمرا وقع بعهد، وما وقع بعهد يمكن أن ينتهي.
الملك: ولاية على الإنسان وعمله
والملك هنا، على الأقرب، ليس امتلاك ذات الإنسان كما تُملك الأشياء، بل ولاية عليه وعلى عمله: أن يكون في رعايتك، تطعمه وتسكنه، ويعمل في بيتك. ويشهد لهذا أن آية العقد نفسها تبدأ بالولاية: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ [النساء: 33].
ومما يدل على أن صاحب هذه الحال إنسان كامل الإرادة، لا شيء يُملك:
• أن له أهلا يُستأذنون إذا أراد أحد نكاحه: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ [النساء: 25]. ولو كان متاعا لما احتاج أحد إلى إذن أهله.
• وأن القرآن يحمي إرادته: ﴿إن أردن تحصنا﴾ [النور: 33].
من هم؟
هم، على الأقرب، أبناء الفقر والحرب.
• الفقر: يقول الله عنهم في الآية التي تأمر بتزويجهم: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: 32].
• الحرب: في الموضع الوحيد الذي يربط هذه الحال بما جاء من الحرب قال: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك﴾ [الأحزاب: 50]. والفيء ما رجع إلى المسلمين من أعدائهم بلا قتال [الحشر: 6]، والقرآن يجعل فيه نصيبا لليتامى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين﴾ [الحشر: 7]. فالأقرب أن من جاء من الحرب أيتام فقدوا آباءهم، فكفلهم المسلمون.
• اليتم: في سورة النساء يُذكرون في آية تبدأ باليتامى [النساء: 3]. لكن ليس كل يتيم منهم، فالقرآن يذكر اليتامى وهؤلاء صنفين مختلفين في آية واحدة [النساء: 36].
• الصغر: في البيت يُذكرون مع الأطفال: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات﴾ [النور: 58]. فأكثرهم، على الأقرب، صغار السن.
((ثلاثة أسماء لفريق واحد))
ويسميهم القرآن بثلاثة أسماء، كل اسم ينظر إليهم من جهة:
• ﴿ما ملكت أيمانكم﴾: من جهة العهد الذي يربطهم بمن يتولاهم.
• ﴿فتياتكم﴾: من جهة السن. والفتى والفتاة في القرآن الشاب والشابة، كما في ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم﴾ [الكهف: 13]. والقرآن نفسه يجعل الفتيات من هذا الفريق: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: 25].
• ﴿عبادكم وإمائكم﴾: من جهة الخدمة التي يقومون بها: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: 32]. وكلمة ﴿عبادكم﴾ لا ترد في القرآن كله إلا في هذه الآية.
وأيا كان الاسم، فالميزان عند الله الإيمان لا المكانة في الناس: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة: 221].
كيف يدخل الإنسان في هذه الحال؟
لا يذكر القرآن طريقا يُدخل به إنسان في هذه الحال. وهذه نقطة مهمة:
• الأسير لا يصير منهم. للأسير في القرآن خياران فقط: أن يُطلق بلا مقابل، أو يُفدى بمال: ﴿فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد: 4]. ولا تذكر آية من آيات الأسرى ﴿ما ملكت﴾، ولا تذكر آية من آيات ﴿ما ملكت﴾ الأسر.
• البيع لم يشرعه القرآن. ما في سورة يوسف قصة يرويها، لا حكم يأمر به، وهو يصف الثمن بأنه بخس: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ [يوسف: 20].
• والإذلال مردود. في قصة موسى يرد النبي على فرعون امتنانه عليه، ويذكّره بإذلاله قومه: ﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾ [الشعراء: 22].
فالقرآن وجد هذه الحال قائمة في الناس فنظّمها، ولم يفتح طريقا إليها.
((أحكامها))
١. الإحسان إليهم:
ذكرهم الله في آية الإحسان، مع الوالدين والأقارب واليتامى والجيران: ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 36].
٢. حياتهم في البيت:
يعيشون في البيت كأهله. لا يُطلب منهم الاستئذان إلا في ثلاثة أوقات يخلو فيها الناس بأنفسهم: قبل صلاة الفجر، وحين يضعون ثيابهم في الظهيرة، وبعد صلاة العشاء. وفي غيرها يدخلون ويخرجون بلا حرج: ﴿ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾ [النور: 58].
ولم يقصر القرآن هذه الولاية على الرجال، بل أضافها إلى النساء أيضا: ﴿ما ملكت أيمانهن﴾ [النور: 31؛ الأحزاب: 55]. فالمرأة قد تكون هي صاحبة العهد والولاية. ولا نكاح بينها وبين من تحت ولايتها، وهذا يدل على أن العهد في أصله عهد عمل وبيت.
فمن هم ﴿ما ملكت أيمانهن﴾ الذين يجوز للمرأة أن تُظهر أمامهم زينتها؟ الأقرب أنهم ذكور صغار لم يكتمل نضجهم:
• ذكور، لأن النساء ذُكرن قبلهم مباشرة: ﴿ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن﴾ [الأحزاب: 55]. فلو كان المقصود النساء العاملات لكان ذكرهن تكرارا.
• وصغار، لأن الآية تذكر بعدهم الرجال البالغين بقيد: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال﴾ [النور: 31]، أي رجال يتبعون البيت ولا حاجة لهم في النساء. فلو كان الرجل البالغ يدخل في ﴿ما ملكت أيمانهن﴾ بلا قيد، لما كان لهذا القيد معنى.
فإذا بلغ الصغير صار كسائر الرجال: لا تُظهر المرأة زينتها أمامه، ويستأذن قبل الدخول في كل وقت، كما قال الله في الأطفال: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾ [النور: 59]. ويبقى عهد عمله قائما حتى يطلب الخروج منه.
وفي قصة يوسف عبرة، لا حكم. غلام دخل بيتا وأهل البيت يقولون: ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ [يوسف: 21]. ثم كبر: ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما﴾ [يوسف: 22]. فجاءت الفتنة: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه﴾ [يوسف: 23].
٣. النكاح
لا تحل الفتاة التي تحت الولاية إلا بنكاح وعقد، كأي امرأة. وللنكاح في الآية ثلاثة شروط: إذن أهلها، وأجر يُعطى لها هي، وأن يكون علنيا لا علاقة سرية: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ [النساء: 25].
ولمن هذا النكاح؟ لمن لا يقدر ماليا على غيره: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: 25]، والطول القدرة والسعة. وسببه أن يخشى الرجل على نفسه المشقة: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ [النساء: 25]. ومع ذلك يقول القرآن إن الصبر عنه أفضل: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ [النساء: 25].
والطريق الأول الذي يأمر به القرآن من يتولاهم أن يزوّجهم لمن يصلح لهم: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: 32].
ولها أن ترفض، ولا يجوز إكراهها: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾ [النور: 33]. فإن رفضت بقيت كما كانت: لا تحل له.
وعقدها ليس كعقد الزوجة تماما. فالقرآن يذكر الزوجات وهؤلاء صنفين منفصلين: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: 6]. والأقرب أن عقدها أقل من عقد الزوجية أو مختلف عنه، والقرآن سكت عن تفاصيل الفرق، فنسكت حيث سكت.
وقد قيل إن آية في سورة النساء تبيح للرجل المتزوجة إن كانت من هؤلاء: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 24]. والمحصنات هنا المتزوجات. والأقرب أن ﴿إلا﴾ هنا بمعنى «لكن»: يحرم عليكم نكاح المتزوجات، لكن ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ أمر آخر تفصله الآية التي بعدها. ومثله في السورة نفسها: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: 29]. فالتجارة ليست نوعا من الباطل استُثني منه، بل أمر آخر حلال. والمؤمنة التي تهاجر وتترك زوجها الكافر تحتاج نكاحا جديدا بأجر: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ [الممتحنة: 10].
((اعتراض وجواب))
قد يسأل سائل: لماذا يحل لرجل أن ينكح الفتيات اللاتي يخدمن في بيته؟
والجواب أن القرآن واقعي، ينظم المجتمع كما هو. رجل وفتاة تخدم في بيته، يعيشان تحت سقف واحد، باب قريب إلى الزنى. والقرآن لا ينهى عن الزنى وحده، بل عن الاقتراب منه: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: 32]. وقصة يوسف صورة هذا الخطر، والخطر فيها جاء من صاحبة البيت: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب﴾ [يوسف: 23].
فرتّب القرآن الحل:
• أن يزوّجها من يتولاها لمن يصلح لها.
• أو ينكحها من لا يقدر على غيرها، بعقد معلن يُعرف فيه أبو الولد إن جاء ولد: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ [الأحزاب: 5].
• وجعل إذن أهلها شرطا. وأهلها طرف من خارج البيت، يحمي رضاها، لأنها تأكل وتسكن عند من يطلبها فقد تستحي أن ترفض.
• وجعل الأجر لها هي، لا لأهلها ولا لمن تعمل عنده.
• فإن رفضت فلا إكراه، وعليه أن يبتعد عن الاختلاط بها ما استطاع.
• وإن أرادت الخروج من العهد كله فطريقها «الكتاب» الذي يأتي بيانه.
ولا يذكر القرآن بيعا لأحد من هؤلاء، ولا نقلا لعهده من بيت إلى بيت.
٤. العقوبة:
إذا تزوجت الفتاة التي تحت الولاية ثم ارتكبت الفاحشة، فعقوبتها نصف عقوبة غيرها: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: 25].
لماذا النصف؟ لأن العقوبة في القرآن على قدر المكانة. من علت مكانته ضوعفت عقوبته، كما في نساء النبي: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: 30]. ومن ضعف حاله خُففت عنه. وبعد آية النصف بثلاث آيات يقول الله: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: 28].
وهذا يدل على أن العقوبة شيء يمكن أن يُقسم نصفين ويُضاعف، وهو الجلد: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: 2]. أما القتل فلا يمكن أن يُنصّف ولا أن يُضاعف.
٥. الخروج بالمكاتبة:
العهد ملزم للطرفين، ويحمي من تحت الولاية كما يحمي عقد العمل اليوم العامل. وكما لا يستطيع العامل أن يترك عمله فجأة لأنه سيجوع، لا يستطيع هذا أن يترك البيت بلا شيء.
فجعل القرآن له مخرجا اسمه «الكتاب»، أي عقد مكتوب ينهي به العهد، يطلبه هو: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: 33].
وأرى أن هذا المخرج مرتب حتى لا يخرج صاحبه إلى الفقر من جديد. فـ«الخير» في القرآن يأتي بمعنى المال، كما في ﴿إن ترك خيرا الوصية﴾ [البقرة: 180]. ثم يأمر الله أن يُعطى مالا يبدأ به حياته: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: 33].
وهذا على صورة ما أمر به القرآن في اليتيم: إذا كبر وظهر رشده أُعطي ماله: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: 6].
٦. أبواب التحرير:
وفتح القرآن أبوابا أخرى لإخراجهم من هذه الحال، وجعلها عبادة:
• كفارة لبعض الذنوب، في ثلاث آيات: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92]، و﴿أو تحرير رقبة﴾ [المائدة: 89]، و﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: 3].
• عقبة يقتحمها المؤمن، أي عمل صعب يرتفع به: ﴿فك رقبة﴾ [البلد: 13].
• مصرف من مصارف الصدقات المفروضة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب﴾ [التوبة: 60].
• باب من البر: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب﴾ [البقرة: 177].
فتحرير الرقبة، على الأقرب، مال يُدفع لينتهي عهد إنسان ويقوم على نفسه.
((تحرير الرقبة اليوم))
واليوم لا نكاد نجد هذه الحال كما وصفها القرآن: خدم يحتاجون إلى من يتولاهم في كل شيء. فكيف نحرر رقبة اليوم؟ الأقرب أن ذلك يكون بسداد دين إنسان، أو إخراجه من مصيبة أو ورطة.
لكن آية الصدقات تفرّق بين صنفين متجاورين: ﴿وفي الرقاب والغارمين﴾ [التوبة: 60]. والغارمون هم المدينون. فما الفرق بينهما؟
• الغارم: مدين عجز عن السداد، لكنه يملك نفسه وعمله.
• الرقبة: إنسان صار دينه أو حاجته قيدا عليه، يملك عليه عمله أو حريته، فلا يستطيع الخروج منه بنفسه. ومن صوره: من يُسجن بسبب دينه، ومن يعمل عند دائنه حتى يسدد ولا يبقى له ما يكفيه، والعامل الذي تُحتجز أوراقه فلا يستطيع ترك عمله.
وهذه أقرب صورة اليوم للحال التي وصفها القرآن، وما زالت في بعض البلدان صور قريبة منها.
((الخلاصة: حال لا صنف!!))
• لم يذكر القرآن طريقا يُدخل به إنسان في هذه الحال.
• وفتح أبواب الخروج منها كلها: الكتاب لمن طلبه، والتحرير كفارة، وفك الرقبة عقبة يقتحمها المؤمن، والمال في الرقاب فريضة، وتزويجهم أمر.
• وأحكامها كلها حماية لمن فيها: إحسان، وعهد يحميه من الجوع، ونكاح بإذن أهله ورضاه وأجره، ولا إكراه، وعقوبة مخففة لضعف حاله.
فإن عادت هذه الحال يوما، بحرب أو كارثة، فقد نظّمها القرآن من قبل: كفالة لا قهر، وعهد لا متاع، وأبواب خروج مفتوحة.
من نصدق البخاري أم الله؟
روى البخاري: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.. وقد قيلت في سياق خبر عن الفرس، ثم صارت قاعدة عامة في الموروث.
بينما القرآن يعرض قصة ملكة حكمت قومها، فكانت:
•تشاور: ﴿يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون﴾ [النمل: 32].
•ترفض منطق القوة: حين قال لها قومها ﴿نحن أولو قوة وأولو بأس شديد﴾، قالت: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ [النمل: 33-34].
•تختار الحكمة: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون﴾ [النمل: 35].
•وتنتهي إلى الحق: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ [النمل: 44].
حمت قومها من الحرب، وانتهت هي إلى الإسلام مع سليمان لله رب العالمين. فأي فلاح أعظم من هذا؟
تحذير 🛑 هل في المرجعية حل وسط؟
قد تقول: اقتنعتُ، أو صار عندي شك، أن القرآن وحده مصدر التشريع. لكن في صدري حرجاً، وأرى أن الأخذ ببعض السنة، دون غلو ودون تحليل الدماء، حل وسط جيد. فهل أنجو إن فعلت؟
هذا سؤال صادق، ويستحق جواباً صادقاً. والمقال تعقيب على المقال السابق ((خطوة خطوة إلى الكتاب وحد)). هناك سألنا: من له أن يحلّ ويحرّم؟ فكان الجواب: الله وحده، بما أنزل في كتابه. وهنا نسأل: ما اسم أن تجعل مع الكتاب مصدراً آخر في الدين، ولو في حكم واحد؟
والجواب في الكتاب نفسه، بلفظه. ونمشي إليه كما مشينا هناك: خطوة خطوة، كل خطوة سؤال جوابه آية.
قبل أن نبدأ:
ثلاثة أمور قبل الخطوة الأولى، حتى لا يُحمَّل المقال ما لا يقول:
• لا نحكم على أحد. نسمي الفعل بالاسم الذي سماه الله به، أما الأشخاص فحسابهم عند ربهم: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: 125].
• لا نقول إن كل ما ورثته باطل، ولا إن صلاتك بهيئتها المتوارثة باطلة. الحد الذي يرسمه المقال ليس في ما تفعله، بل في ما تنسبه إلى الله.
• لا نستشهد إلا بالقرآن، ونقرأ كل آية كاملة في سياقها. ومن رفض خطوة فليرفضها بآية، لا باحتمال.
وفي آخر كل خطوة سطر بما سلّمت به.
الخطوة الأولى: ما الشرك في القرآن؟
يظن كثيرون أن الشرك حجر يُعبد. لكن القرآن يعرّفه بمعيار لا يتعلق بشكل المعبود:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]
الشرك هنا إشراك ﴿ما لم ينزل به سلطانا﴾. فالمعيار غياب الحجة المنزلة، حجراً كان الشريك أو بشراً أو كتاباً. والآية قرنته بالقول على الله بغير علم، لأن من جعل في دين الله ما لم ينزله الله فقد قال عليه ما لا يعلم.
وسمّى القرآن من يضع للناس ديناً لم يأذن به شركاء، بلفظه:
﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: 21]
الشريك في هذه الآية لا يُسجد له ولا يُدعى، بل ﴿شرعوا﴾.
ما تسلّم به هنا: الشرك في القرآن أن تجعل في الدين مرجعية لم ينزل الله بها سلطاناً، والتشريع من دون الله شرك بنص الآية.
الخطوة الثانية: هل يجتمع الشرك مع الإيمان والصلاة؟
قد تقول: أنا مؤمن بالله، أصلي وأصوم، فكيف أكون مشركاً؟ والقرآن يجيب:
﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: 106]
إيمان وشرك في قلب واحد. وفي سورة الروم خطاب لمن يقيمون الصلاة، ثم تحذير، ثم تعريف:
﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [الروم: 31-32]
المحذَّرون يقيمون الصلاة، والمشركون في الآية هم ﴿الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾. فالمرجعية الواحدة تجمع، والمرجعيات المتعددة تفرّق: لكل فريق رجاله وكتبه، فيصير الدين الواحد أدياناً، وكل حزب فرح بما عنده.
ما تسلّم به هنا: الشرك يجتمع مع الإيمان بالله وإقامة الصلاة، وعلامته في الأمة التفرق شيعاً.
الخطوة الثالثة: هل يكفي حكم واحد؟
تقول: لن آخذ من خارج القرآن إلا القليل. فلننظر في أصغر حكم ذكره القرآن في هذا الباب: حكم في الطعام.
﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: 121]
حكم في الأكل، لا في العقيدة ولا في الدماء. ومع ذلك قال لمن يطيع من يجادله ليُحلّ له ما حرّم الله: ﴿إنكم لمشركون﴾. لم يقل: عصاة، ولا مخطئون.
وقبلها بآيتين يقرر أن التحريم مفصّل:
﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم﴾ [الأنعام: 119]
فما فُصّل لا يُضاف إليه، ومن أضاف فإنما يضل بهواه بغير علم.
فإن قيل: الآية فيمن أحلّ ما حرّم الله، لا فيمن حرّم احتياطاً.
قلنا: التحريم بغير إذن ليس أهون في القرآن من التحليل بغير إذن: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: 59]. فالجعل في الاتجاهين سواء: إما إذن من الله، وإما افتراء عليه.
ما تسلّم به هنا: الطاعة في حكم واحد يُحلّ أو يُحرّم بغير ما أنزل الله يسميها القرآن شركاً، ولو كان الحكم في الطعام.
الخطوة الرابعة: وإن كان المنسوب إليه نبياً؟
قد تقول: أنا لا أتبع الأحبار، بل سنة النبي. والقرآن جعل اتخاذ الأرباب طاعةً في التحليل والتحريم: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة: 31]، في سياق قوم ﴿لا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة: 29]. ثم نفى ذلك عن النبيين أنفسهم:
﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ [آل عمران: 79]
﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: 80]
النبي نفسه يدعو الناس إلى أن يكونوا ربانيين ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب﴾، لا بشيء من عنده. وقد مرّ في المقال الأول أن الرسول متّبِع لا مشرّع: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: 15].
فالشريك ليس الرسول. الشريك كلام نُسب إليه ثم جُعل ديناً لم ينزله الله، ومن يقرر أيّ ذلك الكلام دين: المصحّح والمضعّف والمذهب.
ما تسلّم به هنا: لا يُتخذ أحد رباً من دون الله، ولا النبيون، والرباني من يعلّم الكتاب لا من يضيف إليه.
الخطوة الخامسة: الحل الوسط في ميزان القرآن
الحل الوسط أن تعطي الكتاب أكثر دينك، وتعطي غيره قليلاً. والقرآن وصف هذه القسمة نفسها:
﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ [الأنعام: 136]
لم ينكروا الله، بل جعلوا له نصيباً، ولغيره نصيباً. وضرب الله لذلك مثلاً:
﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [الزمر: 29]
رجل فيه شركاء يتنازعونه: هذا يأمره، وذاك ينهاه، فلا يعرف لمن يستجيب. والله عند المشرك أحد هؤلاء الشركاء، لا غائب عنهم. والتشاكس لا يأتي من الله، فأمره واحد لا اختلاف فيه: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: 82]؛ إنما يأتي من الشركاء الذين أُدخلوا معه.
وفي المقابل رجل ﴿سلما لرجل﴾: مرجعية واحدة، يعرف ما يُطلب منه. ثم السؤال: ﴿هل يستويان مثلا﴾؟
فالحل الوسط ليس منزلة بين التوحيد والشرك. هو صورة الرجل الأول بعينها، بشريكين بدل عشرة.
ما تسلّم به هنا: نصيب لله ونصيب لغيره هو قسمة المشركين في الأنعام، ورجل فيه شركاء في الزمر، ولو كان نصيب الشريك قليلاً.
الخطوة السادسة: «لكني لا أغلو ولا أحلّ دماً»
هذا حسن، لكنه لا يغيّر الاسم. فالحد الذي يرسمه القرآن ليس في حجم ما تأخذه ولا في شدته، بل في ما تدّعيه له. وآية الأنعام كانت في طعام، لا في دم.
خذ رجلين يصليان بالهيئة نفسها. الأول يقول: هذه هيئة ورثتها واخترتها، ولا أُلزم بها أحداً. والثاني يقول: هذا ما فرضه الله، ومن خالفه بطلت صلاته. الفعل واحد، والادعاء مختلف. الأول في سعة ما سكت عنه الكتاب: ﴿عفا الله عنها﴾ [المائدة: 101]. والثاني نسب إلى الله ما لم ينزله:
﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [النحل: 116]
فاسأل نفسك: ماذا تعني بـ«الالتزام ببعض السنة»؟
• إن كنت تعني أنك تراه ديناً فرضه الله، تأثم بتركه، وتُنكر على من لم يأخذ به، فهذا حكم من خارج الكتاب جعلته ديناً، وهو ما سمّته الخطوة الثالثة باسمه، قلّ أو كثر.
• وإن كنت تعني أنك تختار هيئة أو عادة فيما سكت عنه الكتاب، لا تنسبها إلى الله ولا تُلزم بها أحداً، فأنت لست في حل وسط أصلاً؛ أنت في سعة الكتاب نفسه.
ما تسلّم به هنا: لا وسط في المصدر، والسعة في العمل: ما تختاره فيما سكت عنه الكتاب لا تنسبه إلى الله ولا تُلزم به أحداً.
الخطوة السابعة: «أحتاط»
قد تقول: آخذ بالرواية احتياطاً، فإن كانت صحيحة لم يفتني شيء. لكن انظر أين يضع القرآن الخطر. آية الأعراف التي بدأنا بها قرنت الشرك بقوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]. وقال:
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: 36]
فالمسؤولية على من نسب إلى الله ما لا يعلم، لا على من توقّف حيث لا علم. ومن ترك ما لم يبيّنه الله في كتابه، فالله لا يؤاخذه به:
﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: 115]
فالخطر في اتجاه واحد. من ترك رواية لا يعلم أنها من الله لم يقل على الله شيئاً. ومن جعلها ديناً بالظن فقد قال على الله ما لا يعلم. والظن هو ما وصف الله به اتباع الشركاء: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: 23].
ما تسلّم به هنا: الاحتياط ألا تنسب إلى الله ما لا تعلم، لا أن تزيد على دينه بالظن.
الخطوة الثامنة: «ما زال في صدري حرج»
الحرج من الكتاب نهى الله عنه في أول سورة الأعراف، ثم أمر بالاتباع في الآية التي تليها:
﴿كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين﴾ [الأعراف: 2]
﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [الأعراف: 3]
فمن أين يأتي هذا الحرج؟ كثير منه هيبة أسماء: «شيخ الإسلام»، «أصح كتاب بعد القرآن»، «الفرقة الناجية». والقرآن سمّى ما تحت هذه الهيبة:
﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ [النجم: 23]
اسم له هيبة، ولا سلطان تحته. وللقرآن اختبار تجريه على نفسك:
﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: 45]
فإن وجدت في صدرك ضيقاً حين يُقال «الكتاب وحده»، وانشراحاً حين يُذكر معه غيره، فاسأل نفسك: ممّ هذا الضيق؟ أمن آية، أم من اسم؟
ما تسلّم به هنا: الحرج من الكتاب نهى الله عنه، وكثير منه هيبة أسماء لم ينزل الله بها سلطاناً.
الخطوة التاسعة: هل أنجو؟
مصيرك ليس بيدي ولا بيد أحد: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: 40]. لكن القرآن يفرّق بين من لم يعلم ومن علم:
﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: 22]
من ورث ما ورث ولم تبلغه الحجة، فأمره إلى الله الذي ﴿لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء: 40]. أما أنت، فقد قرأت الآيات، وسألت سؤالك هذا لأنك شككت. والشك بعد البلاغ لا يُبقي لك عذر من لم يسمع.
والقرآن يقول في الشرك ما لا يقوله في غيره:
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ [النساء: 48]
ثم يفتح الباب لكل من رجع:
﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: 53]، ثم: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ [الزمر: 54].
وثمن الرجوع يسير. لا يُطلب منك أن تترك صلاتك ولا عاداتك، بل أن تكفّ عن نسبة ما لم ينزله الله إليه، وألا تُلزم به أحداً، وأن تجعل الكتاب حكماً على كل ما سواه.
ما تسلّم به هنا: مصيرك لله، لكن العذر يسقط بعد البلاغ، والباب مفتوح لمن أناب، وثمنه يسير.
السلسلة كاملة
هذا ما سلّمت به، خطوة بعد خطوة:
1. الشرك أن تجعل في الدين مرجعية لم ينزل الله بها سلطاناً.
2. يجتمع مع الإيمان والصلاة، وعلامته التفرق شيعاً.
3. الطاعة في حكم واحد بغير ما أنزل الله شرك، ولو في الطعام.
4. لا يُتخذ أحد رباً من دون الله، ولا النبيون.
5. الحل الوسط هو قسمة الأنصبة، ورجل فيه شركاء.
6. لا وسط في المصدر، والسعة في العمل بلا نسبة إلى الله ولا إلزام.
7. الاحتياط ألا تقول على الله ما لا تعلم.
8. الحرج من الكتاب نهى الله عنه.
9. المصير لله، والعذر يسقط بعد البلاغ، والباب مفتوح لمن أناب.
والجواب: ليس في المرجعية حل وسط. إما أن يكون الكتاب وحده حكماً على دينك، وإما أن يكون معه شريك، قلّ نصيبه أو كثر. أما في العمل، فلك سعة ما سكت عنه الكتاب، ما دمت لا تنسبه إلى الله ولا تُلزم به أحداً.
ونختم بما أمر الله نبيه أن يقوله:
﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: 162-163]
شاهدت بالأمس فيديو للمستكبرين في الأرض وللمفسدين فيها، سافكي دماء الأبرياء من أذرع آل سعود في اليمن الحبيب.
رأيت شخصاً يُحسب على الرجال يسحب جثة غارقة في دمائها في مياه البحر، ثم يدعس هذا المسخ بقدمه على رأس جثة الشهيد الهامدة، كما لو كان في ذلك أي إشارة لمعنى النصر.
ما لا يفهمه هذا المجرم هو أن البشر لا يأتيهم النصر إلا من عند الله، فهو الناصر والبشر ما هم إلا منصورون بأمره وبكلمته وبعهده الذي لا يتأخر إلا لكشف أسباب النصر.
لذلك، فإنني أرى جلياً في هذا المشهد المؤسف والقاسي بشائر نصر أهل اليمن الكرام تلوح فوق تلك المياه الممزوجة بالدماء؛ فهؤلاء الجنود من صنعاء اختاروا أن يكونوا أسباباً لكلمة الله ولأمره، خاضعين له حباً ووفاءً لوعده، منتظرين نصره وليس نصرهم، فإن نصره نصر عظيم.
يا أيها اليمني المرابط
بأرض اليُمن وتلك المقامط
بكَتْكَ الجبال دموعاً ..فأضحى
دمعها جمر بكفك الضاغط
ان النصر آت قريباً يالحبيب
بوعد الله آت، رقم أنف الشوامط.
الله يهدينا جميعاً.. لكن متى تستيقظ وتنظر في المرآة؟ أن تُسمّى مسلماً لا يعطيك شيكاً على بياض، ولا يحصّنك بشكل سحري من آيات الشرك والكفر والنفاق. والقرآن قالها لنا قبل غيرنا: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء: 123].
وآيات الشرك لم تُخاطب «غيرنا» وحدهم:
خوطب بها الرسول نفسه: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: 65].
وخوطب بها من يقيمون الصلاة: ﴿وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين﴾ [الروم: 31].
وخوطب بها المؤمنون في حكم طعام: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: 121].
والمنافقون كانوا يصلّون: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [النساء: 142].
ثم إن المقال لم يقل إن الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام شرك، ولا إن اتباع الرسول شرك. قال بنصه: «فالشريك ليس الرسول». وقال في رجلين يصليان بالهيئة نفسها: «الفعل واحد، والادعاء مختلف». فالشرك ليس أن تصلي كما ورثت، بل أن تنسب إلى الله ما لم ينزله، وتُلزم به الناس، وتُبطل به صلاة من خالفك: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: 116].
وأما الاستدلال الدائري، فهو في قولك لا في المقال. أنت تسمّي الروايات «تطبيق الرسول لأوامر القرآن»، وهذا هو محل النزاع نفسه، ثم تبني عليه. والمقال لم يستشهد إلا بآيات.
في هذا المجلد تجدون مجموعة أعمالي مجاناً، بصيغة الـ بي دي إف.
⬜️ للاطلاع والتحميل:👇
https://t.co/uzwu1TQPUi
** ساهموا في النشر، بارككم المولى، لتصل دعوتنا إلى أكبر عدد ممكن من جماهير الأمة في كل مكان.
#اقرأ
تحذير 🛑 هل في المرجعية حل وسط؟
قد تقول: اقتنعتُ، أو صار عندي شك، أن القرآن وحده مصدر التشريع. لكن في صدري حرجاً، وأرى أن الأخذ ببعض السنة، دون غلو ودون تحليل الدماء، حل وسط جيد. فهل أنجو إن فعلت؟
هذا سؤال صادق، ويستحق جواباً صادقاً. والمقال تعقيب على المقال السابق ((خطوة خطوة إلى الكتاب وحد)). هناك سألنا: من له أن يحلّ ويحرّم؟ فكان الجواب: الله وحده، بما أنزل في كتابه. وهنا نسأل: ما اسم أن تجعل مع الكتاب مصدراً آخر في الدين، ولو في حكم واحد؟
والجواب في الكتاب نفسه، بلفظه. ونمشي إليه كما مشينا هناك: خطوة خطوة، كل خطوة سؤال جوابه آية.
قبل أن نبدأ:
ثلاثة أمور قبل الخطوة الأولى، حتى لا يُحمَّل المقال ما لا يقول:
• لا نحكم على أحد. نسمي الفعل بالاسم الذي سماه الله به، أما الأشخاص فحسابهم عند ربهم: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: 125].
• لا نقول إن كل ما ورثته باطل، ولا إن صلاتك بهيئتها المتوارثة باطلة. الحد الذي يرسمه المقال ليس في ما تفعله، بل في ما تنسبه إلى الله.
• لا نستشهد إلا بالقرآن، ونقرأ كل آية كاملة في سياقها. ومن رفض خطوة فليرفضها بآية، لا باحتمال.
وفي آخر كل خطوة سطر بما سلّمت به.
الخطوة الأولى: ما الشرك في القرآن؟
يظن كثيرون أن الشرك حجر يُعبد. لكن القرآن يعرّفه بمعيار لا يتعلق بشكل المعبود:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]
الشرك هنا إشراك ﴿ما لم ينزل به سلطانا﴾. فالمعيار غياب الحجة المنزلة، حجراً كان الشريك أو بشراً أو كتاباً. والآية قرنته بالقول على الله بغير علم، لأن من جعل في دين الله ما لم ينزله الله فقد قال عليه ما لا يعلم.
وسمّى القرآن من يضع للناس ديناً لم يأذن به شركاء، بلفظه:
﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: 21]
الشريك في هذه الآية لا يُسجد له ولا يُدعى، بل ﴿شرعوا﴾.
ما تسلّم به هنا: الشرك في القرآن أن تجعل في الدين مرجعية لم ينزل الله بها سلطاناً، والتشريع من دون الله شرك بنص الآية.
الخطوة الثانية: هل يجتمع الشرك مع الإيمان والصلاة؟
قد تقول: أنا مؤمن بالله، أصلي وأصوم، فكيف أكون مشركاً؟ والقرآن يجيب:
﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: 106]
إيمان وشرك في قلب واحد. وفي سورة الروم خطاب لمن يقيمون الصلاة، ثم تحذير، ثم تعريف:
﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [الروم: 31-32]
المحذَّرون يقيمون الصلاة، والمشركون في الآية هم ﴿الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾. فالمرجعية الواحدة تجمع، والمرجعيات المتعددة تفرّق: لكل فريق رجاله وكتبه، فيصير الدين الواحد أدياناً، وكل حزب فرح بما عنده.
ما تسلّم به هنا: الشرك يجتمع مع الإيمان بالله وإقامة الصلاة، وعلامته في الأمة التفرق شيعاً.
الخطوة الثالثة: هل يكفي حكم واحد؟
تقول: لن آخذ من خارج القرآن إلا القليل. فلننظر في أصغر حكم ذكره القرآن في هذا الباب: حكم في الطعام.
﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: 121]
حكم في الأكل، لا في العقيدة ولا في الدماء. ومع ذلك قال لمن يطيع من يجادله ليُحلّ له ما حرّم الله: ﴿إنكم لمشركون﴾. لم يقل: عصاة، ولا مخطئون.
وقبلها بآيتين يقرر أن التحريم مفصّل:
﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم﴾ [الأنعام: 119]
فما فُصّل لا يُضاف إليه، ومن أضاف فإنما يضل بهواه بغير علم.
فإن قيل: الآية فيمن أحلّ ما حرّم الله، لا فيمن حرّم احتياطاً.
قلنا: التحريم بغير إذن ليس أهون في القرآن من التحليل بغير إذن: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: 59]. فالجعل في الاتجاهين سواء: إما إذن من الله، وإما افتراء عليه.
ما تسلّم به هنا: الطاعة في حكم واحد يُحلّ أو يُحرّم بغير ما أنزل الله يسميها القرآن شركاً، ولو كان الحكم في الطعام.
الخطوة الرابعة: وإن كان المنسوب إليه نبياً؟
قد تقول: أنا لا أتبع الأحبار، بل سنة النبي. والقرآن جعل اتخاذ الأرباب طاعةً في التحليل والتحريم: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة: 31]، في سياق قوم ﴿لا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة: 29]. ثم نفى ذلك عن النبيين أنفسهم:
﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ [آل عمران: 79]
﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: 80]
النبي نفسه يدعو الناس إلى أن يكونوا ربانيين ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب﴾، لا بشيء من عنده. وقد مرّ في المقال الأول أن الرسول متّبِع لا مشرّع: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: 15].
فالشريك ليس الرسول. الشريك كلام نُسب إليه ثم جُعل ديناً لم ينزله الله، ومن يقرر أيّ ذلك الكلام دين: المصحّح والمضعّف والمذهب.
ما تسلّم به هنا: لا يُتخذ أحد رباً من دون الله، ولا النبيون، والرباني من يعلّم الكتاب لا من يضيف إليه.
الخطوة الخامسة: الحل الوسط في ميزان القرآن
الحل الوسط أن تعطي الكتاب أكثر دينك، وتعطي غيره قليلاً. والقرآن وصف هذه القسمة نفسها:
﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ [الأنعام: 136]
لم ينكروا الله، بل جعلوا له نصيباً، ولغيره نصيباً. وضرب الله لذلك مثلاً:
﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [الزمر: 29]
رجل فيه شركاء يتنازعونه: هذا يأمره، وذاك ينهاه، فلا يعرف لمن يستجيب. والله عند المشرك أحد هؤلاء الشركاء، لا غائب عنهم. والتشاكس لا يأتي من الله، فأمره واحد لا اختلاف فيه: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: 82]؛ إنما يأتي من الشركاء الذين أُدخلوا معه.
وفي المقابل رجل ﴿سلما لرجل﴾: مرجعية واحدة، يعرف ما يُطلب منه. ثم السؤال: ﴿هل يستويان مثلا﴾؟
فالحل الوسط ليس منزلة بين التوحيد والشرك. هو صورة الرجل الأول بعينها، بشريكين بدل عشرة.
ما تسلّم به هنا: نصيب لله ونصيب لغيره هو قسمة المشركين في الأنعام، ورجل فيه شركاء في الزمر، ولو كان نصيب الشريك قليلاً.
الخطوة السادسة: «لكني لا أغلو ولا أحلّ دماً»
هذا حسن، لكنه لا يغيّر الاسم. فالحد الذي يرسمه القرآن ليس في حجم ما تأخذه ولا في شدته، بل في ما تدّعيه له. وآية الأنعام كانت في طعام، لا في دم.
خذ رجلين يصليان بالهيئة نفسها. الأول يقول: هذه هيئة ورثتها واخترتها، ولا أُلزم بها أحداً. والثاني يقول: هذا ما فرضه الله، ومن خالفه بطلت صلاته. الفعل واحد، والادعاء مختلف. الأول في سعة ما سكت عنه الكتاب: ﴿عفا الله عنها﴾ [المائدة: 101]. والثاني نسب إلى الله ما لم ينزله:
﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [النحل: 116]
فاسأل نفسك: ماذا تعني بـ«الالتزام ببعض السنة»؟
• إن كنت تعني أنك تراه ديناً فرضه الله، تأثم بتركه، وتُنكر على من لم يأخذ به، فهذا حكم من خارج الكتاب جعلته ديناً، وهو ما سمّته الخطوة الثالثة باسمه، قلّ أو كثر.
• وإن كنت تعني أنك تختار هيئة أو عادة فيما سكت عنه الكتاب، لا تنسبها إلى الله ولا تُلزم بها أحداً، فأنت لست في حل وسط أصلاً؛ أنت في سعة الكتاب نفسه.
ما تسلّم به هنا: لا وسط في المصدر، والسعة في العمل: ما تختاره فيما سكت عنه الكتاب لا تنسبه إلى الله ولا تُلزم به أحداً.
الخطوة السابعة: «أحتاط»
قد تقول: آخذ بالرواية احتياطاً، فإن كانت صحيحة لم يفتني شيء. لكن انظر أين يضع القرآن الخطر. آية الأعراف التي بدأنا بها قرنت الشرك بقوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]. وقال:
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: 36]
فالمسؤولية على من نسب إلى الله ما لا يعلم، لا على من توقّف حيث لا علم. ومن ترك ما لم يبيّنه الله في كتابه، فالله لا يؤاخذه به:
﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: 115]
فالخطر في اتجاه واحد. من ترك رواية لا يعلم أنها من الله لم يقل على الله شيئاً. ومن جعلها ديناً بالظن فقد قال على الله ما لا يعلم. والظن هو ما وصف الله به اتباع الشركاء: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: 23].
ما تسلّم به هنا: الاحتياط ألا تنسب إلى الله ما لا تعلم، لا أن تزيد على دينه بالظن.
الخطوة الثامنة: «ما زال في صدري حرج»
الحرج من الكتاب نهى الله عنه في أول سورة الأعراف، ثم أمر بالاتباع في الآية التي تليها:
﴿كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين﴾ [الأعراف: 2]
﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [الأعراف: 3]
فمن أين يأتي هذا الحرج؟ كثير منه هيبة أسماء: «شيخ الإسلام»، «أصح كتاب بعد القرآن»، «الفرقة الناجية». والقرآن سمّى ما تحت هذه الهيبة:
﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ [النجم: 23]
اسم له هيبة، ولا سلطان تحته. وللقرآن اختبار تجريه على نفسك:
﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: 45]
فإن وجدت في صدرك ضيقاً حين يُقال «الكتاب وحده»، وانشراحاً حين يُذكر معه غيره، فاسأل نفسك: ممّ هذا الضيق؟ أمن آية، أم من اسم؟
ما تسلّم به هنا: الحرج من الكتاب نهى الله عنه، وكثير منه هيبة أسماء لم ينزل الله بها سلطاناً.
الخطوة التاسعة: هل أنجو؟
مصيرك ليس بيدي ولا بيد أحد: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: 40]. لكن القرآن يفرّق بين من لم يعلم ومن علم:
﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: 22]
من ورث ما ورث ولم تبلغه الحجة، فأمره إلى الله الذي ﴿لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء: 40]. أما أنت، فقد قرأت الآيات، وسألت سؤالك هذا لأنك شككت. والشك بعد البلاغ لا يُبقي لك عذر من لم يسمع.
والقرآن يقول في الشرك ما لا يقوله في غيره:
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ [النساء: 48]
ثم يفتح الباب لكل من رجع:
﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: 53]، ثم: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ [الزمر: 54].
وثمن الرجوع يسير. لا يُطلب منك أن تترك صلاتك ولا عاداتك، بل أن تكفّ عن نسبة ما لم ينزله الله إليه، وألا تُلزم به أحداً، وأن تجعل الكتاب حكماً على كل ما سواه.
ما تسلّم به هنا: مصيرك لله، لكن العذر يسقط بعد البلاغ، والباب مفتوح لمن أناب، وثمنه يسير.
السلسلة كاملة
هذا ما سلّمت به، خطوة بعد خطوة:
1. الشرك أن تجعل في الدين مرجعية لم ينزل الله بها سلطاناً.
2. يجتمع مع الإيمان والصلاة، وعلامته التفرق شيعاً.
3. الطاعة في حكم واحد بغير ما أنزل الله شرك، ولو في الطعام.
4. لا يُتخذ أحد رباً من دون الله، ولا النبيون.
5. الحل الوسط هو قسمة الأنصبة، ورجل فيه شركاء.
6. لا وسط في المصدر، والسعة في العمل بلا نسبة إلى الله ولا إلزام.
7. الاحتياط ألا تقول على الله ما لا تعلم.
8. الحرج من الكتاب نهى الله عنه.
9. المصير لله، والعذر يسقط بعد البلاغ، والباب مفتوح لمن أناب.
والجواب: ليس في المرجعية حل وسط. إما أن يكون الكتاب وحده حكماً على دينك، وإما أن يكون معه شريك، قلّ نصيبه أو كثر. أما في العمل، فلك سعة ما سكت عنه الكتاب، ما دمت لا تنسبه إلى الله ولا تُلزم به أحداً.
ونختم بما أمر الله نبيه أن يقوله:
﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: 162-163]
تحذير 🛑 هذا المقال قد يغيّر أفكارك وقناعاتك ومسلّماتك. لا يستشهد إلا بالقرآن، فاقرأه بتمعّن حتى آخره قبل أن تحكم!
((خطوة خطوة إلى الكتاب وحده))
هذا المقال لا يستشهد إلا بالقرآن، لأنه الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الجميع. وهو يمشي معك خطوة خطوة: كل خطوة سؤال جوابه آية، ولا ننتقل إلى التي بعدها حتى تسلّم بالتي قبلها.
قبل أن نبدأ:
ما نقوله سؤال واحد محدد: هل في الدين مصدر يُلزم المسلم، يُحلّ ويحرّم ويفرض ويعاقب، غير الكتاب الذي أنزله الله؟ وجوابنا: لا.
وما لا نقوله:
• لا ننكر الرسول ولا طاعته. هو رسول الله، والإيمان به من الإيمان، ومن عصاه في حياته فقد عصى الله.
• لا نقول إن كل ما رُوي عنه كذب، ولا نمنع أحداً من قراءة التاريخ والسيرة.
• لا نقول إن كل ما أُعلم به الرسول نصه في المصحف.
• لا نمنع الاجتهاد؛ فمن فهم من الكتاب شيئاً عمل به، ولم يُلزم به غيره.
وللطريق ثلاث قواعد:
1. لا نستشهد إلا بالقرآن، لأنه وحده المتفق عليه بين الجميع. ولا يصح أن تُثبت حجية شيء بذلك الشيء نفسه.
2. نقرأ كل آية كاملة وفي سياقها.
3. من قال إن الله حرّم شيئاً أو فرضه فعليه البيّنة. وهذه ليست قاعدة نضعها نحن، بل طريقة القرآن مع من حرّموا ما لم يحرّمه الله: ﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا﴾ [الأنعام: 150]. لم يطالبهم بأن يثبتوا أنه لم يحرّم، بل بأن يأتوا بمن يشهد أنه حرّم.
وفي آخر كل خطوة سطر بما سلّمت به. فإن رفضت خطوة فارفضها بآية تُقرأ كاملة في سياقها، لا باحتمال.
الخطوة الأولى: من له أن يحلّ ويحرّم؟
﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم﴾ [يوسف: 40]
﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾ [الكهف: 26]
﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: 10]
الحكم لله، وهذا هو ﴿الدين القيم﴾. ولهذا سمّى القرآن من وضع للناس ديناً لم يأذن به الله شريكاً:
﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: 21]
وسمّى طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم اتخاذاً لهم أرباباً: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة: 31]. والسياق قبلها يصف القوم بأنهم ﴿لا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة: 29]. فالربوبية هنا ربوبية تحليل وتحريم، ولا ذكر فيها لسجود ولا لادعاء ألوهية.
وانتبه إلى عبارة ﴿ما لم يأذن به الله﴾: كل تشريع يحتاج إلى إذن من الله. فإن قيل: إن الله أذن لرسوله أن يشرّع، فهذا الإذن نفسه حكم من الله، فلا يثبت إلا بكلامه. وهذا ما نبحث عنه في الخطوات التالية.
ما تسلّم به هنا: التحليل والتحريم والفرض حق لله وحده، ولا يصير شيء ديناً إلا بإذنه.
الخطوة الثانية: كيف نعرف ما أذن الله به؟
سأل القرآن من حرّموا بعض الرزق: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: 59]. فإما إذن من الله، وإما افتراء عليه، ولا ثالث.
ثم بيّن ما يُعرف به الإذن. ففي سياق ما حرّمه المشركون من الأنعام طالبهم بالعلم: ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ [الأنعام: 143]، وبالشهادة: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾ [الأنعام: 144]، ثم سمّى ما دون العلم ظناً وخرصاً: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون﴾ [الأنعام: 148].
وجعل القول على الله بغير علم في قائمة المحرمات الكبرى، إلى جانب الشرك:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]
وحين يكون الظن في الدين، لم يقسمه القرآن إلى راجح يُتّبع ومرجوح يُترك، بل قابله كله بالعلم: ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: 28].
فإن قيل: نحن نعمل بالظن كل يوم: بالشهادة في القضاء، وبالأخبار في شؤوننا. والقرآن نفسه أمر بالتبيّن من خبر الفاسق ولم يأمر برده.
قلنا: هذا باب آخر. الشهادة والأخبار عن الوقائع بين الناس لها أحكامها في الكتاب: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282]، ومنها: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ [الحجرات: 6]. وآية التبيّن في واقعة تمس قوماً، لا في حكم يُنسب إلى الله. ثم إنها تأمر ببلوغ البيان قبل العمل، فما لم يتبيّن لا يُبنى عليه. أما أن تقول: «الله حرّم كذا» أو «فرض كذا»، فهذا قول على الله، ولم يقبل فيه القرآن إلا العلم.
فاسأل نفسك عن كل حكم يُقال لك إنه من دين الله: هل عندك به علم كعلمك بأن هذه الآية من كتاب الله؟
ما تسلّم به هنا: لا يُنسب حكم إلى الله إلا بعلم، وما دون العلم ظن لا يغني من الحق شيئاً.
الخطوة الثالثة: ما الذي أنزله الله؟
أمر الله المؤمنين أن يتّبعوا ما أنزل، ونهاهم عن اتباع غيره:
﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [الأعراف: 3]
فما هذا المنزل؟ يسمّيه القرآن باسمه:
﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ [الأنعام: 155]
﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: 48]
﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: 114]
المأمور باتباعه هو المنزل، والمنزل اسمه الكتاب. والآية الأولى نهت عن اتباع ﴿من دونه أولياء﴾: كل من يُتّبع في الدين من دون ما أنزل الله، كائناً من كان.
فإن قيل: والحكمة؟ قال الله: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [الجمعة: 2]، والعطف يقتضي أنها شيء غير الكتاب.
قلنا: الحكمة نزلت مع الكتاب، وتُتلى معه:
• ﴿واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [البقرة: 231]، فهي منزلة، وقال ﴿يعظكم به﴾ بالإفراد.
• ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ [الأحزاب: 34]، فهي مما يُتلى.
• وبعد أوامر ونواهٍ في سورة الإسراء قال: ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة﴾ [الإسراء: 39]، فهي من جنس ما في الكتاب.
والعطف قد يجمع أوصافاً لشيء واحد: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ [الأنبياء: 48]، وهي كلها أوصاف لكتاب واحد.
ما تسلّم به هنا: المأمور باتباعه هو ما أنزل الله، وما أنزله الله هو الكتاب، والحكمة نزلت معه وتُتلى.
الخطوة الرابعة: ماذا كان الرسول يتّبع؟
إذا كان المنزل هو الكتاب، فماذا كان الرسول نفسه يتّبع؟ يجيب القرآن على لسانه بصيغة الحصر، ويعيّن المحصور في كل مرة:
• طلب منه المكذبون قرآناً آخر: ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: 15]. فالموحى الذي يتّبعه، في الآية نفسها، هو هذا القرآن الذي طُلب منه تبديله.
• ﴿قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم﴾ [الأعراف: 203]. حصر بـ«إنما»، ثم تعيين بـ«هذا».
• ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: 19]. الوحي الذي يُنذر به الحاضرين ومن يبلغه بعدهم هو هذا القرآن.
• ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية: 18]. هو نفسه على شريعة يتّبعها، لا يضعها.
فإن قيل: كون القرآن وحياً لا يعني أن كل وحي قرآن. وقد قال النبي: ﴿نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: 3]، ولا نجد نص ذلك الإنباء في المصحف.
قلنا: لم نقل إن كل ما أُعلم به الرسول نصه في المصحف. نقول إن الوحي الذي يُتّبع ديناً وتقوم به الحجة على من بلغه هو القرآن، كما في الآيات. أما آية التحريم فإنباء بواقعة خاصة في بيته، لا حكم فيه لأحد، ولم نعرفه أصلاً إلا لأن القرآن أخبرنا به. والله يوحي، بمعنى الإعلام، إلى من ليس نبياً: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: 7]، ولم يقل أحد إن ذلك تشريع.
ما تسلّم به هنا: الرسول متّبِع لا مشرّع، والوحي الذي يتّبعه ديناً ويُنذر به من بلغ هو هذا القرآن.
الخطوة الخامسة: هل حرّم الرسول شيئاً من عنده؟
حين حرّم على نفسه شيئاً أحله الله، ولم يحرّمه على أحد غيره، جاءه العتاب:
﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾ [التحريم: 1]
فإذا عوتب على تحريم يخصه وحده، فكيف يُنسب إليه أنه حرّم على الأمة كلها ما لم يحرّمه الله في كتابه؟
وحين تكلم في محرمات الطعام، أمره الله أن يقول:
﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: 145]
ولم يقل: لا أجد فيما أُنزل في الكتاب، بل ﴿في ما أوحي إلي﴾، وهي عبارة تعم كل ما أوحي إليه. ثم تكرر الحصر في المدينة: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: 173]. وجاءت قائمة المائدة في الآية التي فيها ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: 3]، وبعدها مباشرة: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: 4].
وسمّى القرآن الإتيان بغير الموحى افتراءً على الله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره﴾ [الإسراء: 73]. وسمّى تحريم ما أحل افتراءً كذلك: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: 116].
فإن قيل: هذا تحريم بوحي غير متلو، لا تحريم من عنده.
قلنا: الآية تسد الطريق على القولين معاً. إن كان التحريم من عنده فهو مما عوتب على مثله. وإن قيل إنه وحي، فقد أُمر أن يقول: ﴿لا أجد في ما أوحي إلي﴾، فليس في وحيه كله تحريم طعام غير ما ذكرته الآية.
ما تسلّم به هنا: الرسول لا يحرّم من عنده، وليس في وحيه من محرمات الطعام إلا ما ذكره الكتاب.
الخطوة السادسة: بماذا يُطاع الرسول؟
الرسول يُطاع، وطاعته طاعة لله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: 80]. فالسؤال ليس: هل يُطاع؟ بل: فيمَ يُطاع؟ والقرآن يذكر ثلاثة أوجه.
الأول: التبليغ. رسالته أن يبلّغ ما أُنزل إليه: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: 67]. وحين أمر الله بطاعته حدّد ما عليه: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ [المائدة: 92]. وأدواته في ذلك كلها تعود إلى الكتاب: ﴿قل إنما أنذركم بالوحي﴾ [الأنبياء: 45]، ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [ق: 45]، ﴿يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [الجمعة: 2].
الثاني: القضاء. كان يقضي بين الناس، وقضاؤه ملزم، ولا إيمان لمن رفضه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: 65]. لكن بماذا يقضي؟ السورة نفسها تجيب: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: 105]. فهو قاضٍ يحكم بما أنزل الله، لا مشرّع يضع حكماً معه. والقاضي الذي يحكم بالقانون لا يشارك المشرّع في التشريع. ولهذا لا تعارض بين قوله ﴿حتى يحكموك﴾ وقوله ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾.
الثالث: القيادة. كان يقود جماعة حاضرة، وطاعته فيها واجبة، وليست تلاوة آية:
• يرتّب المقاتلين: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: 121].
• يقسم الفيء: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7].
• يجمعهم على شأن عام لا ينصرفون عنه إلا بإذنه: ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور: 62].
• يشاورهم ثم يعزم: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ [آل عمران: 159].
هذه طاعة حقيقية لا ننكرها. لكنها قيادة وقضاء في وقائع حاضرة، مع قوم حاضرين. ولم يقل القرآن إن كل أمر أصدره قائداً في معركة، أو كل قضاء قضاه في خصومة، يصير شرعاً دائماً للأمة إلى يوم القيامة.
فإن قيل: فلماذا قال ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، ولم يقل: من يطع القرآن؟
قلنا: لأن الخطاب لقوم يعيش الرسول بينهم، يبلّغهم ويقودهم ويقضي بينهم. والآية التي بعدها تكشف المقام: ﴿ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ [النساء: 81]. وفي آية أخرى حُدّد ما حُمّله: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [النور: 54].
ما تسلّم به هنا: الرسول يُطاع فيما بلّغه من الكتاب، وفي قضائه وقيادته في حياته. وقضاؤه حكم بما أنزل الله، لا تشريع معه.
الخطوة السابعة: آيات الطاعة كاملة وفي سياقها
كل آية يُحتج بها على إلزام الروايات تعود، إذا قُرئت كاملة، إلى أحد أمرين: طاعة الرسول في حياته قائداً وقاضياً، أو اتباع ما بلّغه من الكتاب. وهذه أشهرها:
1. ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: 59]. أمرت الآية نفسها بطاعة أولي الأمر، ولا يجعلهم أحد مصدر تشريع؛ فهي طاعة من يلي الشأن العام. وعند النزاع لم يُذكر أولو الأمر، بل الرد إلى الله والرسول، أي إلى ما أنزل الله وبلّغه الرسول.
2. ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: 36]. قضاء واحد يُنسب إلى الله ورسوله معاً، أي قضاء الرسول بما قضى الله. والآية التي تليها في واقعة بعينها حاضرة [الأحزاب: 37].
3. ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7]. وصدر الآية: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾. فالإيتاء هنا عطاء من الفيء، والنهي منع منه.
4. ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران: 31]. واتباعه اتباع ما يتّبعه هو، وقد أخبر عنه: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [الأنعام: 50]. ووصف المفلحين من أتباعه فقال: ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: 157].
5. ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: 21]. الأسوة قدوة في الموقف والسلوك، والآية في سياق الثبات يوم الأحزاب. والعبارة نفسها قيلت في إبراهيم والذين معه: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾ [الممتحنة: 4]، ولم يجعل أحد أقوالهم مصدر تشريع. والكتاب هو الذي استثنى من أسوة إبراهيم: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾ [الممتحنة: 4].
6. ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: 63]. والأمر في سياقها ﴿أمر جامع﴾ [النور: 62]، يتسلل عنه المنافقون: ﴿قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا﴾ [النور: 63]. فهي طاعة قائد حاضر.
7. ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: 3]، ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: 4]. الحديث عما يبلّغه عن ربه، والسياق نزول الوحي عليه: ﴿علمه شديد القوى﴾ [النجم: 5]. ولو كان كل قوله وفعله وحياً لما عوتب: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: 43]، ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: 67]، ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: 1].
8. ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: 44]. التبيين إظهار ما نزل وإعلانه، وضده الكتمان، كما قيل لأهل الكتاب: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: 187]. والمبيَّن هو ﴿ما نزل إليهم﴾، والسورة نفسها تقول بماذا يبيّن: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ [النحل: 64].
9. ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: 1]. والآية التي تليها: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: 2]. فهي آداب في حضرة نبي حي. والتقديم بين يدي الله أن يُقدَّم على كلامه ما دونه.
ما تسلّم به هنا: آيات الطاعة، مقروءة كاملة، تأمر بطاعة رسول حاضر فيما بلّغ وقضى وقاد، ولا تجعل شيئاً خارج الكتاب ديناً ملزماً من بعده.
الخطوة الثامنة: ما الذي بقي بعد وفاته، وما الذي تعهّد الله بحفظه؟
الرسول بشر يموت، والقرآن قال ذلك صريحاً: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: 144]. فالقائد والقاضي غاب، وبقيت الرسالة.
فما الذي بقي من الرسالة محفوظاً؟ يجيب القرآن: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: 9].
والذكر في هذه الآية هو القرآن. فالمكذبون قالوا قبلها بثلاث آيات: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ [الحجر: 6]. وفي مواضع أخرى: ﴿ص والقرآن ذي الذكر﴾ [ص: 1]، ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء: 50]، ﴿إن هو إلا ذكر وقرآن مبين﴾ [يس: 69].
وتكفّل الله بجمعه وبيانه معاً: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: 17]، ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: 19]. فبيانه على الله أيضاً.
فإن قيل: السنة داخلة في الذكر المحفوظ.
قلنا: الذكر في الآية هو ما نزل على الرسول وسمّاه المكذبون: ﴿الذي نزل عليه الذكر﴾. والمحفوظ بحفظ الله لا يدخله الباطل: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: 42]. وأنت تعلم أن ما يُنسب إلى الرسول من أقوال فيه الصحيح وفيه المكذوب، ويختلف الناس في تمييزه. فلو كان من الذكر المحفوظ لما دخله الكذب أصلاً.
ما تسلّم به هنا: غاب الرسول وبقيت الرسالة. والذي تعهّد الله بحفظه منها هو الذكر، والذكر هو القرآن.
الخطوة التاسعة: هل يُلزم الله الناس بما لم يبيّنه؟
لا يُقيم الله الحجة على عباده إلا بعد البيان:
﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: 165]
﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: 115]
﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: 15]
فالحجة تقوم ببيان يصل إلى الناس. وفي الرسالة الخاتمة لا رسول بعدها يردّ الناس إلى ما ضاع، فتولّى الله بنفسه حفظ ما أقام به الحجة.
فلو كان في الدين مصدر ثانٍ ملزم، فهو أحد أمرين:
• إما أن يكون الله تعهّد بحفظه، ولا آية في ذلك.
• وإما أن يكون ألزم الناس بما لم يحفظه، فتركهم أمام أقوال اختلط صحيحها بمكذوبها، وكلّفهم تمييزها باجتهاد يختلف فيه أهله، ولكل طائفة صحيحها الذي ترده الأخرى. وهذا ليس بياناً تقوم به الحجة.
فإن قيل: عدم الوعد بحفظ شيء لا يعني أنه باطل.
قلنا: صحيح، ولم نقل إنه باطل. قلنا إنه ليس حجة ملزمة. قد يكون القول صحيحاً في نفسه، ويبقى أنه لم يصل ببيان تقوم به الحجة، فلا يُحاسَب الناس عليه.
فإن قيل: في نقل القرآن نفسه قراءات شاذة، ولم يُبطل ذلك حفظه؛ فكذلك المكذوب في الروايات لا يُبطل حفظ الصحيح منها.
قلنا: للقرآن مصحف واحد محفوظ متفق عليه، يُعرض عليه كل ما خالفه فيُعرف شذوذه. أما الروايات فلا مرجع محفوظاً متفقاً عليه تُعرض عليه، والمعيار فيها بشري مختلف فيه.
ما تسلّم به هنا: لا يُحاسَب الناس إلا ببيان بلغهم، وما لم يحفظه الله ولم يتميّز بعلم لا تقوم به الحجة.
الخطوة العاشرة: هل يكفي الكتاب؟
﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت: 51]
﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: 89]
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: 3]
وآية الأنعام التي مرت في الخطوة الثالثة جعلت تفصيل الكتاب علة الاستغناء عن كل حَكَم سواه: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: 114]. فمن قال إن الكتاب مجمل لا يُفهم إلا بغيره، فقد نقض العلة التي ذكرها الله بنفسه.
والكتاب فصّل حيث أراد التفصيل: فصّل الميراث بالكسور [النساء: 11-12]، وعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها [البقرة: 228، 234]، وكتابة الدَّين في أطول آية فيه [البقرة: 282]، والمحرمات من النساء واحدة واحدة [النساء: 22-24]، وكفارة اليمين [المائدة: 89]، والوضوء والتيمم [المائدة: 6]. وفي المحرمات خاصة قال: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ [الأنعام: 119].
وما لم يفصّله تركه عن علم، لا عن نسيان: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: 64]. وسكوته عفو: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها﴾ [المائدة: 101].
فإن قيل: «كل شيء» لا يشمل الطب والزراعة، فأنتم تقيّدونه، ومتى قُيّد سقط الاستدلال بعمومه.
قلنا: الآية نفسها تحدد مجاله: ﴿تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة﴾، فهو تبيان في مجال الهدى، والدين قلب هذا المجال لا طرفه. وتقييد «كل شيء» بمجاله يُدخل الدين فيه ولا يُخرجه.
فإن قيل: الكتاب كافٍ، لكنه يكفي بإحالته إلى الرسول، كما يحيل الدستور إلى القوانين.
قلنا: أين الآية التي تحيل الأمة، بعد وفاة الرسول، إلى مصدر غير الكتاب؟ والكافي في آية العنكبوت هو ﴿الكتاب يتلى عليهم﴾، لا الكتاب وما يُحال إليه. ثم إن هذا مثل يُضرب، لا آية تُتلى. ومع ذلك فالجهة التي تنفّذ القانون لا تُنشئ جريمة ولا عقوبة لم ينص عليها.
ما تسلّم به هنا: الكتاب مفصّل كافٍ في مجال الهدى، والدين في قلبه، وما سكت عنه عفو مقصود لا ثغرة تُملأ.
الخطوة الحادية عشرة: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾
﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ [الجاثية: 6]
﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ [الأعراف: 185؛ المرسلات: 50]
﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني﴾ [الزمر: 23]
سمّى الله كتابه حديثاً، بل ﴿أحسن الحديث﴾، ثم سأل سؤال إنكار: بأي حديث بعد حديث الله يؤمنون؟ ولم يستثنِ حديثاً آخر يُؤمَن به إلى جانب آياته.
وانتبه إلى الفعل: ﴿يؤمنون﴾. الآية لا تنهى عن قراءة خبر أو تاريخ أو تفسير، ولا عن الانتفاع به، ولا يجعل أحد كتب التاريخ والتفسير، ولا هذا المقال، موضع إيمان. إنما تنكر أن يُجعل حديث بعد حديث الله موضع إيمان: يُحلّ به ويُحرَّم، ويُضلَّل من ردّه.
فإن قيل: فلماذا تقبل الأخبار عن الرسول تاريخاً؟ وأين في الآية أن «حديث» يعني الروايات تحديداً؟
قلنا: نقرؤها كما نقرأ التاريخ: تحتمل الصدق والخطأ، ولا نجعلها ديناً. ولم نقل إن «حديث» في الآية يعني الروايات تحديداً؛ فاللفظ عام، يشمل كل حديث يُجعل موضع إيمان بعد حديث الله، والرواية حين تُجعل ديناً واحدة منها.
ما تسلّم به هنا: لا يُؤمَن بحديث بعد حديث الله ديناً، وما سوى الكتاب يُقرأ ولا يُجعل ديناً.
الخطوة الثانية عشرة: سابقة بني إسرائيل
﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ [آل عمران: 93]
﴿فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون﴾ [آل عمران: 94]
إسرائيل حرّم على نفسه أطعمة، فاتخذ بنوه فعله ديناً ونسبوه إلى الله. ولم يحتكم القرآن إلى ما توارثوه عمن ينتسبون إليه، ولا إلى أقوال أحبارهم، بل وضع معياراً واحداً: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾. ما نزل في الكتاب دين، وما لم ينزل فيه فنسبته إلى الله بعد ذلك افتراء وظلم.
ولم يقل القرآن إن إسرائيل نبي ولا رسول. وسواء كان نبياً سكت عنه الكتاب، أو رجلاً من الصالحين، فالحجة قائمة: فعل ثبت بنص القرآن أن صاحبه فعله، ولم يصر ديناً لأنه لم ينزل في الكتاب. فكيف بأقوال لم يثبت أصلاً أن الرسول قالها؟
فإن قيل: أفعال الرسول ليست كلها تشريعاً؛ فمنها ما هو خاص به، ومنها ما هو من عادات البشر، ومنها ما هو بيان.
قلنا: هذا التقسيم نفسه اجتهاد بشري، يختلف أصحابه في الفعل الواحد أين يضعونه. والآية وضعت المعيار: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾. ما نزل في الكتاب دين، وما لم ينزل فيه لا يصير ديناً بتصنيف أحد.
ما تسلّم به هنا: ما لم ينزل في الكتاب لا يصير ديناً، ولو كان أصله فعل من تعظّمه الأمة وتنتسب إليه، ونسبته إلى الله افتراء.
الخطوة الثالثة عشرة: بماذا يُسأل الناس يوم القيامة؟
﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾ [المؤمنون: 105]
﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ [الزمر: 71]
﴿وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون﴾ [الزخرف: 44]
﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾ [الفرقان: 30]
السؤال يوم الحساب عن الآيات المتلوة، والرسل يُذكرون بأنهم تالون لها. والمسؤول عنه نص عليه الكتاب: الذكر. والشكوى التي يرفعها الرسول عن قومه هي هجر القرآن، لا هجر شيء آخر. والرسول الذي تقوم به الحجة هو الذي ﴿يتلو عليهم آياتنا﴾ [القصص: 59].
فإن قيل: هذا استدلال بالسكوت؛ ذكر الآيات لا ينفي غيرها.
قلنا: ليس سكوتاً فقط؛ فالكتاب نص على المسؤول عنه، وهو الذكر. ثم إن مشاهد الحساب في القرآن كثيرة مفصلة، يُسأل فيها الناس عن الآيات والرسل والتكذيب والإعراض. فلو كان مصدر ثانٍ يُحاسَب عليه الناس، لكانت هذه المشاهد أولى المواضع بذكره: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: 64].
ما تسلّم به هنا: يُسأل الناس يوم القيامة عن الآيات التي بلغتهم، والشكوى من هجر القرآن.
السلسلة كاملة
هذا ما سلّمت به، خطوة بعد خطوة:
1. التحليل والتحريم حق لله وحده، ولا يصير شيء ديناً إلا بإذنه.
2. لا يُنسب حكم إلى الله إلا بعلم، وما دون العلم ظن.
3. المأمور باتباعه ما أنزل الله، وما أنزله هو الكتاب، والحكمة نزلت معه.
4. الرسول متّبِع لا مشرّع، والوحي الذي يُنذر به من بلغ هو القرآن.
5. الرسول لا يحرّم من عنده، وليس في وحيه من محرمات الطعام إلا ما في الكتاب.
6. يُطاع فيما بلّغ، وفي قضائه وقيادته في حياته، وقضاؤه حكم بما أنزل الله.
7. آيات الطاعة كلها في هذا الإطار، إذا قُرئت كاملة.
8. غاب الرسول، وبقي الذكر المحفوظ، وهو القرآن.
9. لا يُحاسَب الناس إلا ببيان بلغهم.
10. الكتاب مفصّل كافٍ، وسكوته عفو.
11. لا يُؤمَن بحديث بعد حديث الله ديناً.
12. ما لم ينزل في الكتاب لا يصير ديناً، ولو كان أصله فعل من تعظّمه الأمة.
13. يُسأل الناس يوم القيامة عن الآيات.
والنتيجة: الدين الملزم محصور في كتاب الله. ومن أراد ردّ هذه النتيجة فعليه أن يردّ خطوة من هذه الخطوات بآية، لا باحتمال ولا بمثل.
السؤال الذي يبقى:
أين الآية التي تقول إن الله أوكل جزءاً من دينه الملزم إلى مصدر خارج كتابه، وتعيّن هذا المصدر، وتضمن حفظه؟ ليس المطلوب «يمكن» ولا «لا يلزم منه»، بل آية.
وما لا تعنيه هذه النتيجة:
• لا تعني ترك الرسول؛ فاتباعه اتباع ما جاء به، والكتاب هو ما جاء به.
• لا تعني أن كل ما رُوي كذب؛ بل تعني أنه لا يصير ديناً يُحاسَب عليه الناس.
• لا تعني منع الاجتهاد؛ فمن فهم من الكتاب شيئاً عمل به، ولم يُلزم به غيره، ولم يُضلّل من خالفه.
• ولا تعني إكراه أحد: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: 256]. فمن اقتنع فالكتاب بين يديه، ومن لم يقتنع فحسابه عند ربه.
ونختم بالآية التي تجمع الطريق كله:
﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [الأعراف: 3]
رجاء اقرأ بتمعن وحذر.. الموضوع جلل.. هل تريد أن تصل إلى الله بقلب سليم أم ممن سيقول عنهم الرسول: إن تعذبهم فإنهم عبادك؟
اعمل Bookmark للقراءة لاحقا.
اعمل Repost إن اقتنعت بالطرح.
انسخ والصق في صفحتك بدون إذن.
تحذير 🛑 هذا المقال قد يغيّر أفكارك وقناعاتك ومسلّماتك. لا يستشهد إلا بالقرآن، فاقرأه بتمعّن حتى آخره قبل أن تحكم!
((خطوة خطوة إلى الكتاب وحده))
هذا المقال لا يستشهد إلا بالقرآن، لأنه الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الجميع. وهو يمشي معك خطوة خطوة: كل خطوة سؤال جوابه آية، ولا ننتقل إلى التي بعدها حتى تسلّم بالتي قبلها.
قبل أن نبدأ:
ما نقوله سؤال واحد محدد: هل في الدين مصدر يُلزم المسلم، يُحلّ ويحرّم ويفرض ويعاقب، غير الكتاب الذي أنزله الله؟ وجوابنا: لا.
وما لا نقوله:
• لا ننكر الرسول ولا طاعته. هو رسول الله، والإيمان به من الإيمان، ومن عصاه في حياته فقد عصى الله.
• لا نقول إن كل ما رُوي عنه كذب، ولا نمنع أحداً من قراءة التاريخ والسيرة.
• لا نقول إن كل ما أُعلم به الرسول نصه في المصحف.
• لا نمنع الاجتهاد؛ فمن فهم من الكتاب شيئاً عمل به، ولم يُلزم به غيره.
وللطريق ثلاث قواعد:
1. لا نستشهد إلا بالقرآن، لأنه وحده المتفق عليه بين الجميع. ولا يصح أن تُثبت حجية شيء بذلك الشيء نفسه.
2. نقرأ كل آية كاملة وفي سياقها.
3. من قال إن الله حرّم شيئاً أو فرضه فعليه البيّنة. وهذه ليست قاعدة نضعها نحن، بل طريقة القرآن مع من حرّموا ما لم يحرّمه الله: ﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا﴾ [الأنعام: 150]. لم يطالبهم بأن يثبتوا أنه لم يحرّم، بل بأن يأتوا بمن يشهد أنه حرّم.
وفي آخر كل خطوة سطر بما سلّمت به. فإن رفضت خطوة فارفضها بآية تُقرأ كاملة في سياقها، لا باحتمال.
الخطوة الأولى: من له أن يحلّ ويحرّم؟
﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم﴾ [يوسف: 40]
﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾ [الكهف: 26]
﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: 10]
الحكم لله، وهذا هو ﴿الدين القيم﴾. ولهذا سمّى القرآن من وضع للناس ديناً لم يأذن به الله شريكاً:
﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: 21]
وسمّى طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم اتخاذاً لهم أرباباً: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة: 31]. والسياق قبلها يصف القوم بأنهم ﴿لا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة: 29]. فالربوبية هنا ربوبية تحليل وتحريم، ولا ذكر فيها لسجود ولا لادعاء ألوهية.
وانتبه إلى عبارة ﴿ما لم يأذن به الله﴾: كل تشريع يحتاج إلى إذن من الله. فإن قيل: إن الله أذن لرسوله أن يشرّع، فهذا الإذن نفسه حكم من الله، فلا يثبت إلا بكلامه. وهذا ما نبحث عنه في الخطوات التالية.
ما تسلّم به هنا: التحليل والتحريم والفرض حق لله وحده، ولا يصير شيء ديناً إلا بإذنه.
الخطوة الثانية: كيف نعرف ما أذن الله به؟
سأل القرآن من حرّموا بعض الرزق: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: 59]. فإما إذن من الله، وإما افتراء عليه، ولا ثالث.
ثم بيّن ما يُعرف به الإذن. ففي سياق ما حرّمه المشركون من الأنعام طالبهم بالعلم: ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ [الأنعام: 143]، وبالشهادة: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾ [الأنعام: 144]، ثم سمّى ما دون العلم ظناً وخرصاً: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون﴾ [الأنعام: 148].
وجعل القول على الله بغير علم في قائمة المحرمات الكبرى، إلى جانب الشرك:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]
وحين يكون الظن في الدين، لم يقسمه القرآن إلى راجح يُتّبع ومرجوح يُترك، بل قابله كله بالعلم: ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: 28].
فإن قيل: نحن نعمل بالظن كل يوم: بالشهادة في القضاء، وبالأخبار في شؤوننا. والقرآن نفسه أمر بالتبيّن من خبر الفاسق ولم يأمر برده.
قلنا: هذا باب آخر. الشهادة والأخبار عن الوقائع بين الناس لها أحكامها في الكتاب: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282]، ومنها: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ [الحجرات: 6]. وآية التبيّن في واقعة تمس قوماً، لا في حكم يُنسب إلى الله. ثم إنها تأمر ببلوغ البيان قبل العمل، فما لم يتبيّن لا يُبنى عليه. أما أن تقول: «الله حرّم كذا» أو «فرض كذا»، فهذا قول على الله، ولم يقبل فيه القرآن إلا العلم.
فاسأل نفسك عن كل حكم يُقال لك إنه من دين الله: هل عندك به علم كعلمك بأن هذه الآية من كتاب الله؟
ما تسلّم به هنا: لا يُنسب حكم إلى الله إلا بعلم، وما دون العلم ظن لا يغني من الحق شيئاً.
الخطوة الثالثة: ما الذي أنزله الله؟
أمر الله المؤمنين أن يتّبعوا ما أنزل، ونهاهم عن اتباع غيره:
﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [الأعراف: 3]
فما هذا المنزل؟ يسمّيه القرآن باسمه:
﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾ [الأنعام: 155]
﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: 48]
﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: 114]
المأمور باتباعه هو المنزل، والمنزل اسمه الكتاب. والآية الأولى نهت عن اتباع ﴿من دونه أولياء﴾: كل من يُتّبع في الدين من دون ما أنزل الله، كائناً من كان.
فإن قيل: والحكمة؟ قال الله: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [الجمعة: 2]، والعطف يقتضي أنها شيء غير الكتاب.
قلنا: الحكمة نزلت مع الكتاب، وتُتلى معه:
• ﴿واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [البقرة: 231]، فهي منزلة، وقال ﴿يعظكم به﴾ بالإفراد.
• ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ [الأحزاب: 34]، فهي مما يُتلى.
• وبعد أوامر ونواهٍ في سورة الإسراء قال: ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة﴾ [الإسراء: 39]، فهي من جنس ما في الكتاب.
والعطف قد يجمع أوصافاً لشيء واحد: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ [الأنبياء: 48]، وهي كلها أوصاف لكتاب واحد.
ما تسلّم به هنا: المأمور باتباعه هو ما أنزل الله، وما أنزله الله هو الكتاب، والحكمة نزلت معه وتُتلى.
الخطوة الرابعة: ماذا كان الرسول يتّبع؟
إذا كان المنزل هو الكتاب، فماذا كان الرسول نفسه يتّبع؟ يجيب القرآن على لسانه بصيغة الحصر، ويعيّن المحصور في كل مرة:
• طلب منه المكذبون قرآناً آخر: ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: 15]. فالموحى الذي يتّبعه، في الآية نفسها، هو هذا القرآن الذي طُلب منه تبديله.
• ﴿قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم﴾ [الأعراف: 203]. حصر بـ«إنما»، ثم تعيين بـ«هذا».
• ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: 19]. الوحي الذي يُنذر به الحاضرين ومن يبلغه بعدهم هو هذا القرآن.
• ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية: 18]. هو نفسه على شريعة يتّبعها، لا يضعها.
فإن قيل: كون القرآن وحياً لا يعني أن كل وحي قرآن. وقد قال النبي: ﴿نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: 3]، ولا نجد نص ذلك الإنباء في المصحف.
قلنا: لم نقل إن كل ما أُعلم به الرسول نصه في المصحف. نقول إن الوحي الذي يُتّبع ديناً وتقوم به الحجة على من بلغه هو القرآن، كما في الآيات. أما آية التحريم فإنباء بواقعة خاصة في بيته، لا حكم فيه لأحد، ولم نعرفه أصلاً إلا لأن القرآن أخبرنا به. والله يوحي، بمعنى الإعلام، إلى من ليس نبياً: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: 7]، ولم يقل أحد إن ذلك تشريع.
ما تسلّم به هنا: الرسول متّبِع لا مشرّع، والوحي الذي يتّبعه ديناً ويُنذر به من بلغ هو هذا القرآن.
الخطوة الخامسة: هل حرّم الرسول شيئاً من عنده؟
حين حرّم على نفسه شيئاً أحله الله، ولم يحرّمه على أحد غيره، جاءه العتاب:
﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾ [التحريم: 1]
فإذا عوتب على تحريم يخصه وحده، فكيف يُنسب إليه أنه حرّم على الأمة كلها ما لم يحرّمه الله في كتابه؟
وحين تكلم في محرمات الطعام، أمره الله أن يقول:
﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: 145]
ولم يقل: لا أجد فيما أُنزل في الكتاب، بل ﴿في ما أوحي إلي﴾، وهي عبارة تعم كل ما أوحي إليه. ثم تكرر الحصر في المدينة: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: 173]. وجاءت قائمة المائدة في الآية التي فيها ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: 3]، وبعدها مباشرة: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: 4].
وسمّى القرآن الإتيان بغير الموحى افتراءً على الله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره﴾ [الإسراء: 73]. وسمّى تحريم ما أحل افتراءً كذلك: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: 116].
فإن قيل: هذا تحريم بوحي غير متلو، لا تحريم من عنده.
قلنا: الآية تسد الطريق على القولين معاً. إن كان التحريم من عنده فهو مما عوتب على مثله. وإن قيل إنه وحي، فقد أُمر أن يقول: ﴿لا أجد في ما أوحي إلي﴾، فليس في وحيه كله تحريم طعام غير ما ذكرته الآية.
ما تسلّم به هنا: الرسول لا يحرّم من عنده، وليس في وحيه من محرمات الطعام إلا ما ذكره الكتاب.
الخطوة السادسة: بماذا يُطاع الرسول؟
الرسول يُطاع، وطاعته طاعة لله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: 80]. فالسؤال ليس: هل يُطاع؟ بل: فيمَ يُطاع؟ والقرآن يذكر ثلاثة أوجه.
الأول: التبليغ. رسالته أن يبلّغ ما أُنزل إليه: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: 67]. وحين أمر الله بطاعته حدّد ما عليه: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ [المائدة: 92]. وأدواته في ذلك كلها تعود إلى الكتاب: ﴿قل إنما أنذركم بالوحي﴾ [الأنبياء: 45]، ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [ق: 45]، ﴿يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [الجمعة: 2].
الثاني: القضاء. كان يقضي بين الناس، وقضاؤه ملزم، ولا إيمان لمن رفضه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: 65]. لكن بماذا يقضي؟ السورة نفسها تجيب: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: 105]. فهو قاضٍ يحكم بما أنزل الله، لا مشرّع يضع حكماً معه. والقاضي الذي يحكم بالقانون لا يشارك المشرّع في التشريع. ولهذا لا تعارض بين قوله ﴿حتى يحكموك﴾ وقوله ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾.
الثالث: القيادة. كان يقود جماعة حاضرة، وطاعته فيها واجبة، وليست تلاوة آية:
• يرتّب المقاتلين: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: 121].
• يقسم الفيء: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7].
• يجمعهم على شأن عام لا ينصرفون عنه إلا بإذنه: ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور: 62].
• يشاورهم ثم يعزم: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ [آل عمران: 159].
هذه طاعة حقيقية لا ننكرها. لكنها قيادة وقضاء في وقائع حاضرة، مع قوم حاضرين. ولم يقل القرآن إن كل أمر أصدره قائداً في معركة، أو كل قضاء قضاه في خصومة، يصير شرعاً دائماً للأمة إلى يوم القيامة.
فإن قيل: فلماذا قال ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، ولم يقل: من يطع القرآن؟
قلنا: لأن الخطاب لقوم يعيش الرسول بينهم، يبلّغهم ويقودهم ويقضي بينهم. والآية التي بعدها تكشف المقام: ﴿ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ [النساء: 81]. وفي آية أخرى حُدّد ما حُمّله: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [النور: 54].
ما تسلّم به هنا: الرسول يُطاع فيما بلّغه من الكتاب، وفي قضائه وقيادته في حياته. وقضاؤه حكم بما أنزل الله، لا تشريع معه.
الخطوة السابعة: آيات الطاعة كاملة وفي سياقها
كل آية يُحتج بها على إلزام الروايات تعود، إذا قُرئت كاملة، إلى أحد أمرين: طاعة الرسول في حياته قائداً وقاضياً، أو اتباع ما بلّغه من الكتاب. وهذه أشهرها:
1. ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: 59]. أمرت الآية نفسها بطاعة أولي الأمر، ولا يجعلهم أحد مصدر تشريع؛ فهي طاعة من يلي الشأن العام. وعند النزاع لم يُذكر أولو الأمر، بل الرد إلى الله والرسول، أي إلى ما أنزل الله وبلّغه الرسول.
2. ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: 36]. قضاء واحد يُنسب إلى الله ورسوله معاً، أي قضاء الرسول بما قضى الله. والآية التي تليها في واقعة بعينها حاضرة [الأحزاب: 37].
3. ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7]. وصدر الآية: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾. فالإيتاء هنا عطاء من الفيء، والنهي منع منه.
4. ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران: 31]. واتباعه اتباع ما يتّبعه هو، وقد أخبر عنه: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [الأنعام: 50]. ووصف المفلحين من أتباعه فقال: ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: 157].
5. ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: 21]. الأسوة قدوة في الموقف والسلوك، والآية في سياق الثبات يوم الأحزاب. والعبارة نفسها قيلت في إبراهيم والذين معه: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾ [الممتحنة: 4]، ولم يجعل أحد أقوالهم مصدر تشريع. والكتاب هو الذي استثنى من أسوة إبراهيم: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾ [الممتحنة: 4].
6. ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: 63]. والأمر في سياقها ﴿أمر جامع﴾ [النور: 62]، يتسلل عنه المنافقون: ﴿قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا﴾ [النور: 63]. فهي طاعة قائد حاضر.
7. ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: 3]، ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: 4]. الحديث عما يبلّغه عن ربه، والسياق نزول الوحي عليه: ﴿علمه شديد القوى﴾ [النجم: 5]. ولو كان كل قوله وفعله وحياً لما عوتب: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: 43]، ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: 67]، ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: 1].
8. ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: 44]. التبيين إظهار ما نزل وإعلانه، وضده الكتمان، كما قيل لأهل الكتاب: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: 187]. والمبيَّن هو ﴿ما نزل إليهم﴾، والسورة نفسها تقول بماذا يبيّن: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ [النحل: 64].
9. ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: 1]. والآية التي تليها: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: 2]. فهي آداب في حضرة نبي حي. والتقديم بين يدي الله أن يُقدَّم على كلامه ما دونه.
ما تسلّم به هنا: آيات الطاعة، مقروءة كاملة، تأمر بطاعة رسول حاضر فيما بلّغ وقضى وقاد، ولا تجعل شيئاً خارج الكتاب ديناً ملزماً من بعده.
الخطوة الثامنة: ما الذي بقي بعد وفاته، وما الذي تعهّد الله بحفظه؟
الرسول بشر يموت، والقرآن قال ذلك صريحاً: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: 144]. فالقائد والقاضي غاب، وبقيت الرسالة.
فما الذي بقي من الرسالة محفوظاً؟ يجيب القرآن: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: 9].
والذكر في هذه الآية هو القرآن. فالمكذبون قالوا قبلها بثلاث آيات: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ [الحجر: 6]. وفي مواضع أخرى: ﴿ص والقرآن ذي الذكر﴾ [ص: 1]، ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء: 50]، ﴿إن هو إلا ذكر وقرآن مبين﴾ [يس: 69].
وتكفّل الله بجمعه وبيانه معاً: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: 17]، ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: 19]. فبيانه على الله أيضاً.
فإن قيل: السنة داخلة في الذكر المحفوظ.
قلنا: الذكر في الآية هو ما نزل على الرسول وسمّاه المكذبون: ﴿الذي نزل عليه الذكر﴾. والمحفوظ بحفظ الله لا يدخله الباطل: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: 42]. وأنت تعلم أن ما يُنسب إلى الرسول من أقوال فيه الصحيح وفيه المكذوب، ويختلف الناس في تمييزه. فلو كان من الذكر المحفوظ لما دخله الكذب أصلاً.
ما تسلّم به هنا: غاب الرسول وبقيت الرسالة. والذي تعهّد الله بحفظه منها هو الذكر، والذكر هو القرآن.
الخطوة التاسعة: هل يُلزم الله الناس بما لم يبيّنه؟
لا يُقيم الله الحجة على عباده إلا بعد البيان:
﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: 165]
﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: 115]
﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: 15]
فالحجة تقوم ببيان يصل إلى الناس. وفي الرسالة الخاتمة لا رسول بعدها يردّ الناس إلى ما ضاع، فتولّى الله بنفسه حفظ ما أقام به الحجة.
فلو كان في الدين مصدر ثانٍ ملزم، فهو أحد أمرين:
• إما أن يكون الله تعهّد بحفظه، ولا آية في ذلك.
• وإما أن يكون ألزم الناس بما لم يحفظه، فتركهم أمام أقوال اختلط صحيحها بمكذوبها، وكلّفهم تمييزها باجتهاد يختلف فيه أهله، ولكل طائفة صحيحها الذي ترده الأخرى. وهذا ليس بياناً تقوم به الحجة.
فإن قيل: عدم الوعد بحفظ شيء لا يعني أنه باطل.
قلنا: صحيح، ولم نقل إنه باطل. قلنا إنه ليس حجة ملزمة. قد يكون القول صحيحاً في نفسه، ويبقى أنه لم يصل ببيان تقوم به الحجة، فلا يُحاسَب الناس عليه.
فإن قيل: في نقل القرآن نفسه قراءات شاذة، ولم يُبطل ذلك حفظه؛ فكذلك المكذوب في الروايات لا يُبطل حفظ الصحيح منها.
قلنا: للقرآن مصحف واحد محفوظ متفق عليه، يُعرض عليه كل ما خالفه فيُعرف شذوذه. أما الروايات فلا مرجع محفوظاً متفقاً عليه تُعرض عليه، والمعيار فيها بشري مختلف فيه.
ما تسلّم به هنا: لا يُحاسَب الناس إلا ببيان بلغهم، وما لم يحفظه الله ولم يتميّز بعلم لا تقوم به الحجة.
الخطوة العاشرة: هل يكفي الكتاب؟
﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت: 51]
﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: 89]
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة: 3]
وآية الأنعام التي مرت في الخطوة الثالثة جعلت تفصيل الكتاب علة الاستغناء عن كل حَكَم سواه: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: 114]. فمن قال إن الكتاب مجمل لا يُفهم إلا بغيره، فقد نقض العلة التي ذكرها الله بنفسه.
والكتاب فصّل حيث أراد التفصيل: فصّل الميراث بالكسور [النساء: 11-12]، وعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها [البقرة: 228، 234]، وكتابة الدَّين في أطول آية فيه [البقرة: 282]، والمحرمات من النساء واحدة واحدة [النساء: 22-24]، وكفارة اليمين [المائدة: 89]، والوضوء والتيمم [المائدة: 6]. وفي المحرمات خاصة قال: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ [الأنعام: 119].
وما لم يفصّله تركه عن علم، لا عن نسيان: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: 64]. وسكوته عفو: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها﴾ [المائدة: 101].
فإن قيل: «كل شيء» لا يشمل الطب والزراعة، فأنتم تقيّدونه، ومتى قُيّد سقط الاستدلال بعمومه.
قلنا: الآية نفسها تحدد مجاله: ﴿تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة﴾، فهو تبيان في مجال الهدى، والدين قلب هذا المجال لا طرفه. وتقييد «كل شيء» بمجاله يُدخل الدين فيه ولا يُخرجه.
فإن قيل: الكتاب كافٍ، لكنه يكفي بإحالته إلى الرسول، كما يحيل الدستور إلى القوانين.
قلنا: أين الآية التي تحيل الأمة، بعد وفاة الرسول، إلى مصدر غير الكتاب؟ والكافي في آية العنكبوت هو ﴿الكتاب يتلى عليهم﴾، لا الكتاب وما يُحال إليه. ثم إن هذا مثل يُضرب، لا آية تُتلى. ومع ذلك فالجهة التي تنفّذ القانون لا تُنشئ جريمة ولا عقوبة لم ينص عليها.
ما تسلّم به هنا: الكتاب مفصّل كافٍ في مجال الهدى، والدين في قلبه، وما سكت عنه عفو مقصود لا ثغرة تُملأ.
الخطوة الحادية عشرة: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾
﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ [الجاثية: 6]
﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ [الأعراف: 185؛ المرسلات: 50]
﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني﴾ [الزمر: 23]
سمّى الله كتابه حديثاً، بل ﴿أحسن الحديث﴾، ثم سأل سؤال إنكار: بأي حديث بعد حديث الله يؤمنون؟ ولم يستثنِ حديثاً آخر يُؤمَن به إلى جانب آياته.
وانتبه إلى الفعل: ﴿يؤمنون﴾. الآية لا تنهى عن قراءة خبر أو تاريخ أو تفسير، ولا عن الانتفاع به، ولا يجعل أحد كتب التاريخ والتفسير، ولا هذا المقال، موضع إيمان. إنما تنكر أن يُجعل حديث بعد حديث الله موضع إيمان: يُحلّ به ويُحرَّم، ويُضلَّل من ردّه.
فإن قيل: فلماذا تقبل الأخبار عن الرسول تاريخاً؟ وأين في الآية أن «حديث» يعني الروايات تحديداً؟
قلنا: نقرؤها كما نقرأ التاريخ: تحتمل الصدق والخطأ، ولا نجعلها ديناً. ولم نقل إن «حديث» في الآية يعني الروايات تحديداً؛ فاللفظ عام، يشمل كل حديث يُجعل موضع إيمان بعد حديث الله، والرواية حين تُجعل ديناً واحدة منها.
ما تسلّم به هنا: لا يُؤمَن بحديث بعد حديث الله ديناً، وما سوى الكتاب يُقرأ ولا يُجعل ديناً.
الخطوة الثانية عشرة: سابقة بني إسرائيل
﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ [آل عمران: 93]
﴿فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون﴾ [آل عمران: 94]
إسرائيل حرّم على نفسه أطعمة، فاتخذ بنوه فعله ديناً ونسبوه إلى الله. ولم يحتكم القرآن إلى ما توارثوه عمن ينتسبون إليه، ولا إلى أقوال أحبارهم، بل وضع معياراً واحداً: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾. ما نزل في الكتاب دين، وما لم ينزل فيه فنسبته إلى الله بعد ذلك افتراء وظلم.
ولم يقل القرآن إن إسرائيل نبي ولا رسول. وسواء كان نبياً سكت عنه الكتاب، أو رجلاً من الصالحين، فالحجة قائمة: فعل ثبت بنص القرآن أن صاحبه فعله، ولم يصر ديناً لأنه لم ينزل في الكتاب. فكيف بأقوال لم يثبت أصلاً أن الرسول قالها؟
فإن قيل: أفعال الرسول ليست كلها تشريعاً؛ فمنها ما هو خاص به، ومنها ما هو من عادات البشر، ومنها ما هو بيان.
قلنا: هذا التقسيم نفسه اجتهاد بشري، يختلف أصحابه في الفعل الواحد أين يضعونه. والآية وضعت المعيار: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾. ما نزل في الكتاب دين، وما لم ينزل فيه لا يصير ديناً بتصنيف أحد.
ما تسلّم به هنا: ما لم ينزل في الكتاب لا يصير ديناً، ولو كان أصله فعل من تعظّمه الأمة وتنتسب إليه، ونسبته إلى الله افتراء.
الخطوة الثالثة عشرة: بماذا يُسأل الناس يوم القيامة؟
﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾ [المؤمنون: 105]
﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ [الزمر: 71]
﴿وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون﴾ [الزخرف: 44]
﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾ [الفرقان: 30]
السؤال يوم الحساب عن الآيات المتلوة، والرسل يُذكرون بأنهم تالون لها. والمسؤول عنه نص عليه الكتاب: الذكر. والشكوى التي يرفعها الرسول عن قومه هي هجر القرآن، لا هجر شيء آخر. والرسول الذي تقوم به الحجة هو الذي ﴿يتلو عليهم آياتنا﴾ [القصص: 59].
فإن قيل: هذا استدلال بالسكوت؛ ذكر الآيات لا ينفي غيرها.
قلنا: ليس سكوتاً فقط؛ فالكتاب نص على المسؤول عنه، وهو الذكر. ثم إن مشاهد الحساب في القرآن كثيرة مفصلة، يُسأل فيها الناس عن الآيات والرسل والتكذيب والإعراض. فلو كان مصدر ثانٍ يُحاسَب عليه الناس، لكانت هذه المشاهد أولى المواضع بذكره: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: 64].
ما تسلّم به هنا: يُسأل الناس يوم القيامة عن الآيات التي بلغتهم، والشكوى من هجر القرآن.
السلسلة كاملة
هذا ما سلّمت به، خطوة بعد خطوة:
1. التحليل والتحريم حق لله وحده، ولا يصير شيء ديناً إلا بإذنه.
2. لا يُنسب حكم إلى الله إلا بعلم، وما دون العلم ظن.
3. المأمور باتباعه ما أنزل الله، وما أنزله هو الكتاب، والحكمة نزلت معه.
4. الرسول متّبِع لا مشرّع، والوحي الذي يُنذر به من بلغ هو القرآن.
5. الرسول لا يحرّم من عنده، وليس في وحيه من محرمات الطعام إلا ما في الكتاب.
6. يُطاع فيما بلّغ، وفي قضائه وقيادته في حياته، وقضاؤه حكم بما أنزل الله.
7. آيات الطاعة كلها في هذا الإطار، إذا قُرئت كاملة.
8. غاب الرسول، وبقي الذكر المحفوظ، وهو القرآن.
9. لا يُحاسَب الناس إلا ببيان بلغهم.
10. الكتاب مفصّل كافٍ، وسكوته عفو.
11. لا يُؤمَن بحديث بعد حديث الله ديناً.
12. ما لم ينزل في الكتاب لا يصير ديناً، ولو كان أصله فعل من تعظّمه الأمة.
13. يُسأل الناس يوم القيامة عن الآيات.
والنتيجة: الدين الملزم محصور في كتاب الله. ومن أراد ردّ هذه النتيجة فعليه أن يردّ خطوة من هذه الخطوات بآية، لا باحتمال ولا بمثل.
السؤال الذي يبقى:
أين الآية التي تقول إن الله أوكل جزءاً من دينه الملزم إلى مصدر خارج كتابه، وتعيّن هذا المصدر، وتضمن حفظه؟ ليس المطلوب «يمكن» ولا «لا يلزم منه»، بل آية.
وما لا تعنيه هذه النتيجة:
• لا تعني ترك الرسول؛ فاتباعه اتباع ما جاء به، والكتاب هو ما جاء به.
• لا تعني أن كل ما رُوي كذب؛ بل تعني أنه لا يصير ديناً يُحاسَب عليه الناس.
• لا تعني منع الاجتهاد؛ فمن فهم من الكتاب شيئاً عمل به، ولم يُلزم به غيره، ولم يُضلّل من خالفه.
• ولا تعني إكراه أحد: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: 256]. فمن اقتنع فالكتاب بين يديه، ومن لم يقتنع فحسابه عند ربه.
ونختم بالآية التي تجمع الطريق كله:
﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [الأعراف: 3]
تحذير 🛑 هل في المرجعية حل وسط؟
قد تقول: اقتنعتُ، أو صار عندي شك، أن القرآن وحده مصدر التشريع. لكن في صدري حرجاً، وأرى أن الأخذ ببعض السنة، دون غلو ودون تحليل الدماء، حل وسط جيد. فهل أنجو إن فعلت؟
هذا سؤال صادق، ويستحق جواباً صادقاً. والمقال تعقيب على المقال السابق ((خطوة خطوة إلى الكتاب وحد)). هناك سألنا: من له أن يحلّ ويحرّم؟ فكان الجواب: الله وحده، بما أنزل في كتابه. وهنا نسأل: ما اسم أن تجعل مع الكتاب مصدراً آخر في الدين، ولو في حكم واحد؟
والجواب في الكتاب نفسه، بلفظه. ونمشي إليه كما مشينا هناك: خطوة خطوة، كل خطوة سؤال جوابه آية.
قبل أن نبدأ:
ثلاثة أمور قبل الخطوة الأولى، حتى لا يُحمَّل المقال ما لا يقول:
• لا نحكم على أحد. نسمي الفعل بالاسم الذي سماه الله به، أما الأشخاص فحسابهم عند ربهم: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: 125].
• لا نقول إن كل ما ورثته باطل، ولا إن صلاتك بهيئتها المتوارثة باطلة. الحد الذي يرسمه المقال ليس في ما تفعله، بل في ما تنسبه إلى الله.
• لا نستشهد إلا بالقرآن، ونقرأ كل آية كاملة في سياقها. ومن رفض خطوة فليرفضها بآية، لا باحتمال.
وفي آخر كل خطوة سطر بما سلّمت به.
الخطوة الأولى: ما الشرك في القرآن؟
يظن كثيرون أن الشرك حجر يُعبد. لكن القرآن يعرّفه بمعيار لا يتعلق بشكل المعبود:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]
الشرك هنا إشراك ﴿ما لم ينزل به سلطانا﴾. فالمعيار غياب الحجة المنزلة، حجراً كان الشريك أو بشراً أو كتاباً. والآية قرنته بالقول على الله بغير علم، لأن من جعل في دين الله ما لم ينزله الله فقد قال عليه ما لا يعلم.
وسمّى القرآن من يضع للناس ديناً لم يأذن به شركاء، بلفظه:
﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: 21]
الشريك في هذه الآية لا يُسجد له ولا يُدعى، بل ﴿شرعوا﴾.
ما تسلّم به هنا: الشرك في القرآن أن تجعل في الدين مرجعية لم ينزل الله بها سلطاناً، والتشريع من دون الله شرك بنص الآية.
الخطوة الثانية: هل يجتمع الشرك مع الإيمان والصلاة؟
قد تقول: أنا مؤمن بالله، أصلي وأصوم، فكيف أكون مشركاً؟ والقرآن يجيب:
﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: 106]
إيمان وشرك في قلب واحد. وفي سورة الروم خطاب لمن يقيمون الصلاة، ثم تحذير، ثم تعريف:
﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [الروم: 31-32]
المحذَّرون يقيمون الصلاة، والمشركون في الآية هم ﴿الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾. فالمرجعية الواحدة تجمع، والمرجعيات المتعددة تفرّق: لكل فريق رجاله وكتبه، فيصير الدين الواحد أدياناً، وكل حزب فرح بما عنده.
ما تسلّم به هنا: الشرك يجتمع مع الإيمان بالله وإقامة الصلاة، وعلامته في الأمة التفرق شيعاً.
الخطوة الثالثة: هل يكفي حكم واحد؟
تقول: لن آخذ من خارج القرآن إلا القليل. فلننظر في أصغر حكم ذكره القرآن في هذا الباب: حكم في الطعام.
﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: 121]
حكم في الأكل، لا في العقيدة ولا في الدماء. ومع ذلك قال لمن يطيع من يجادله ليُحلّ له ما حرّم الله: ﴿إنكم لمشركون﴾. لم يقل: عصاة، ولا مخطئون.
وقبلها بآيتين يقرر أن التحريم مفصّل:
﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم﴾ [الأنعام: 119]
فما فُصّل لا يُضاف إليه، ومن أضاف فإنما يضل بهواه بغير علم.
فإن قيل: الآية فيمن أحلّ ما حرّم الله، لا فيمن حرّم احتياطاً.
قلنا: التحريم بغير إذن ليس أهون في القرآن من التحليل بغير إذن: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: 59]. فالجعل في الاتجاهين سواء: إما إذن من الله، وإما افتراء عليه.
ما تسلّم به هنا: الطاعة في حكم واحد يُحلّ أو يُحرّم بغير ما أنزل الله يسميها القرآن شركاً، ولو كان الحكم في الطعام.
الخطوة الرابعة: وإن كان المنسوب إليه نبياً؟
قد تقول: أنا لا أتبع الأحبار، بل سنة النبي. والقرآن جعل اتخاذ الأرباب طاعةً في التحليل والتحريم: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ [التوبة: 31]، في سياق قوم ﴿لا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة: 29]. ثم نفى ذلك عن النبيين أنفسهم:
﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ [آل عمران: 79]
﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: 80]
النبي نفسه يدعو الناس إلى أن يكونوا ربانيين ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب﴾، لا بشيء من عنده. وقد مرّ في المقال الأول أن الرسول متّبِع لا مشرّع: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: 15].
فالشريك ليس الرسول. الشريك كلام نُسب إليه ثم جُعل ديناً لم ينزله الله، ومن يقرر أيّ ذلك الكلام دين: المصحّح والمضعّف والمذهب.
ما تسلّم به هنا: لا يُتخذ أحد رباً من دون الله، ولا النبيون، والرباني من يعلّم الكتاب لا من يضيف إليه.
الخطوة الخامسة: الحل الوسط في ميزان القرآن
الحل الوسط أن تعطي الكتاب أكثر دينك، وتعطي غيره قليلاً. والقرآن وصف هذه القسمة نفسها:
﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ [الأنعام: 136]
لم ينكروا الله، بل جعلوا له نصيباً، ولغيره نصيباً. وضرب الله لذلك مثلاً:
﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [الزمر: 29]
رجل فيه شركاء يتنازعونه: هذا يأمره، وذاك ينهاه، فلا يعرف لمن يستجيب. والله عند المشرك أحد هؤلاء الشركاء، لا غائب عنهم. والتشاكس لا يأتي من الله، فأمره واحد لا اختلاف فيه: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: 82]؛ إنما يأتي من الشركاء الذين أُدخلوا معه.
وفي المقابل رجل ﴿سلما لرجل﴾: مرجعية واحدة، يعرف ما يُطلب منه. ثم السؤال: ﴿هل يستويان مثلا﴾؟
فالحل الوسط ليس منزلة بين التوحيد والشرك. هو صورة الرجل الأول بعينها، بشريكين بدل عشرة.
ما تسلّم به هنا: نصيب لله ونصيب لغيره هو قسمة المشركين في الأنعام، ورجل فيه شركاء في الزمر، ولو كان نصيب الشريك قليلاً.
الخطوة السادسة: «لكني لا أغلو ولا أحلّ دماً»
هذا حسن، لكنه لا يغيّر الاسم. فالحد الذي يرسمه القرآن ليس في حجم ما تأخذه ولا في شدته، بل في ما تدّعيه له. وآية الأنعام كانت في طعام، لا في دم.
خذ رجلين يصليان بالهيئة نفسها. الأول يقول: هذه هيئة ورثتها واخترتها، ولا أُلزم بها أحداً. والثاني يقول: هذا ما فرضه الله، ومن خالفه بطلت صلاته. الفعل واحد، والادعاء مختلف. الأول في سعة ما سكت عنه الكتاب: ﴿عفا الله عنها﴾ [المائدة: 101]. والثاني نسب إلى الله ما لم ينزله:
﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [النحل: 116]
فاسأل نفسك: ماذا تعني بـ«الالتزام ببعض السنة»؟
• إن كنت تعني أنك تراه ديناً فرضه الله، تأثم بتركه، وتُنكر على من لم يأخذ به، فهذا حكم من خارج الكتاب جعلته ديناً، وهو ما سمّته الخطوة الثالثة باسمه، قلّ أو كثر.
• وإن كنت تعني أنك تختار هيئة أو عادة فيما سكت عنه الكتاب، لا تنسبها إلى الله ولا تُلزم بها أحداً، فأنت لست في حل وسط أصلاً؛ أنت في سعة الكتاب نفسه.
ما تسلّم به هنا: لا وسط في المصدر، والسعة في العمل: ما تختاره فيما سكت عنه الكتاب لا تنسبه إلى الله ولا تُلزم به أحداً.
الخطوة السابعة: «أحتاط»
قد تقول: آخذ بالرواية احتياطاً، فإن كانت صحيحة لم يفتني شيء. لكن انظر أين يضع القرآن الخطر. آية الأعراف التي بدأنا بها قرنت الشرك بقوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: 33]. وقال:
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: 36]
فالمسؤولية على من نسب إلى الله ما لا يعلم، لا على من توقّف حيث لا علم. ومن ترك ما لم يبيّنه الله في كتابه، فالله لا يؤاخذه به:
﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ [التوبة: 115]
فالخطر في اتجاه واحد. من ترك رواية لا يعلم أنها من الله لم يقل على الله شيئاً. ومن جعلها ديناً بالظن فقد قال على الله ما لا يعلم. والظن هو ما وصف الله به اتباع الشركاء: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: 23].
ما تسلّم به هنا: الاحتياط ألا تنسب إلى الله ما لا تعلم، لا أن تزيد على دينه بالظن.
الخطوة الثامنة: «ما زال في صدري حرج»
الحرج من الكتاب نهى الله عنه في أول سورة الأعراف، ثم أمر بالاتباع في الآية التي تليها:
﴿كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين﴾ [الأعراف: 2]
﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾ [الأعراف: 3]
فمن أين يأتي هذا الحرج؟ كثير منه هيبة أسماء: «شيخ الإسلام»، «أصح كتاب بعد القرآن»، «الفرقة الناجية». والقرآن سمّى ما تحت هذه الهيبة:
﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ [النجم: 23]
اسم له هيبة، ولا سلطان تحته. وللقرآن اختبار تجريه على نفسك:
﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: 45]
فإن وجدت في صدرك ضيقاً حين يُقال «الكتاب وحده»، وانشراحاً حين يُذكر معه غيره، فاسأل نفسك: ممّ هذا الضيق؟ أمن آية، أم من اسم؟
ما تسلّم به هنا: الحرج من الكتاب نهى الله عنه، وكثير منه هيبة أسماء لم ينزل الله بها سلطاناً.
الخطوة التاسعة: هل أنجو؟
مصيرك ليس بيدي ولا بيد أحد: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: 40]. لكن القرآن يفرّق بين من لم يعلم ومن علم:
﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: 22]
من ورث ما ورث ولم تبلغه الحجة، فأمره إلى الله الذي ﴿لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء: 40]. أما أنت، فقد قرأت الآيات، وسألت سؤالك هذا لأنك شككت. والشك بعد البلاغ لا يُبقي لك عذر من لم يسمع.
والقرآن يقول في الشرك ما لا يقوله في غيره:
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ [النساء: 48]
ثم يفتح الباب لكل من رجع:
﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: 53]، ثم: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ [الزمر: 54].
وثمن الرجوع يسير. لا يُطلب منك أن تترك صلاتك ولا عاداتك، بل أن تكفّ عن نسبة ما لم ينزله الله إليه، وألا تُلزم به أحداً، وأن تجعل الكتاب حكماً على كل ما سواه.
ما تسلّم به هنا: مصيرك لله، لكن العذر يسقط بعد البلاغ، والباب مفتوح لمن أناب، وثمنه يسير.
السلسلة كاملة
هذا ما سلّمت به، خطوة بعد خطوة:
1. الشرك أن تجعل في الدين مرجعية لم ينزل الله بها سلطاناً.
2. يجتمع مع الإيمان والصلاة، وعلامته التفرق شيعاً.
3. الطاعة في حكم واحد بغير ما أنزل الله شرك، ولو في الطعام.
4. لا يُتخذ أحد رباً من دون الله، ولا النبيون.
5. الحل الوسط هو قسمة الأنصبة، ورجل فيه شركاء.
6. لا وسط في المصدر، والسعة في العمل بلا نسبة إلى الله ولا إلزام.
7. الاحتياط ألا تقول على الله ما لا تعلم.
8. الحرج من الكتاب نهى الله عنه.
9. المصير لله، والعذر يسقط بعد البلاغ، والباب مفتوح لمن أناب.
والجواب: ليس في المرجعية حل وسط. إما أن يكون الكتاب وحده حكماً على دينك، وإما أن يكون معه شريك، قلّ نصيبه أو كثر. أما في العمل، فلك سعة ما سكت عنه الكتاب، ما دمت لا تنسبه إلى الله ولا تُلزم به أحداً.
ونختم بما أمر الله نبيه أن يقوله:
﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: 162-163]
يا صديقي
لا اكراه في الدين تشمل كل شيء
من رأى الصلاة فقط صبح وعشاء كما ذكر القرآن بلا تفصيلات مفروضة فهو حقه
من رآها ٥ كما يصلي الموروث بالضبط فهو ايضا حقه
المشكلة تحصل عندما يحاول ان يكره طرف الطرف الاخر
بعض الناس يرى الصلاة بلا حركات مطلقا وهذا حقه ايضا
ليس عليك حسابهم
عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم
كل انسان الزمناه طائره في عنقه .. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
كلهم آتيه يوم القيامة فردا
نتفق على تحكيم القران والالتزام بحدود الله بالقرآن ونترك الباقي لفهم الناس فليس علينا حسابهم