إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه... من شاعره؟!
#تركي_الدخيل
كتب د. عبد الله فيصل آل ربح يوم الأربعاء الماضي، الثامن من يناير 2025 م، في صفحة الرأي في (الشرق الأوسط)، مقالًا عنوانه: (دراما أبو ماضي)، أحسن فيه تأملاته في استكشاف معاني بيتين من أشهر أبيات الشعر الحديث عن الحظ العاثر، وبيان سوء طالع الشاعر، وتعاسة دنياه، وشقاء بخته.
وفي بدايات المقال قال الكاتب، إن الأبيات التي بنى مقالته عليها "يرددها كثير من الناس دون أن يعرفوا هويَّة قائلها"، وإسهاما منه سلمه الله في ردم أمية هؤلاء، نسبها إلى الشاعر اللبناني، الراحل، إيليا أبو ماضي، أحد مؤسسي الرابطة القلمية، وأهم شعراء المهجر (1889 – 1957 م).
والأبيات هي:
إن حظّي كدقيق فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه...
ويتناقل الناس تتمة للبيتين السابقين، يحسن ذكرها، إتماما للحالة الدرامية البائسة، يقول:
صعُبَ الأمر عليهم، ثم قالوا: اتركوه..
إن من أشقاه ربي، كيف أنتم تُسْعِدُوه؟!
ونسبتها إلى أبو ماضي، خطأ جلِيٌّ واضحٌ، وقع فيه الدكتور آل ربح، ولكن:
ومن ذا الذي تُرضى سجاياهُ كُلُّها •• كَفى المرءَ نُبْلاً أن تُعَدَّ مَعايِبُهْ
ولا أدري كيف توصل الكاتب، إلى قناعة قاطعة جازمة، بنسبة أبيات لغير قائلها، هل تابع غيره في هذا الوهم، ونقل عن مخطئ، فأخطأ؟ أم أنه وجد الأبيات، من وجهة نظره، شبيهة بشعر إيليا أبو ماضي، فاستحسن نسبة الأبيات إلى الشاعر المهجري، بسبب ما قاده إليه استمزاجه؟
والحقيقة أن أبيات الحظ البائس الأربعة، لم تكن سهلت الانقياد، ولم ترضخ لمن حاول نسبتها إلى شاعر هنا، وآخر هناك، ويبدو أن ما فيها من طالع تاعس، انعكس على علاقتها مع الباحثين لها عن أب تنسب إليه، يكون سببا لإنهاء حالة اليتم التي تعيشها دون معرفة قائلها.
عندما تبدأ البحث عن الأبيات في الإنترنت، ستواجَه بسيل من المعلومات التي تنسب الأبيات لأحد شاعرين:
عندما تبدأ البحث عن الأبيات في الإنترنت، ستواجَه بسيل من المعلومات التي تنسب الأبيات لأحد شاعرين:
- الشاعر المصري الراحل عبدالحميد الديب.
- الشاعر السوداني الراحل إدريس جمَّاع.
وكان في حياة الشاعرين المذكورين من الأسى والبؤس، ما يجعل نسبة الأبيات البائسة لأي منهما طبيعيًا، يأتي امتدادًا لما عاش كل منهما في حياته من عُسرٍ، وضنك، وشظف، رحمهما الله.
وستجد أن نسبتها لجمَّاع، أكثر من نسبة الأبيات لغيره، ووردت هذه النسبة في كتب بعض المؤلفين ممن يُشار لاسمه بالبنان، في حسن التأليف، وجودة التصنيف، واعتماد المراجع واستخدام المصادر في كل ما يكتبه.
كما أن الشاعر جمّاع عاش حياة بائسة، وما أحراه بأن يقول شعرا كهذا، في وصف واقع حياته التي لم تخل من بؤس، يعرفه كل من قرأ سيرته، والتي دفعت بالإضافة إلى شعره الرقيق، وجمال معانيه، واختلاف مبانيه، إلى التعاطف معه...
لكن جمَّاع، رحمه الله، صارت حياته عُرضة لتأليف قصص عجائبية، ونسبتها إليه، ولو لم يكن له أي علاقة بها.
ومن الروايات التي تُرَدَّدُ عن الشاعر السوداني:
"أن (جمَّاع) كان في مطار لندن ذاهباً من أجل العلاج، وكان علاجه المطلوب هو الذي كان من المنتظر أن يشفيه من علته، وهي سقم العقل حين أَلمَّ به، وعلى الرغم من حالته تلك فإن الشعر لم يكن يتركه.
وفي المطار رأى امرأة فائقة الجمال، ترافق زوجها، فأطال الشاعر النظر إليها في انبهار، وكان الزوج يحاول أن يسترها عنه، منعاً لنظراته، فأنشد في تلك الحالة:
أعلى الجمال تَغَارُ منَّا؟ ماذا علينا إنْ نظرنا؟
هي نظرة تُنْسي الوقا ر، وتُسْعِدُ الروح المعنَّي
دنياي أنت وفرحتي ومنى الفؤاد إذا تَمَنَّى
أنتِ السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا
قيل: وعندما سمع الأديب عباس محمود العقاد القصيدة سأل عن قائلها، فقالوا له: إنه الشاعر السوداني إدريس جمَّاع، وهو الآن في مستشفى المجانين.
فقال: هذا مكانه لأن هذا الكلام لا يستطيعه ذوو الفكر.
وبذا يكون الأستاذ العقاد قد كشف لنا سر جمال الشعر عند الشعراء الذين أضعفت عقولهم قوة مشاعرهم، نتيجة لسيطرة الحب عليهم. ومما ينبغي أن نضيفه إلى ما تقدم أن هذه القصيدة لها عنوان غريب مشتق من بعض كلماتها هو: أنت السماء وقد غناها المطرب السوداني الشهير سيد خليفة ضمن ما غنَّى من قصائد الشاعر".
والكلام السالف، كتبه الأديب والمؤرخ الكويتي د. يعقوب يوسف الغنيم، عن إدريس جمَّاع، لكن قصة المطار ليست بصحيحة، فالشاعر السوداني لم يسافر إلى لندن، والقصيدة وإن كانت لشاعرنا، وهي في أواخر قصائد ديوانه، إلا أن ربطها بالقصة لا يثبت، كما أن كلماتها تتحدث عن عشق قديم، لا إعجاب تشكل في نظرة بالمطار وإن طالت، حتى أقلقت الزوج، ولو لم يقلق ما كان طبيعيًا!
ولا أدري هل تصح قصة تعليق الأستاذ العقاد، على الشعر والشاعر، كما لا أدري هل هذه السياقات، تُعَدُّ مديحا في حق الشاعر جمَّاع، أم العكس؟!
ومن القصص المؤلفة، على الشاعر العذب إدريس جماع، أنه فُتِنَ بعيني ممرضته الإنجليزية في المستشفى اللندني، فأطال النظر إلى عينيها، فخافت وشكت ذلك إلى مديرها، فنصحها بارتداء نظارة شمسية سوداء، لتفادي نظرات المريض، ولمَّا رآها الشاعر ترتدي النظارة السوداء، أنشد قائلًا:
السيفُ في الغِمدِ لا تُخشى بتارتُهُ وسيفُ عينيكِ في الحالينِ بَتَّارُ
وحين تُرجم معنى البيت للمرضة، بكت على الفور! هكذا رويت القصة!
وليس السيف البتار، في غمده أو خارج غمده، من ثقافة الممرضة، وما لا يكون مستوعبًا مفهومًا، لا يُبكى عليه!
يبقى أن أبياتنا التي قادتنا للحديث عن جمَّاع: إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه...
لم تَرِد في ديوان جمَّاع، ولم يذكر أحد ممن نسبها لجمَّاع، أي دليل على هذه النسبة.
وإذ لم تذكر الأبيات في ديوان إدريس جمَّاع، ذهب البعض لنسبة الأبيات للشاعر عبدالحميد الديب، وبخاصة أنها جاءت غير مرة في كتابه أُلِّف عنه وهو: (الصعلوك الساخر وشعره المجهول: عبد الحميد الديب)، تأليف: محمد محمود رضوان.
ينقل محبو الشاعر عبدالحميد الديب أن محمد رمضان كتب في ص 201 من الكتاب عن البيتين المقصودين:
(اختلف النقاد حول نسبة هذا البيت للديب، لكن رجح العديد من معاصريه أن الديب أطلق هذا البيت في لحظة من لحظات بؤسه وثورة نفسه، ويدللون على ذلك أن الديب في أيام زواجه الأولى عام 1939 لم تكن تسعه الدنيا، وفي لحظة من لحظات الصفاء النادرة التي أحس فيها أن الدنيا ابتسمت له سئل: هل مازال متمسكا بعقيدته في سوء حظه الذي عبر عنه ببيته الشعري المشهور هذا، فأجاب: لقد ابتسمت لي الدنيا الآن، وأنشد قائلا …….. ) .. الأبيات.
ويواصل أنصار الديب القول:
وللعلم فإن عبد الحميد الديب وُلِد سنة 1898 م، والشاعر السوداني إدريس جماع وُلِد سنة 1922 م، وحسب رواية معاصري الديب فإن الأبيات قيلت سنة 1939 م، وهذا معناه أن الشاعر إدريس كان في السابعة عشرة من عمره آنذاك، ولم يكن قدم مصر بعدُ ليلتحق بدار العلوم، ولم يُعرف بصفته أديبا أو شاعرا في الأوساط الأدبية في السودان ولا في مصر إلا بعد الحرب العالمية الثانية بمدة، ثم إن بعض الشعراء المعاصرين للديب، رددوا هذه الأبيات كثيرا، حتى ظن السامعون أنها لهم، فنسبوها مرة للتجاني يوسف البشير، ومرة للشاعر العراقي النجفي محمد صالح بحر العلوم، ومرة لإدريس جماع، ويبقى الترجيح من معاصري الديب، مثل الدكتور عبد الرحمن عثمان، الذي خص الديب بدراسة عميقة، وإذا تتبعت شعر الديب في تصوير حياته البائسة، تأكدت من روحه تسري في هذه الأبيات.
هكذا ذهب أنصار نسبة البيتين للشاعر الديب، يمضون في تأكيد أنه قائلها، وأمام انقسام الفريقين، وعدم توفر دليل قاطع، يرجح قول فريق منهما، استمر الجدل في نسبة أبيات الحظ العاثر، حتَّى تصدى للأمر الباحث السعودي،الأستاذ ابراهيم بن سعد الحقيل @o5s11، مؤكدا أن الأبيات ليست لجمَّاع ولا للديب، كاشفًا أن البيتين الأصليين جاءا في كتاب عاش مؤلفه في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وهو كتاب (المناقب والمثالب)، لأبي الوفاء ريحان بن عبدالواحد الخوارزمي، المتوفى في حدود سنة 430 هجرية، ونشر في دار البشائر، بتحقيق إبراهيم صالح، وطبعته الأولى كانت في العام 1420 هـ = 1999 م.
ونسب الخوارزمي إلى اللَّباديّ، قول البيتين، وأوردهما، مع تبديل (حظي)، ب(رزقي)، بهذه الصيغة، في ص 320:
إنَّ رِزقي كدقيقٍ بين شوكٍ بدَّدوهُ
ثم قالوا لِحُفاةٍ يوم ريحٍ: اجمعوهُ
وبذكر البيتين في كتابٍ يعود للقرنين الرابع والخامس الهجريين، ونسبة المؤلف البيتين لشاعر ذكر أنه (اللَّبَّادي)، انتفى أي احتمال أن يكون شاعرهما من المعاصرين، فالمثبت مقدم على النافي، كما يُقال، والبينة على المدعي.
ونقل الخوارزمي عن اللبادي ست مرات في كتابه، مكتفيا من اسمه باللبادي، وفي أول مرة نقل عنه في ص 102، قال المحقق في الهامش:
(292): اللبادي: لم أعرفه.
ثم أورده المؤلف برقم 799، فقال المحقق في الهامش:
اللبادي: شاعر من أهل أذربيجان، ذكره ابن خلكان، ونقل عنه خبرًا طريفًا. (وفيات الأعيان 5/ 381). ص 251، 252.
وفي ص 318 أورد الخوارزمي شعرا للبادي برقم (1077)، وعلّق المحقق في الهامش، فقال: "نقل ابن خلكان 5/ 381 عن الهدايا والتحف للخالديين 94 خبرا عن اللبادي الشاعر، فانظره ثمّة".
وفي ص 320 أورد المؤلف أبياتنا موضع الحديث، للبادي، برقم 1085. كما ذكر في الصفحة التالية أبياتًا للبادي، برقم 1089، ص 321.
وفي ص 386 ساق للبادي بيتا برقم 1372، وتلاه ببيت بعده جاء في ص 387.
ولم تحفل كتب التراجم بذكر اللبادي، سوى ما ذكر عنه أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي (ت 388 هـ = 998 م)، مؤلف كتاب (الديارات)، في أخبار الأديرة (جمع دير وهو مكان التعبد عند النصارى)، فقد ذكر قصيدة للبادي في أحد الأديرة، وزيارته له. قال الشابشتي:
"وكان هذا اللبادي يُكنى أبا بكر، أحمد بن محمد"، ووصفه بأنه "من طياب الناس وملاحهم، وذوي المجانة والخلاعة. وسُمِّيَ اللبادي، لأنه كان يلبس أبدًا على ثيابه لبادًا أحمر". وأورد له قصائد وأبيات، وذكر أنه مدح أبا القاسم يوسف بن داود بن أبي الساج، والذي كانت وفاته سنة 315 هـ، ما دلَّ على أنَّ اللبادي شاعر البيتين القضية، كان يعيش في القرنين الثالث والرابع الهجريين.
محافظة الدوادمي اسمها قديما بالجاهليه العيصان وتغير في العصور الاخيره الى مسمى داورد وكان داورد وادي يغيل بالماء واذا شربت منه الادباش او البشر اصيبوا بحمى المستنقعات
فوفد اليه سويد بن محمد بن فياض من لني زيد وحفر بير وسكنه وام يشرب من الغيل وبعد عام من سكناه توافدت اليه بعض عوايل بني زيد من شقراء وبعض الاسر من حارج لني زيد من تميم وباهله وشمر وعنيبه واستوطنوا معه في داورد ورغبوا فيها لطيب ارضها ومرعاها وهواها وغير اسمها الى الدوادمي فقد كانت داورد معناها داء من ورد هذا الماء يعني يصاب بالمرض وحينما سكنوها غيروها الى دواء ادمي اي شفاء لبني ادم وعمرها غي حدود ٢٨٠ عام وتامر فيها السيف من اسرة السويد وبعد التوحيد عين فيها منصوب حكومي
شكراً سفارة جمعية الأدب في الدوادمي برئيسها د. #عذباء_العجاجي@athalajaji وأعضاء السفارة , شكراً للدكتور عبدالعزيز الحصان الذي استضاف الأستاذ البلداني محمد السيف
@olem3tsh الذي حلق بنا فوق سفوح جبال عالية نجد على مسرح وزارة البيئة بالدوادمي .
@bin_ayed_albrag وهو جد سيد البيد الأديب السعودي الراحل محمد بن عواض بن منيع الله بن عوده بن رده الشرطي الثبيتي ، هو وأبوه وأجداده شعراء لا يشق لهم غبار .
تحت ظلال ثهلان وبين نسماته الباردة، ومن فوق قمم جبال عالية نجد؛ تستضيف سفارة جمعية الأدب بالدوادمي الباحث محمد السيف، لنمخر معه عباب الصحراء في رحلة علمية وتاريخية وأدبية، نستكشف خلالها حكاية هذه الجبال وأصداءها الممتدة عبر التاريخ.@olem3tsh
بفضل الله وتوفيقه تم الإنتهاء من موقع الباحث البلداني والجغرافي عبدالله بن محمد الشايع رحمه الله .
وتم تحميل المؤلفات التي يملك حقوقها على ملفات pdf ويمكن للجميع تحميلها والاستفادة منها .
والمؤلفات التي تمتلك دارة الملك عبدالعزيز حقوقها تم وضع صورة الغلاف ونبذه عن الكتاب بعد أخذ الإذن من الدارة .
اللهم اجعل ما خطّت يداه من علمٍ نافعٍ في ميزان حسناته، وصدقةً جاريةً لا ينقطع أجرها..
https://t.co/f6k4xcTzQJ
بسم الله .. نعلن عن فتحٍ جديد:
"ديوان المتنبّي الرقمي"
فهذا صرح أنهيت -بحمد الله- تشييده، أقمته على ميزان العصر وشروطه، تحرّيت الإحسان في تفاصيله، وقصدت منه تحبيب الأدب في النفوس، وتقريب فهم الشعر إلى محبّيه وشداته.