والد فيصل بن عبد الله بن ذيبان الغامدي أحد موظفي آرامكو يقول: كان ابني سيركب الطائرة المروحية التي سقطت قبل ساعات .
هنا يتجلى معنى القضاء والقدر في أوضح صوره وأظهرها .
#مروحية_أرامكو
إن رأينا إنسانا منهكا من قسوة ما طرأ عليه، مشوشا، وشبه عاجز أحيانا، فلنتوقف قليلا، ونسأل الله أن يجعلنا قادرين على مساعدته حقا، بدون لوم أو استبطاء لسعيه في التحسّن.
الأمر ليس سهلا، فليس من ذاق كمن عرف، ويحتاج منا إلى تذكير دائم لأنفسنا أننا لسنا في مكانه، مهما بدا لنا ذلك.
لسنا سواء في عمق طبيعتنا النفسية، وضعفنا الخاص، والابتلاء الخاص من الله لكل واحد منّا، ولندرك أن استبطان لومه لا يقل ثقلا عن مكاشفته به، فهو يصل إليه ويزيد من إحساسه بالثقل والغربة.
أحب التوجيه النبوي الشريف في أن أول منزلة في الخير هي في كف الأذى، ولكأن بداية طريق الرحمة هو أن نكف أذانا باطنا وظاهرا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي ﷺ قال:
"لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس"
فكيف بمن يسّر على الناس؟
كيف بمن هوّن عليهم وخفّف عنهم؟
كيف بمن أزال ما استطاع من همومهم؟
كيف بمن أعانهم وفرّج عنهم؟
كيف بمن سعى في قضاء دينٍ عن مسلم، أو رفع مظلمةٍ، أو دفع شراً عنه؟
رسميًا من الآن أصبح ثواب كل شيء مختلفا ،أي ركعتين تركعهما الآن فأجرهما أعلى من مثل هاتين الركعتين في أي وقت مضى ، حسنات بر والديك حاليا هي الأعلى خلال العام ، الحرف من المصحف.. الصدقة.. حتى التسبيحة الواحدة ثوابها أكثر من ثوابها قبل ساعات.❤️
لن تدرك فضل العشر الأول من شهر ذي الحجة وتعرف أثر ما ينتظرك من خيرات حتى تٌلقي بقلبك وسمعك ومشاعرك إلى حديث رسولك صلى الله عليه وسلم (مامن أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن العمل من هذه الأيام) قالوا يارسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء) فدونك صدق نيتك وإخلاص قلبك، وكثرة وتنويعها من صيام وتلاوة وذكر وصلة رحم وصدقات وكلمة طيبة وخبايا صالحة ودعوة وإصلاح وأمر بمعروف ونهي عن منكر ومسارعة في الخيرات، وسؤال الله تعالى العون والتوفيق.
يا صاحبي…
ما بالك تُحمّل قلبك ما لم يُكتب بعد؟
ولِمَ تستبق الأقدار كأنك تملك مفاتيح الغيب؟
اهدأ… فإن الغد ليس ميدان قلقك، بل موطن تدبير ربك.
وما خُفي عنك، لم يُخفَ عن الله، وما تأخر، ما كان ليخطئك، وما أصابك، ما كان ليُجاوزك.
يا صاحبي…
كم أرهقت روحك بأسئلةٍ لا جواب لها الآن؟
وكم أضعت لحظاتك في قلقٍ على أمرٍ لم يقع؟
كأنك تنازع القدر، وتطلب من الأيام كشف سترها قبل أوانها.
دعها…
فإن في التأجيل حكمة، وفي الغيب رحمة، وفي الغد تدبيرًا لا تدركه عقولنا القاصرة.
تذكّر…
أن القلق لا يُقدّم موعدًا، ولا يؤخّر قضاءً،
وأن الفكر حين يُرهق نفسه بما لا يملك، يسرق منك سلامك دون أن يمنحك يقينًا.
فكيف تخاف غدًا، وربّ الغد هو ربّ اليوم؟
فنم قرير العين،
وامضِ هادئ القلب،
واترك الغيب لربّ الغيب…
فهو أرحم بك من خوفك، وأعلم بك من ظنونك، وألطف بك مما تتخيل.
هل ذُقت يومًا طمأنينة التفويض؟
أن تتكاثر عليك الهموم، وتضيق بك السبل، ويشتد البلاء… ثم تجد في صدرك سكونًا لا يفسّره منطق البشر، سكونًا مصدره يقينك أن الأمر كله لله ؟
التسليم ليس ضعفًا، ولا هروبًا من المواجهة، ولا استسلامًا للعجز.
التسليم قوّة قلبٍ امتلأ ثقة، وعقلٍ أدرك أن وراء كل تدبيرٍ بشري تدبيرًا ربانيًا أعظم وأحكم.
أن تعمل بكل ما أوتيت، وتجتهد بكل ما تستطيع، ثم إذا انتهى جهدك… لم ينتهِ أملك، لأنك سلّمته لمن لا تضيع عنده الودائع
التسليم أن تبكي بين يدي الله، لا اعتراضًا بل افتقارًا.
أن تقول: يا رب، هذا جهدي، وهذا ضعفي، وهذه محاولاتي… وأنت أعلم بما يصلحني.
أن تؤمن أن ما كُتب لك لن يخطئك، وما أخطأك لم يكن لك، وأن الخير قد يأتيك في صورة تأخير، أو حرمان، أو منعٍ ظننته كسرًا، فإذا به حماية
كم من أمنية تعجّلناها فأضرتنا، وكم من تأخيرٍ ظنناه قسوةً فإذا به رحمةٌ مؤجّلة.
إن الله لا يسوق لك الأقدار عبثًا، ولا يختار لك إلا ما يناسب روحك، ويهذّب قلبك، ويرفع درجتك، حتى وإن لم تفهم الآن… ستفهم يومًا، وستبتسم لأنك صبرت، ولأنك سلّمت.
ذلك هو التسليم الحقيقي:
قلبٌ يعمل، ويسعى، ويجتهد…
ثم يطمئن، لأنه يعلم أن الخيرة فيما اختاره الله
"مضى من شوال ١٨ يوم، ولا زالت أبواب (صيام الست) مشرعة ومن أعانك على الفريضة يعينك على النافلة إن صَدَق عزمك وصحت نيتك ووالله أنها ليست بكثيرة على طريق ينتهي بمحبة الله لك!
«وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه».
غمامةٌ عابرة!
هذه الثلاثون يومًا التي توشك أن تظلَّنا سريعة التقضي كأنها ومضة برق أو غمامة صيف، حتى لقد وصفها الله تعالى في كتابه تقليلًا بأنها (أيام معدودات)، ومعدودات أي قليلةٌ في غاية السهولة، وعلى قلَّتها وسرعة عبورها هي فرصتنا السانحة للتحرر من أغلال الجسد، وللتحليق مجددًا بأجنحة الروح، ولتخليق عوالم جديدة من السعادة، فلا تجعل شيئًا يحول بينك وبين تأمين حياة روحية باذخة في هذه الأيام القريبة ..
ومهما كان تخصصك وقناعاتك وأفكارك ودرجة استقامتك السَّالِفَة لا تدعْ شيئًا يحول بينك وبين الفوز في مضمار رمضان، ولا تذر أحدًا يسرِق منك بهاء الخلوة بين سواري المسجد، أو يختلس منك لذة المناجاة لرب الأرض والسماوات، ومتعة التأمل في آيات الله الشرعية والكونية، وبهجة موالاة الختمات، وسائر صنوف الطاعات المندرجة في عمومِ قوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون).
ولا يَفُتَّ في عضدك أن ترى بعضهم سادرًا في غفلته، فالناس تتفاوت أعمالهم بحسب يقينهم وإيمانهم بالدار الآخرة كما قال تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زيَّنَّا لهم أعمالهم فهم يعمهون)، فاليقين بالآخرة هو الذي يجلِّي الرؤية ويهذِّب النفس ويضبط معيار الأعمال، وفي المقابل فإن الانصراف عن تذكر الدار الآخرة يعصب على العينين حجابًا كثيفًا من العمى والعَمَهِ والحيرة والغفلة عن مواسم الطاعة.
ومن أعظم القربات في هذا الشهر الكريم ملازمة الدعاء والإلحاح به على الله، فإنه بابُ العطاء وأساس التوفيق وجِماع الخير كما يقول التابعي الجليل مطرِّف بن عبدالله: (تذكَّرتُ ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثيرٌ: الصِّيام والصّلاة، وإذا هو في يد الله تعالى. وإذا أنت لا تَقدِر على ما في يد الله إلّا أن تسألَه فيُعطِيك، فإذا جماعُ الخير الدُّعاء)، وهذا الأثر أورده الإمام أحمد بسنده إلى مطرف في كتاب الزهد.
ومن محاسن الشريعة أن الإنسان يثاب على مجرّد العزيمة الصادقة على العمل الصالح، فالعاقل يعزم على فعل الخيرات، لأن الإنسان يثاب على نية مجرَّدة من العمل، ولا يثاب على عملٍ مجرَّدٍ من النية، ومن نوى خيرًا وعجز عنه أو عن بعضه نالَ أجرَ من عمِله كاملا.
ومن محاسن ديننا أن العبادة بفضل الله مفهومٌ شامل أعلاه قول: لا إله الا الله. وأدناه: إماطة الأذى عن الطريق، وفيه عبادات متعدية كالإحسان إلى الناس وتلمس حاجاتهم، وعبادات قاصرة كالذكر وتلاوة القرآن والاعتكاف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان وهذا من العبادات المتعدية، وبالمقابل كان يعتكف في هذا الشهر ويخلو بربه وهذه الخلوة من العبادات القاصرة.
وكثير من الناس يفضل العبادات المتعدية مطلقًا على العبادات اللازمة، ولا شك أن هذا قصور في النظر يجعل البناء الإيماني مهَلهَلا، ولذلك يقول ابن تيمية: (النفع المتعدي ليس أفضل مطلقًا؛ بل ينبغي للإنسان أن يكون له ساعات يُناجي فيها ربه، ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها، ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم، ولهذا كان خلوة الإنسان في الليل بربه أفضل من اجتماعه بالناس)، فأوصيك أن تجعل لنفسك حظًّا في هذا الشهر من عبادات الخلوة والتأمل والتلاوة والذكر والمناجاة ..
ولا شك أن العبادات اللازمة إذا أعطيت حقَّها فإنها تثمر في نفس صاحبِها مروجًا وأنهارًا، وتعين على العبادات المتعدية، فقد جاء في الحديث الصحيح (أن رسول الله صلى الله عله وسلم أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخيرِ من الريح المرسلة). علَّق الحافظ ابن حجر تعليقًا لطيفًا في تفسير هذا الجود النبوي المتضاعف في شهرِ رمضان من جَرَّاء مدارسة القرآن، وأشارَ إشارة معبِّرة عن الخيط الناظم بين اللازم والمتعدي، فقال رحمه الله: (فيهِ أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود..).
وأوصيك أخيرًا ألا تجهد نفسك فتنقطع في أوائل الأيام، ولكن كنْ صارمًا في وضع برنامجك المناسب، وإني بعد طول تأمل رأيت أكثر الناس اغتباطًا بمواسم العبادة وظفرًا بجوائزها من جمعوا بين أمور ثلاثة: الاستعانة بالله أولا، وكان لهم خطط صارمة مرسومة ثانيًا، وحاولوا أن يجمعوا بين الأعمال البدنية والأعمال القلبية ثالثًا، فهذه الثلاثة هي أركان السعادة والاستمرار والتوفيق، وأكثر الانقطاع إنما يأتي بسبب التقصير في جانب من هذه الجوانب ..
فخذها وصايا عابرة من مقصِّر، كان الله معك وبلَّغك أسمى آمالك وغاية أمنياتك ..
عن رحمة الله أُحدّثكم
يقولُ الله تعالى:"إذا أراد عبدي أن يعمل سيئه فلا تكتبوها عليه حتَّى يعملها ، فإن عملها فاكتبوها بمِثْلِها، وإنْ تركها مِن أجْلِي فاكتبوها له حسنه، وإذا أرادَ أنْ يعمل حسنه فلم يعملها فاكتبوها له حسنه، فإنْ عملها فاكتبوها له بعشر أمْثالِها إلى سبع مئة ضعف ".
في أيامكم الثقيلة تذكرو دائمًا مقولة ابن القيم:
"لو كشف الله الغطاء لعبده، وأظهر له كيف يدبّر الله له أموره، وكيف أن الله أكثر حرصًا على مصلحة العبد من العبد نفسه ، وأنه أرحم به من أمّه ، لذاب قلب العبد محبةً لله ، ولتقطع قلبه شكرًا لله"