🔹
[أفلحت الحبيبة وخلَّتني]
في مطلع هذا الأسبوع تجاذبني موقفان متضادَّان تجاذبًا عنيفًا:
حيث أبلغني ابني الأكبر عبدالباري (الطيِّب سابقًا) بأنَّه سيتخرَّج هذا الأسبوع من دورة الضباط الجامعيين في كلية الملك عبدالعزيز الحربية برتبة ملازم أول، ليعمل طبيبًا صيدليًّا في أحد المستشفيات العسكرية، إن شاء الله!
وفي الوقت نفسه بلغني نبأ وفاة (خالتي نورة) بعد أن قضت شهرًا في العناية المركَّزة، رحمها الله وغفر لها وأسكنها فسيح جنَّاته!
انصرف همِّي وهمُّ إخوتي إلى وقع الخبر على أمِّي التسعينية، التي تعاني من أمراض عديدة، وتربطها بأختها علاقة تتجاوز الحدود المعتادة للأخوة والمحبة والخلة، فاتَّفقنا على أن نؤجِّل إخبارها حتى تتناول فطورها وتأخذ أدويتها.
استيقظَت من النوم وجلستُ معها أنا وأخي الأكبر، فبادرتنا بهذا الأمر: (اليوم إن شاء الله توصلوني أشوف خالتكم)؛ فمع أنَّ زيارة خالتي، رحمها الله، طوال الشهر الذي قضته في العناية المركَّزة كانت ممنوعةً بأمر الطبيب: زارتها أمِّي ستَّ مرَّات، على الرغم من الصعوبة البالغة في حركتها، وكانت تجد راحةً في النظر إليها ولو من خلف الزجاج.
وعدنا أمِّي بأن نوصلها لزيارة خالتي، وبعد أن تناولت فطورها وأدويتها، تلطَّفنا في إخبارها قدر استطاعتنا، وكنَّا على ثقةٍ من إيمانها وتسليمها لقضاء الله، وبالفعل استرجعت بفضل الله تعالى، ثم دخلت في حالةٍ من الحزن والصمت مؤلمة، حتى لا تكاد تتلفظ بغير هذه الجملة:
(أفلحت الحبيبة وخلَّتني)!
وقد أخذتني هذه الكلمة المؤلمة إلى وادٍ سحيقٍ من الاغتراب عن محيطي والانفصال عن واقعي، وكلَّما ردَّدتها أمِّي ازددت معها اغترابًا وانفصالًا.
لم تكن هذه العبارة مجرَّد تعبيرٍ عن حزن أختٍ فقدت أختها، بل كانت تختزل تاريخًا طويلًا من المحبة والألفة والصحبة، وتكشف عن شعورٍ عميقٍ بالوحدة لا يستطيع أحدٌ منَّا أن يبدِّده، مهما أحاط بأمِّي من الأبناء والأحفاد والمحبِّين.
كنت أسمعها تقول: «أفلحت الحبيبة وخلَّتني»، فأشعر أنَّها لا تتحدَّث عن أختها وحدها، بل تتحدَّث عن نفسها، وعن عمرٍ طويلٍ مضى، وعن جيلٍ أخذ يرحل واحدًا بعد آخر، وعن عالمٍ كانت تعرفه ويعرفها، ثم أخذت وجوهه المألوفة تغيب، وأصواته الحبيبة تسكت، حتى أصبحت ترى نفسها غريبةً في عالمٍ لا يزال مزدحمًا بأهلها وأحبَّتها!
وأدركت أنَّ في الشيخوخة نوعًا من الغربة لا تصنعه المسافات، ولا يبدِّده اجتماع الناس؛ غربة الإنسان عن زمنه، حين يجد نفسه محاطًا بأجيالٍ يحبُّها وتحبُّه، ولكنَّها لا تستطيع أن تشاركه ذاكرة عمره، ولا أن تستعيد معه تفاصيل عالمه الذي رحل.
كانت خالتي، رحمها الله، بالنسبة إلى أمِّي أكثر من أخت؛ كانت بقيَّةً من ذلك العالم، وشاهدةً على طفولتها وشبابها وكهولتها، ومستودعًا لذكرياتٍ لا يعرف كثيرًا منها سواهما، فلمَّا رحلت شعرت أمِّي أنَّ شيئًا من عمرها قد رحل معها، وأنَّ بابًا من أبواب ماضيها قد أُغلق إلى الأبد!
وأمَّا أنا، فقد وجدتني أمام مشهدٍ إنسانيٍّ بالغ القسوة والعمق؛ أمِّي التي كنت ألوذ بها طفلًا كلَّما أحزنني شيء، وأجد في قربها الأمان من كلِّ ما يخيفني، أراها اليوم تتألَّم أمامي، وأجدني عاجزًا عن أن أصنع لها من الطمأنينة ما كانت تصنعه لي بكلمةٍ أو لمسةٍ أو نظرة!
ثم أعود إلى خبر تخرُّج ابني، فأجدني على الضفة الأخرى من الحياة؛ حيث الشباب والأمل والبدايات، وحيث الأحلام التي تتحقَّق، والخطوات التي تمضي إلى المستقبل، فأفرح له فرح الأب الذي يرى ثمرة عمره، وأحمد الله على فضله، ثم لا ألبث أن أسمع صوت أمِّي يردِّد: «أفلحت الحبيبة وخلَّتني»، فيعود قلبي إلى تلك الضفة التي يقف عليها الحزن وحيدًا!
ممتن لوجود مخارج الطوارئ والاستقالة والطلاق وخصائص الحذف، وكل فكرة تدعم حق الإنسان في الهرب والتراجع حين يشعر أن روحه لا تنتمي إلى هذا المكان وأنه أخطأ الطريق
بلغني خبر وفاة المدعو صامل - @Samel72356 - بعد أن كان يترصد لي في المساحات ويفتري عليّ الكذب ويسبني ويشتمني ويتطاول على أسرتي بلا سبب ولا مبرر. آخرها في مساحة @Taha22 ثم فتح المساحة المقتبسة وما بعدها من مساحات لسبي والإفتراء علي بالزور والبهتان.
الموعد الله وأسأله أن يجعل ما قاله وكتبه في حسابه ومساحاته أثقل ما يجده من عمل بين يدي الله تعالى وأن يعامله بعدله لا بعفوه، وأن يقتص لي منه بالحق والعدالة الإلهية التي لا تحابي ولا تجامل.
اللهم إنه قد ظلمني وآذاني فأذه في آخرته فأنت حسبي عليه ونعم الوكيل.
الفهم الشامل للآخر كذبة كبرى نصدقها لنشعر بالسيطرة والأمان. كل إنسان يحمل في داخله زوايا معتمة -غير قابلة للترجمة- حتى أمام أشد المقربين. احترام هذا الغموض يمنح العلاقة مساحة واسعة للتنفس ويحميها من الاختناق.
يحتقر عبدالصمد المجتمع الذي وضعه في مرتبة الخادم. ويحتقر الأسياد الذين لا يراهم أفضل منه. ويحلم بأن يصبح رجلا مستقلا محترما. لكنه، رغم كل هذا التمرد، لا يزال يقيس قيمته بالمقاييس نفسها التي يقيسه بها ذلك المجتمع.
إنه يحتقر وضعه كخادم لأن المجتمع يحتقر الخادم. ويريد المظهر الأنيق لأن المجتمع يمنح صاحبه مكانة. ويريد أن يكون مثقفا لأن الثقافة تمنحه تفوقا على الذين يسخرون من أصله. حتى رغبته في إثبات ذكائه تبدو مرتبطة بإظهار غباء أولئك الذين يتمتعون بمكانة أعلى منه.
بمعنى آخر، إنه يتمرد على أحكام المجتمع، لكنه لم يستطع التحرر من سلطتها على نفسه.
وهذا ما يجعل شخصيته مأساوية ومقلقة في الوقت نفسه !
لقد رفض أن يكون الإنسان الذي يراه الآخرون فيه، لكنه لم يعرف كيف يرى نفسه إلا من خلال أعينهم!
شايفة كل الناس تتكلم عن الوقوع في اكتوبر و قررت -بعد ما شفت الاحصائيات - أقع في صيام متقطع عن السوشيال ميديا
متقطع لأنه تم استثناء ستريك السناب مع مغتربي العائلة و أربع قنوات باليوتيوب وقناتين تليقرام من الصيام لأسباب يطول شرحها
المثقف الجاهل . . أو القراءة كمخدر
يصعب على القارئ اليوم أن يقرأ دون توقع. هو غالبا قارئ توقوعاني، يدخل النص وفي ظنه مسبقا أنه سيجد فيه شيئا يريده، وغالبا حالة رومانسية معينة. يريد أن يتخدر ويلتهب ويتصبب عرقا. يريد من القراءة أن تنقذه وتمنحه شيئا، لا أن تربكه أو تزيده معرفة. فإذا لم يجد ما جاء يبحث عنه، غادر النص سريعا، كالمدمن الذي أخبره البائع: اليوم خلصت البضاعة . . روح دور غيري! وفعلا يروح يدور كاتبا آخر، أو يعود إلى كاتبه المفضل، لأنه يعرف أن البضاعة عنده مضمونة.
أحيانا أشعر أن القارئ اليوم لا يبحث عن كتاب، بل عن مزاج. يدخل النص وكأنه داخل يأخذ شاور دافئا. يريد دفئا وطمأنينة، يريد أن يحلق ويحلم ويسيل لعابه. ولهذا صار النص الذي يربكه نصا ثقيلا، والنص الذي لا يمنحه آآه ويا سلام نصا لا يستحق القراءة. حتى الثقافة نفسها بدأت تشبه سوقا صغيرا، كل واحد يريد فيه بضاعته على مقاس ذائقته. ذائقة آآه ويا سلام والله عليك ما أجملك . . ذائقة لا توقف . . لا توقف . . ذائقة one more please.
ولست ضد اللذة في القراءة. بالعكس، ما المشكلة أن نقرأ ونستمتع ونضحك ونتأثر؟ المشكلة تبدأ حين تصبح اللذة هي الغاية الوحيدة، وحين يصبح الكتاب مطالبا بأن يمنحنا الشعور الذي نبحث عنه قبل أن نفتح صفحته. عندها لا يعود القارئ مستعدا لأن يذهب إلى مكان لا يعرفه، بل يريد أن يعود كل مرة إلى المكان نفسه، بالشعور نفسه، وبالنتيجة نفسها.
القراءة، في أصلها، كانت مغامرة. كانت بحثا ومعرفة وشيئا من الويل والمعاناة. تقرأ الإلياذة والأوديسة، أو تدخل في ألف ليلة وليلة بعيدا عن رغبة التخدر، فتكتشف أن الأدب لم يكن مجرد تجربة جمالية نبحث فيها عن حالة نريد الوصول إليها مسبقا. كان يمكن أن يربكك، أن يأخذك إلى مكان لم تكن تعرف أنك ذاهب إليه، وأن يتركك أمام سؤال أو تجربة لا تعرف ماذا تفعل بها. وهذا هو الفرق بين أن تدخل النص لتجد نفسك فيه، وأن تدخل النص لتكتشف شيئا لم يكن فيك أصلا.
وربما لهذا بدأت أشك في كثرة القراءة نفسها. قد تجلس مع قارئ نهم، فتجد عنده أسماء الكتب والاقتباسات والانبهار، ثم تبحث عن أثر كل ذلك في طريقة تفكيره فلا تجد الكثير. كأنه ضرب كل الكتب وامتصها، لكنه لم يحتفظ إلا بمذاقها. يعرف ماذا قال فلان، وماذا كتب علان، ويستطيع أن يستحضر عشرات العبارات، لكنه حين تسأله عما فعلت هذه القراءة به، أو ما الذي تغير في نظرته إلى الأشياء، يصمت أحيانا.
وهذا ربما يفسر شيئا من النسيان الذي يصيب بعض القراء. حين تقرأ وأنت في حالة شبه مخدرة، تتذكر الشعور أكثر مما تتذكر الفكرة. تتذكر أنك انبهرت، وأنك تأثرت، وأنك قلت يا سلام، لكنك بعد فترة لا تستطيع أن تستعيد ما الذي كان يقوله النص، ولا لماذا كان يقوله، ولا أين وضعك أنت من كل ذلك.
القارئ الذي أبحث عنه ليس ذلك الذي يحول القراءة إلى عذاب، ولا الذي يقرأ الكتب الصعبة حتى يثبت لنفسه وللآخرين أنه مثقف. إنما ذلك الذي يسمح للكتاب بأن يأخذه إلى مكان لم يكن ينوي الذهاب إليه. أن يقرأ شيئا لا يفهمه تماما، فيعود إليه. أن يقرأ فكرة تخالفه، فلا يغلق الكتاب غاضبا. أن يواجه نصا لا يمنحه تلك النشوة السريعة، ومع ذلك يبقى معه قليلا.
فالقراءة التي تستحق وقتنا ليست دائما القراءة التي تجعلنا نشعر بشيء قوي أثناءها. أحيانا يكون أثرها أبطأ من ذلك بكثير. تنتهي من الكتاب، تغلقه، وتمضي في يومك، ثم بعد أيام تجد جملة منه عالقة في رأسك. تنظر إلى شيء عادي فتراه بطريقة مختلفة قليلا. تتذكر سؤالا لم يكن يخطر لك من قبل. عندها فقط تعرف أن الكتاب لم يكن مجرد وقت قضيته في القراءة.
مو مهم انت بأي فريق؛ المهم هو كيف تقول رأيك وكيف تتقبل الرأي الآخر والأهم انك تتعلم تتفهم اسبابه ما ظهر منها وما بطن، بدون ما تتحول لوحش يستنقص و يسيء لأي أحد يختلف معاه
صدق شوبنهاور حين قال إن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يسبب الألم للآخرين بلا غاية سوى التسلية. هذا المشهد العبثي ليس مجرد حماقة سيّاح، بل هو تلخيص مكثف لبشاعة البشر؛ نحن لسنا سوى وباء لزج يفسد حتى لحظات المخاض لبقية الكائنات، ثم نتوّج انحطاطنا بأعذار أشد غباءً من الجريمة نفسها
مؤخرًا تبنيت سؤالًا واحدًا كلما جدَّ جديد، وهو: "ليش لا؟" أصبحت هذه العقلية تلازمني بعد سنوات من الجمود والتحفظ كنت فيها أتساءل: ليش ايه؟
ولو فيه شيء أتمناه الحين هو أني اكتسبت هذه العقلية في وقت أبكر، ولا أتصور عدد المكاسب الشخصية والعلمية والمهنية التي كنت سأجنيها لو كانت "ليش لا؟" تلازمني منذ الجامعة على أقل تقدير.