فقط أريد حياة هادئه بعيد عن الصخب بعيدا عن الناس بعيدا عن كل شي
اريد حياه على جنبات الحياه
بلا سباق بلا استنزاف بلا عيون يملؤها اللهب و الدمع
أريد هواءا عليلا و شجرة.
يحكي أنه كان هناك 150 بطل، قابلوا ربهم، دون أن يعلم عنهم أحد..
اليوم يتأكد كل شيء، ويخرج المتحدث الرسمي باسم كتائب أبطالنا في القطاع، ينعى رجالا رفضوا الاستسلام لأحط العدى، وفضلوا البقاء في الأنفاق حتى ملاقاة خالقهم..هل تتخيل الأمر..دعني أقرب لك جزء من ألف من الصورة..
هناك شباب حملوا سلاحهم وظلوا يتنقلون طوال عامين من نفق لنفق..ينتهزون الفرصة، يطلون برأسهم، يحملون قاذفاتهم، ويثخنون في العدو..قليل يعود، وكثير يرتقي..عامان صمد فيهم خيرة شباب الأرض، كما لم تفعل جيوش نظامية مدربة انهارت في أيام وأسابيع، أمام قوة تقل ألف مرة عما واجهه أبطالنا..ثم قيل لهم.. انتهت الحرب باتفاق ترامب الذي أزهقت من بعده أرواح خمسمائة شخص..
انتهت الحرب بعد الإفناء الكامل..ووجدوا أنفسهم عالقين وأمامهم أحد مصيرين..إما استسلام ذليل يرغب فيه العدو كصورة نصر أخيرة للمحارب وهو يرفع راية بيضاء ويسلم عتاده..أو البقاء في أنفاق خانقة..اغمض عينيك لحظة ثم تصور أنك في مساحة تسع بالكاد جسدك..جسدك الهزيل الذي يعاني الجوع لعامين، بلعومك المتشقق من قلة المياه، ثيابك المهترئة على جسد رطب من العرق، وبدنك المتشنج من نوبات ألم الجوع والبرد والعطش..تخيلت؟..هذه بالضبط كانت نهاية هؤلاء الأبطال..
كان يمكنهم التسليم والوشاية بزملائهم..الحروب تخرج أسوأ ما بالنفس البشرية، تفاجئك بما لم تكن تتوقعه عن نفسك، حب النجاة والتعلق بالحياة وكراهية الرحيل قد تدفعك للتخلي عن زملائك..لكنهم والله ما فعلوا، لأنهم على عقيدة لا تعرف سوى تقوى الله في الدنيا ولقائه الكريم في الآخرة..لا تعرف سوى الوطن والشرف والسلاح..في عز ما باع الكل، اشتروا بأرواحهم وأموالهم دينا ووطن..في عز ما كانت البارودة عند الكل مرحلة، يجنون من بعدها ثمار التنسيق الأمني، رضوا هم بفتات العيش وتراب الوطن، ولو كان الوطن في النهاية نفق..
ثم باعتهم الأمة فلم تطق حرا يذكرها بعبوديتها، ولم تقبل أن يحيا بين ظهرانيها كريما وهم منكسو الرؤوس..150 من خيرة شبابنا يقفون بين يدي الله..قابلوه ركعا سجدا، مقبلين لا مدبرين، صناديدا لا رعاديد..قابلوه على الفطرة التي غرسها في نفوسهم..رجال لا يقبلون الضيم..لا يرتضون الدنية في وطنهم ودينهم..قابلوه أحرارا في زمن العبيد المرصعة رؤوسهم بتيجان لا تساوي ذرة تراب عالقة في كعوبكم..
عزيزي البطل الذي ارتقى في الأنفاق وحيدا، متألما، جائعا، ظمآنا..صديقي بالألم وأخي في الدين والوطن..لا أعرف لك اسما، ولا أملك لك صورة..لكن قسماً بمن رفع السماء بلا عمد، لذكراك عندي باقية ما بقى في الصدر نفس، ولتكونن بطولتك على لساني خالدة، ما بقى في القلب قبس..وإن نساك الكل أتذكرك..جنات النعيم مثواكم، والسقيا من يدي نبينا الأكرم عزاؤكم..عزاؤكم عن عالم أفاق وعروبة مهزومة وأمة من المحيط للخليج ظننتم أبنائها إخوة لكم، فكانوا عليكم ضباعا وللعدو نعاجا..عزيزي الذي لا أعرف عنه سوى بطولته..تقبلك الله وأعز من أعزك، ونكس بالذل والعار رأس من تآمر عليك وخذلك..سلام لكم يا ساداتنا وتيجان رؤوسنا.