حين تختلُّ قيمُ الصعود
على قَدْرِ طُهرِ القلبِ تأتي المواجعُ
وتجري على قَدْرِ النقاءِ المدامعُ
ويجني مرارَ العيشِ من عاش صادقًا
ويظفرُ بالعيشِ الهنيءِ المخادِعُ
ويعلو علوَّ الزيفِ من باعَ نفسَهُ
وقادتْهُ نحوَ المخزياتِ المطامِعُ
أبا الطيبِ ائذنْ لي بتحريفِ خاطرٍ
فإنَّ زماني كدَّرتْهُ الفواجعُ
هذه الأبيات للدكتور فواز اللعبون، وهي محاورةٌ شعريةٌ لمطلع قصيدة المتنبي الخالدة، وقد أعلن صاحبها ذلك صراحةً في خاتمتها حين استأذن أبا الطيب أن «يحرّف خاطره»، لا ليقلده، بل ليمضي إلى تأملٍ يخص هذا العصر؛ عصرٍ تبدلت فيه وجوه الأشياء، حتى غدا النجاح عند كثيرين يُقاس بحجم المصالح والمكاسب، لا بميزان القيم، ولو كان ثمنُه بيعَ النفس وخسارةَ الكرامة.
ولا تُقرأ هذه الأبيات بوصفها شعرًا فحسب، بل بوصفها قراءةً نافذةً لزماننا، ودعوةً إلى التأمل في اختلال موازينه، وإلى الحذر من الانسياق وراء بريق الظاهر فيخسر الإنسان ما لا يُعوَّض في باطنه.
في مطلع القصيدة لا يقرر الشاعر أن طهارة القلب سببٌ للألم وإنما يلفت إلى أن القلب النقي أكثر حساسية تجاه ما يعتري الحياة من ظلمٍ وزيف. فكلما ازداد صفاءً ازداد إدراكه لما يتجاوز ظاهر الوقائع، واتسعت قدرته على الإحساس بما يعجز عنه القلب الذي ألف القسوة حتى غدا لا يفرّق بين الألم والتكيّف معه.
ثم يقف عند الصدق لا بوصفه طريقًا إلى الشقاء بل بوصفه قيمةً تحفظ للإنسان إنسانيته وإن كلّفته أحيانًا ما لا يكلّف غيره.
فالصدق لا يُقاس بما يمنحه من مكاسب عاجلة، وإنما بما يصونه من خسائر لا تُرى إذ يحفظ الضمير من التلوث، والكرامة من الابتذال، والنفس من أن تُباع في أسواق المصالح.
وفي أزمنةٍ تختلط فيها المعايير، قد يبدو الصادق خاسرًا في حسابات الناس، بينما يحقق المخادع مكاسب سريعة غير أن تلك الحسابات لا تقيس إلا ما يُرى أما ما لا يُرى فلا يظهر إلا مع الزمن حين تتكشف عواقب الزيف، ويبقى الصدق رصيدًا لا تنقصه تقلبات الأيام.
وتبلغ الفكرة ذروتها في قوله:
ويعلو علوَّ الزيفِ من باعَ نفسَهُ
وقادتْهُ نحوَ المخزياتِ المطامِعُ
فالعلو هنا ليس سموًّا، بل هو علوٌّ يصنعه الزيف؛ يرفع صاحبه في أعين الناس ثم يُسقطه في ميزان القيم، وما يبدو في ظاهره نجاحًا قد يكون في جوهره خسارةً لا تُدركها مقاييس المنفعة بل يكشفها ميزان الضمير إذ لا يلبث الزيف إذا اعتلى أن ينعكس على واقع الناس فيفسد القيم قبل أن يفسد الحياة.
ولعل قيمة هذه الأبيات أنها لا تدين عصرًا بعينه فاختلال الموازين قديمٌ قدم الإنسان وإنما تذكّر بأن امتحان المرء لا يكون في وجود الزيف بل في قدرته على ألا يصير جزءًا منه.
فليس كل من خسر ربحًا خاسرًا ولا كل من بلغ القمة قد بلغها حقًا.
وهنا تتجلى وظيفة الشعر فهو لا يقدّم أحكامًا نهائية ولا يزعم امتلاك الحقيقة وإنما يوقظ القدرة على إعادة النظر التي يخفت أثرها مع الاعتياد.
وما يبقى من القصائد ليس قوافيها وإنما قدرتها على أن تجعل القارئ يعيد النظر في نفسه قبل أن يعيد النظر في العالم من حوله.
أيُّ عطرٍ سيبقى؟
إِنِّي شَمَمْتُ مِنَ العُطُورِ جَمِيْعِهَا
وَعَرَفْتُ أَطْيَبَهَا عَلَى الإِطْلَاقِ
كُلُّ العُطُورِ سَيَنْتَهِي مَفْعُولُهَا
وَيَدُومُ عِطْرُ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ
شعر: محمود الأنباري
لا يوازن الشاعر بين عطرٍ وآخر، بل يعيد تعريف الطِّيب نفسه فينقله من عبير الزهور إلى عبير النفوس.
وكأنه يقول: لم أصل إلى هذا اليقين سماعًا وإنما بعد تجربةٍ ومعايشةٍ أدركتُ معها أن لذة كل متاعٍ من متاع الدنيا لا تلبث أن تزول، أما أطيب ما يخلِّفه الإنسان فليس ما يلامس الحواس بل ما تغرسه مكارم الأخلاق في القلوب.
ولعل أول من يجني ثمار هذه المكارم هو صاحبها فالخير لا يترك أثره في الآخرين وحدهم بل يعود على صاحبه سكينةً وطمأنينةً ورضا.
ولذلك يجد من سعادة العطاء ما يفوق لذة الأخذ، وكثيرًا ما يكتشف أن ما قدَّمه لغيره عاد إليه أضعافًا في راحة النفس والسعادة وانشراح الصدر ورضا الضمير.
فالمال والجاه وسائر نعم الدنيا لا تبلغ تمام روعتها ولذتها بمجرد امتلاكها وإنما بما تُسخَّر له من خير.
وليس العطاء حكرًا على المال فقط فكل إنسان يملك نعمة يستطيع أن ينفع بها غيره (علم يُنتفع به، أو وقتًا يبذله و جهدًا يقدمه، أو كلمةً طيبة، أو خُلُقًا كريمًا، أو ابتسامةً صادقة).
وعندئذٍ تتحول النعم، على اختلاف صورها من متاعٍ زائل إلى عطرٍ يسكن القلب قبل أن يفوح في حياة الآخرين.
ومن هنا نفهم أن كثيرًا مما يُبهرنا في الحياة ليس إلا مظاهر براقة تلمع لحظةً ثم تخبو سريعًا كالعطر الزائل الذي يملأ المكان ثم يتلاشى أثره.
أما ما سُخِّر لخير، أو اقترن بمكارم الأخلاق، فهو وحده الذي ينجو من سلطان الزمن.
ولعل هذا ما يفسر بقاء بعض الناس في الذاكرة برغم أنهم لم يتركوا وراءهم كثرة مال، ولا علوَّ جاه، بل لأنهم تركوا قلوبا أحسنوا إليها ونفوسًا طيَّبوها وسيرةً عطرةً لا يزال عبيرها يفوح بعد رحيلهم.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كلُّ واحدٍ منا على نفسه:
أيُّ عطرٍ سيبقى مني… عطرُ المظاهر، أم عطرُ المكارم؟
ترمب يهاجم مراسلة واصفاً سؤالها بـ"الغبي جداً" ويطالب أعضاء مجلس الشيوخ بالبقاء في واشنطن حتى إقرار قانون "SAVE" محذراً من تداعيات فشل تمريره على الحزب الجمهوري
قناة الحدث
أبدعت ونظمت مرآةً لزمننا بفكرة واضحة وصور مؤثرة ورائعة ولها وقع وجداني مؤثر ولكني أرى أن صدر البيت الثالث وعجزه لايلتقيان تماما ، فمن باع نفسه للمطامع لايرقى إلى العلياء حقيقة بل قد يرقى في منصب أو جاه أما ( العلياء) فهي لفظ تحمل معنى الشرف والسمو ،، فمن باع نفسه يعلوا بدنيا الزيف فقط ولايرقى إلى العلياء ،، فيمكننا القول
ويعلوا في دنيا الزيف من باع نفسه
وقادته نحو المخزيات المطامع
وفي القريب إن شاء الله سأكتب تأملات تليق بروعة وبلاغة مانظمت وأنشرها على صفحتي..
يؤمِّلُ دنيا لتبقى له
فمات المؤمِّلُ قبل الأملِ
حثيثًا يروي أصولَ الفسيلِ
فعاش الفسيلُ ومات الرجلُ
هذه الأبيات، على قصرها، تختزل فلسفة الحياة في كلمات معدودات. وهي وإن اشتهرت على ألسنة الناس، وتمثّل بها سيبويه عند احتضاره، فإن نسبتها إلى قائلٍ بعينه لم تثبت، وإن كان بعضهم ينسبها إلى أبي العتاهية.
وقفتُ عندها طويلًا، وكأنها تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والزمن. ففي زحمة السعي ننسى أننا، في حقيقة الأمر نغرس اليوم ما قد لا نجلس في ظله غدًا، ونبني ما قد يسكنه غيرنا، ونُتعب أعمارنا في أعمالٍ تمتد آثارها إلى من يأتي بعدنا.
ليست هذه الأبيات رثاءً لرجلٍ مات قبل أن يبلغ أمله، بقدر ما هي احتفاءٌ بالأثر الذي يبقى بعد صاحبه. مات الغارس، لكن الفسيل الذي سقاه بيديه ظل ينمو حتى صار نخلةً باسقة، يستظل بها أناسٌ لم يعرفوا اسم من غرسها، ولم يروا وجهه يومًا.
وهنا تتجلّى حقيقة الحياة؛ فالأعمار قصيرة، أما الآثار فربما كانت أطول من أصحابها. وليس الخلود أن يبقى الجسد، وإنما أن تبقى ثمرةُ العمل، وصالحُ الغرس، وحسنُ الأثر.
ولعل أقرب ما يعبّر عن هذا المعنى قول الله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12].
فما يقدّمه الإنسان ينقضي بانقضاء فعله، أما أثره فقد يمتد أجيالًا، يثمر خيرًا أو شرًّا بعد رحيله.
لهذا لا ينبغي أن يكون سؤال الإنسان: ماذا سأجني؟ بل: ماذا سأترك؟ فكم من رجلٍ واراه الثرى، وما زال عطاؤه حيًّا بين الناس، وكم من حيٍّ يمشي بينهم، ولم يترك وراءه أثرًا يُذكر.
رحم الله كل غارسِ خيرٍ، وألحقنا بمن يجعلون من أعمارهم بذورًا تنبت بعدهم، فما يموت حقًّا هو العمل المنقطع، أما الأثر الصالح فحياةٌ أخرى لصاحبه، وإن غاب عن الدنيا.
*المرآة التي تُعيد تشكيل الوجه*
ليست الخوارزمية كائنًا يقرأ الأفكار، ولا تمتلك مفاتيح العقول، لكنها تمتلك ما قد يكون أخطر من ذلك؛ فهي مرآة لا تعكس الوجه فحسب، بل تتعلّم، مع الزمن، كيف تؤثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والعالم من حوله.
إنها لا ترصد إلا آثارك الرقمية: لحظات التردد، ومدة الوقوف، وسرعة التمرير، وتكرار العودة.
كما أنها لا تقتحم إرادتك دفعةً واحدة، بل تتسلل إليها بهدوء عبر التكرار والإغراء، حتى تبدأ من حيث لا تشعر في إعادة ترتيب أولويات انتباهك، وذلك ليس لأنها شريرة بل لأنها تؤدي المهمة التي صُممت من أجلها.
فالخوارزمية لا تحب الإنسان ولا تعاديه، ولا تحمل حكمًا أخلاقيًا عليه.
إنها أداة تنفذ غايتها بكفاءة: أن تُبقي عينيه معلقتين بالشاشة، وذهنه متصلاً بها أطول وقت ممكن.
ومع الأيام تتسع نافذته الرقمية شيئًا فشيئًا حتى يخيّل إليه أن الأفق لا يتجاوز إطار الشاشة، وأن كل ما هو جدير بالاهتمام قد دخل دائرته المتسعة، وما عداها لا يستحق النظر.
غير أن في الإنسان عنصرًا تعجز الخوارزميات عن احتوائه بالكامل، وهو الوعي.
فالحرية لا تبدأ حين نفهم كيف تعمل الخوارزميات، بل حين نستعيد حقنا في مساءلتها. ليس بالسؤال: لماذا ظهر لي هذا المحتوى؟ فحسب، بل بالسؤال الأعمق: لماذا أستجيب له؟ وهل أحتاج إليه حقًا في هذه اللحظة، أم أن المنصة تحتاج إلى بقائي أكثر مما أحتاج إلى ما تعرضه عليّ؟
إن لحظة إغلاق الهاتف ليست انقطاعًا عن العالم، بل عودة إليه. عودة إلى العالم الحقيقي، والشعور بمتعة الحياة والاستمتاع بها.
فنصف ساعة إلى ساعة من الصمت، بعيدًا عن التنبيهات وتدفق المحتوى، ليست هروبًا من التقنية، بل استردادٌ لمساحةٍ داخلية تذكّر الإنسان بأن عقله خُلق ليفكر، لا ليُقاد؛ وأن انتباهه أثمن من أن يُترك نهبًا لخوارزمية لا تعرفه، لكنها تعرف جيدًا كيف تستدرجه.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: هل أختار هذا المحتوى بإرادتي؟
بل: هل ما زلت أمتلك من الحرية ما يكفي لأقرر متى أُغلق الشاشة، وأين أضع بصري خارج دائرة توقعاتها؟