أظنها في جنازة الشهيد يحيى أبو شمالة في معسكر خانيونس، عام 2001،
وقف خطيب الجنائز الشيخ والأستاذ القدير أحمد نمر حمدان، عليه رحمة الله، وصاح في الناس بعد أن أخذ منهم قسم الولاء لدماء الشهداء، وقال:
"أؤكد لكم أن صاحب الظل وضيف فلسطين الكبير، يمشي بينكم الآن في الجنازة"
فأخذ الناس يلتفتون إلى بعضهم البعض، يفتشون عنه وعن أثره وملامحه، وأصوات التكبيرات تعلو في الجنازة، دون أن يتعرف عليه أحد أو يصل إليه أحد،
كانت لحظة مهيبة، مهيبة جدا، بحجم هيبة حضوره وغيابه وصدقه وتفانيه لأجل فكرته وعموم مشروعه...!
فروا إلى الله بقلوبٍ خاشعة، وصدور خاضعة، ونفوس منكسرة، وعيون متذللة، وألسنة متوسلة، نادمين على الذنب، ومصرين على التوب، تخرون للأذقان سجدا، معترفين بالعجز، ومقرين بالجرائر، تهزون في الفضا أيديكم كأنما تمسّكون بستار الكعبة، ترفعون الأكف كأنكم تلمسون السماء، تلحُّون في الدعاء كأنها ساعة عمركم الوحيدة، تفعلون باليوم ما يفعل الغريق بالطوق، وآهٍ بالدنيا من يمٍّ عميق، وجُبٍّ ��حيق!
..
أقبلوا على الله بنوائبكم وحاجاتكم، بما اجترحتم وما رجوتم، قفوا لله موقف صدق تطوون به بعد المكان في حرم الزمان، واستحالة الحضور في عظمة الوجود، ولا تضيعوا منه لحظةً من دون الله، فذاك يوم فرار ينفعكم ليوم فرار!
الآن وفي عتمة هذا الليل نزوح مئات العائلات شمال غزة وجنوبها بسبب القصف !!
مهما حدثناكم عن جروح غزة ومآسيها التي لا تتوقف لحظة، فلن نستطيع أن نصف لكم الواقع !!
حسبنا الله ونعم الوكيل، يارب إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، غير أن عافيتك أوسع لنا !!
يظن العالم أن الحرب على غزة قد توقفت، والحقيقة أننا ما زلنا نعيش تفاصيلها كل ساعة، أصوات قصف، وانفجارا�� عنيفة تهز أرجاء المدينة، وصرخات فقد لا تتوقف، حتى وأنا أكتب هذا المنشور أصوات القذائف تكاد تخلع القلوب !!
هذه حياتنا التي تعودنا عليها، واعتاد عليها العالم !!
حسبنا الله ونعم الوكيل، فوضنا أمرنا إليه، فهو المطلع على حالنا، والعالم بحجم القهر الذي يملأ قلوبنا !!
يُغلَق الأقصىٰ، يُعدَم الأسرىٰ، والصّمت واحد.. ولو رأىٰ الجبان حركةً مختلفةً عما اعتادَ لارتَجَف، لكنّ الغُثاء لا يُخيف، والوَهَن لا يُعتَبَر! ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
كنت أمشي في أحد شوارع غزة فاستوقفني مشهد هذا الرجل الكبير يصدح بالأذان على باب منزله المتواضع، فظننت أن هناك مصلى أو مسجداً بجانبه، فلما جئته قال لي هذا بيتي، أقوم بالأذان على بابه كل صلاة، قلت له لماذا تقوم بذلك ؟!
فقال لي؛ كنت مؤذناً في مسجد اليرموك وسط غزة لأكثر من أربعين سنة، ثم جاءت الحرب وقصفوا المسجد، ثم لما انتهت الحرب لم أستطع أن أعيش بلا أذان، فالأذان يجري في دمي وعروقي، وهذا حالي كل صلاة أقف على باب بيتي أصدح بالأذان لعلي أخفف عن قلبي حرقة الاشتياق !!
قلت له، كيف كان شعورك حين جاءك خبر قصف مسجدك، فسكت قليلاً؛ ثم قال بعد أن اغرورقت ��يناه بالدموع: والله كأن روحي خرجت من جسدي بل أشد، فقد كان قلبي معلقٌ فيه تعلقاً عظيماً، والله لقد تمنيت لو أن بيتي الذي قُـصـف ولا أن يصاب المسجد بأي أذى !!
تذكرت حينها حديث رسول الله ﷺ ورجلٌ قلبه معلق في المساجد، وكأن النبي ﷺ كان يقصده !!
نسأل الله أن يطيل في عمره على طاعته، ويرزقه الصحة والعافية، ويصبر قلبه على فراق مسجده !!
لأول مرة منذ ثلاث سنوات أرى الفرحة تتسلل إلى قلوب أطفال غزة، لأول مرة أرى الضحكة ترتسم على وجوههم، فالحمد لله الذي أذاقهم فرحة هذا العيد بعد سنوات الخوف والحرب، فما تحملوه من هم وغم، وخوف وجوع، لا يطيقه بشر ولا حتى حجر !!
أسأل الله أن يجعل كل حياتهم سعادة، لا حزن فيها ولا ألم، ولا جوع فيها ولا وجع، اللهم وجميع أطفال المسلمين !!
لقد بُحَّ صوتنا ونحن نقول لكم أن المسجد الأقصى مغلق في وجه المصلين والقائمين، فهذا هو اليوم السادس عشر للإغلاق، وأخشى أن يأتي ذلك اليوم الذي يُبح فيه صوتنا ونحن نقول لكم لقد هدموا مسجدكم، ولن ينفعكم حينها الندم !!
فلا تتركوا الحديث عنه ��لا تنسوه ولا تخذلوه، ولا تكن أخباره حديثاً عابراً، وعلموا أولادكم حبه كما تعلمونهم السورة من القرآن، فهذا أقل شيء تقدموه له، وتعذروا به أمام الله !!
إذا كنا نحن الأصحاء الأقوياء لا نستطيع التنفس من شدة هذا الغبار، ولا نقدر حتى على فتح أعيننا، فما بالكم بالمرضى والمصابين والأطفال وأهل الأعذار !!
اللهم لطفك ورحمتك بأهل غزة، اللهم إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، غير أن عافيتك أوسع لنا !!
مُقتضى اسم الله "العفو" أنه لا يغفرُ السيئة فحسب، إنما يمحوها كليةً فلا يكون لها أثر حتى في ديوان الحفظة.. بل لو محاها أزالها بقدرته من قلب العبد وأنساها عقله، فلا يكون لها أدنى سُلطان عليه.. فلا السيئة توجعه في الدنيا ولا تضره في الآخرة!
اللهم إنك عفو تُحب العفو.. فاعف عنا
هل تعلم أخي المسلم أن المسجد الأقصى المبارك مغلق في وجه المصلين منذ أكثر من أسبوع، فلا تصلى فيه الجمعة ولا أي صلاة جماعة !!
ليس هذا فحسب، بل سيتم إغلاقه طيلة الأيام العشر الأواخر في وجه المصلين، وذلك لأول مرة في التاريخ !!
لقد استغلوا انشغال الأمة بالنكبات المت��احقة، والظروف العاصفة، ليستفردوا بمسرى رسول الله ﷺ، ويضيقوا الخناق على المصلين فيه !!
نحن مقصرون جداً في السؤال عنه ومتابعة أخباره، نسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا، فلا عذر لنا !!