سميي العزيز
أنا لا أدافع لا عن النظام ولا عن متبعيه، ولست مخولا بذلك.
أنا أطالب بخطاب علمي طبي، يتجنب فيه الممارس الصحي والإعلامي والمثقف ترك القضية الرئيسة (دراسة النظام) ويقفز إلى محاسبة متبعي النظام واتهامهم بالجهل والسذاجة والكثير من التهم غير اللائقة.
مثلا خطابك المرفق (تنبيهات قاسية) الذي لم أستطع إكماله بعد السطر الأول:
بربك من سيستمع إليك من متبعي النظام وأنت تقول (كثير منهم يحتاجون إلى تربية).
هل ضاقت اللغة يا أحمد؟
من أنت حتى تربي الناس؟
وهل تعلم منهم متبعي نظام الطيبات؟
هل ستربي رجالا في عمر أبيك وجدك؟
هؤلاء يا أحمد أناس ضاقت بهم السبل، يبحثون عن بارقة أمل تريحهم من معاناتهم، بالله عليك حين تزور المستشفى وتشاهد ازدحامه بعشرات الناس ينتظرون أدوارهم للكشف والمتابعة، هل تعرف ظروفهم، هل تعرف كيف وصلوا إلى المستشفى؟ كيف ينامون؟ كيف تؤثر مواعيدهم على مخططات أسرهم؟ كيف يشعرون بثقلهم على أبنائهم وأصدقائهم؟
هذه الظاهرة تبيّن لنا أزمة الخطاب التي جوبه بها الحالمون، الراكضون خلف بارقة أمل الشفاء والراحة من معاناة سنين من مشاوير الكشف والمتابعة والإبر والمواعيد ومعايشة الألم.
راجع خطابك يا صديقي، وتلمّس بإنسانية معاناة الآخر.
أعطر التحايا
@1_Q_X@1Tobar_ من التناقض العجيب: أن يُجاز تحديد يوم معين لكسوة الكعبة سنويا، بينما يُحرّم تحديد أيام للدعوة والتعليم (كـ 3 أو 40 يوماً) بدعوى "البدعة"!
الآلية واحدة والهدف تنظيمي بحت في الحالتين دون اعتقاد فضل خاص للرقم.
في خضم الجدل الدائر حول #نظام_الطيبات، لم يكن الصراع الحقيقي بين قائمة مسموحات وممنوعات، ولا بين وصفة غذائية وأخرى، بل بين رؤيتين مختلفتين للطب ذاته.
رؤية ترى المريض إنساناً يبحث عن الأمل قبل أي شيء، ورؤية أخرى تنظر إليه بوصفه حالة سريرية وأرقاماً وتحاليل وبروتوكولات.
ومن هنا فالطبيب الحقيقي لا تُعرف قيمته بعدد الشهادات المعلقة على الجدار، بل بمقدار ما يحمله من رحمة تجاه من يجلس أمامه.
المريض لا يأتي إلى العيادة بحثاً عن محاضرة أكاديمية، ولا عن استعراض للمصطلحات العلمية، بل يأتي مثقلاً بالخوف والألم والقلق، باحثاً عن نافذة أمل، وعن شخص يسمعه قبل أن يصف له العلاج.
ولهذا ظل الناس عبر التاريخ يتذكرون الطبيب الإنسان أكثر مما يتذكرون الطبيب العالم.
ما كشفه الجدل حول نظام الطيبات لم يكن النظام نفسه بقدر ما كشف النفوس التي تعاملت معه. فقد ظهر أطباء تعاملوا مع المرضى وكأنهم ارتكبوا جريمة لمجرد أنهم تحدثوا عن تحسن شعروا به.
وظهر في المقابل أطباء أكثر هدوءاً واتزاناً، قالوا ببساطة: لا مانع من الاستماع، ولا مانع من المراقبة، ولا مانع من دراسة الظاهرة. لم يسلّموا بكل الادعاءات، لكنهم أيضاً لم يغلقوا الباب في وجه الناس.
المشكلة أن بعض الخطاب الطبي المعاصر أصبح ينظر إلى التجربة الإنسانية بعين الشك المطلق. فإذا قال المريض إن آلامه تراجعت قيل له: هذا وهم. وإذا قال إن سكره تحسن قيل له: مصادفة. وإذا قال إن نشاطه عاد قيل له: تأثير نفسي. وكأن المطلوب من المريض أن يثق بكل شيء إلا بما يشعر به داخل جسده.
لا أحد يملك الحق في تحويل التجارب الفردية إلى حقائق نهائية، لكن في الوقت نفسه لا أحد يملك الحق في إعدام هذه التجارب قبل دراستها.
فالتاريخ الطبي نفسه مليء باكتشافات بدأت من ملاحظة بسيطة، ومن مريض قال شيئاً بدا غريباً في البداية ثم تبين لاحقاً أن خلفه حقيقة تستحق البحث.
آلاف المرضى من الذين يتحدثون اليوم عن نظام غذائي أعاد لهم جزءاً من العافية لا يقولون إنهم اكتشفوا معجزة، ولا يدّعون أن الطب انتهى دوره، بل يقولون شيئاً أكثر تواضعاً: لقد وجدنا نافذة أمل.
وهنا ينبغي أن يتوقف الجميع قليلاً. فالأمل بالنسبة للمريض ليس رفاهية فكرية، بل جزء من العلاج نفسه.
من حق الطبيب أن ينتقد، ومن حقه أن يطالب بالدليل، ومن واجبه أن يحذر من المخاطر المحتملة. لكن ليس من حقه أن يحتقر الناس أو يسخر من آلامهم أو يعاملهم باستعلاء. فالطب قبل أن يكون علماً كان رسالة، وقبل أن يكون بروتوكولاً كان رحمة.
ولعل المفارقة أن كثيراً من المرضى لم يتعلقوا بنظام الطيبات لأنهم قرأوا دراسة علمية عنه، بل لأنهم شعروا للمرة الأولى أنهم يملكون دوراً في معركتهم مع المرض.
فالالتزام بالغذاء يمنح الإنسان إحساساً بأنه شريك في العلاج لا مجرد متلقٍ للأدوية. وهذه نقطة جوهرية يغفلها كثيرون في النقاش.
لهذا فإن القضية ليست الدفاع عن نظام غذائي بعينه، ولا مهاجمة الطب الحديث، بل الدفاع عن حق المريض في أن يُسمع صوته
. فحين يتحدث المرضى عن تحسنهم ينبغي أن يكون الرد: دعونا ندرس الأمر. لا أن يكون الرد: اصمتوا.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج.
المريض لا يخوض معركة من أجل إثبات صحة نظرية، بل يخوض معركة من أجل أن يعيش حياة أقل ألماً. وإذا كان هناك نظام غذائي يفتح له باباً نحو صحة أفضل، فإن الواجب الأخلاقي للطبيب والعالم والباحث أن يقترب من هذا الباب ليفحصه بعقل مفتوح وقلب رحيم، لا أن يقف أمامه حارساً يمنع الناس من الاقتراب منه.