لماذا يسرح الإنسان في الصلاة رغم أنه يريد الخشوع؟
يبدأ كثير من الناس صلاتهم بنية صادقة في الخشوع، ثم لا يلبث العقل أن يبتعد. فجأة يتذكر موعدًا، أو حوارًا قديمًا، أو مهمة لم تُنجز، أو مشكلة تؤرقه. وقد ينتهي من الصلاة وهو لا يكاد يتذكر ماذا قرأ، أو كم صلى من الركعات.
وهذا يجعل كثيرين يشعرون بالحزن، وربما بالذنب، ويظنون أن ضعف الخشوع دليل على ضعف الإيمان. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالدماغ بطبيعته لا يتوقف عن إنتاج الأفكار، وهو يميل إلى الانشغال بما يشغل صاحبه طوال اليوم. فمن يقضي ساعات طويلة بين الهاتف، والأخبار، ورسائل العمل، ومقاطع الفيديو السريعة، ثم يقف للصلاة، يجد أن ذهنه يحتاج وقتًا لينتقل من ضجيج الحياة إلى سكينة العبادة.
ولهذا فإن الخشوع ليس حالة تأتي تلقائيًا، بل مهارة تحتاج إلى تهيئة ومجاهدة، كما يحتاج الجسد إلى تدريب حتى تزداد قوته.
ومن أكثر ما يعين على الخشوع أن يسبق الصلاة شيء من الاستعداد النفسي؛ كالتبكير إليها، وإتمام الوضوء بهدوء، واستحضار أن هذه الدقائق لقاء مع الله لا يشبه أي لقاء آخر.
كما أن فهم معاني ما يُقرأ في الصلاة يجعل العقل والقلب يسيران في الاتجاه نفسه، فلا تبقى الكلمات ألفاظًا مألوفة، بل تتحول إلى معانٍ حاضرة تؤثر في النفس.
ولا ينبغي أن يتحول الشرود إلى سبب لترك المجاهدة. فكلما عاد الذهن إلى التفكير في أمور الدنيا، كانت إعادته برفق إلى الصلاة جزءًا من العبادة نفسها. وقد كان الشيطان يحرص على تشتيت المصلي، لأن الصلاة الخاشعة من أعظم ما يزكي القلب.
الخشوع ليس أن يخلو الذهن من كل خاطر، وإنما أن يعود القلب إلى الله كلما ابتعد، وأن تستمر هذه المجاهدة حتى تصبح الصلاة راحةً للنفس بعد أن كانت معركةً مع الشرود.
د. عبد الكريم بكار
🌙*{كُلِّيَّاتُ القِمَّة}*
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*ما أظلمَ كلمةً ترفعُ تخصُّصًا، ثم تتركُ بقيَّةَ أبناء الوطن يشعرون أنَّهم دونه*!
*فالحياةُ لا يَبْنيها طبيبٌ وحده، ولا مهندسٌ وحده؛ إنما تنهض بالمعلِّم، والباحث، والمزارع، والمحاسب، والأديب، وكلِّ يدٍ أتقنت ما ائتمنها الله عليه*.
*وليس التفاضلُ عند الله بأسماء الشهادات، وإنما بصدق الإنسان، وتقواه، ونفعه للناس. وقد يدخل طالبٌ تخصُّصًا لا يلتفت إليه أحد، ثم يخرج منه أثرًا تلتفت إليه الدنيا*.*.
💥{*كلُّ كُلِّيَّةٍ قد تكون كُلِّيَّةَ قِمَّةٍ، حين يدخلها طالبٌ ذو هِمَّة*}
عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان يَومُ عاشوراءَ تَصومُه قُرَيشٌ في الجاهِليَّةِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصومُه، فلَمَّا قدِمَ المَدينةَ صامَه وأمَرَ بصيامِه، فلَمَّا نَزَلَ رَمَضانُ كان رَمَضانُ الفَريضةَ، وتُرِكَ عاشوراءُ، فكان مَن شاءَ صامَه، ومَن شاءَ لَم يَصُمْه. (صحيح البخاري)
يومُ عاشوراءَ اليومُ العاشِرُ مِن شَهرِ اللهِ المُحرَّمِ، وهو مِن أيَّامِ اللهِ المُبارَكةِ؛ نَجَّى اللهُ عزَّ وجلَّ فيه نَبيَّه مُوسى عليه السَّلامُ مِن فِرعونَ وجُندِه، وعَظَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا اليومَ، فصامَه وأمَرَ المسلِمينَ بصِيامِه؛ شُكرًا للهِ، وقدْ مرَّ صِيامُ عاشوراءَ بمَراحلَ تَشريعيَّةٍ مُختلِفةٍ كما في هذا الحديثِ وغيرِه. فتُخبِرُ أمُّ المُؤمِنينَ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ قُرَيشًا كانت تصومُ يومَ عاشُوراءَ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصومُه قبل أن يُهاجِرَ إلى المدينةِ، فلمَّا قدِمَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ صامَه على عادتِه، وأمَرَ النَّاسَ بِصيامِه. وقد ورَدَتْ رِواياتٌ أخرى -لا تُعارِضُ هذه الرِّوايةَ- في أسبابِ صِيامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ عاشُوراءَ؛ منها ما جاء في الصَّحيحَينِ مِن حَديثِ ابْنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما: «أنَّه يَومٌ نجَّى اللهُ فيه مُوسَى مِن فِرعَونَ، وكانت تَصومُه اليَهُودُ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنا أَوْلَى بِمُوسَى مِنهم، فصامَه». وقَولُ أمِّ المُؤمِنينَ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها في الحَديثِ: «وأَمَرَ بصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كانَ رَمَضَانُ الفَرِيضَةَ، وتُرِكَ عَاشُورَاءُ» يَحتمِلُ أنَّ حُكْمَه كان الوُجوبَ والفرضيَّةَ، ثمَّ نُسِخَ الحُكمُ إلى الاستِحبابِ. وقيل: إنَّ هذا كان تَأكيدًا على الصِّيامِ، وليس في حُكْمِ الوُجوبِ؛ لحَديثِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ رَضيَ اللهُ عنهما المُتَّفَقِ عليه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «هذا يومُ عاشوراءَ، ولم يَكتُبِ اللهُ عليكم صِيامَه، وأنا صائمٌ، فمَن شاء فلْيَصُمْ، ومَن شاء فلْيُفطِرْ». وكان هذا هو الحالَ والشَّأنَ إلى أنْ فُرِضَ صَومُ رَمَضانَ على المُسلمينَ في السَّنَةِ الثَّانيةِ مِنَ الهِجرةِ، فكانتِ الفريضةُ صَومَ رمَضانَ فَقطْ، وأصْبَحَ صَومُ عاشوراءَ مُخيَّرًا فيه: مَن شاءَ صامَه نفْلًا، ومَن شاءَ تَرَكَه. وقد جاء في فَضْلِ صيامِه أنَّه يُكفِّر ذُنوبَ سَنةٍ قَبْلَه، كما في صَحيحِ مُسلمٍ مِن حَديثِ أبي قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه. وقد روَى مُسلِمٌ في صَحيحِه عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ السُّنَّةَ أنْ يَصومَ المُسلِمُ اليومَ التَّاسعَ معه؛ مُخالفةً لليهودِ. وفي الحَديثِ: بَيانُ أهمِّيةِ يَومِ عاشوراءَ، وتَعظيمِ المُسلِمينَ له. وفيه: بيانُ وُقوعِ النَّسخِ في الشَّريعةِ المحمَّديَّةِ.
ما أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه؟
يظن بعض الناس أن خدمة الوطن تبدأ حين يتولى الإنسان منصبًا كبيرًا، أو يملك نفوذًا واسعًا.
لكن الحقيقة أن الأوطان تُبنى قبل ذلك بكثير.
تُبنى حين يرفض الطالب الغش.
وحين يتقن العامل عمله.
وحين يربي الأب أبناءه على الصدق والأمانة.
وحين تحفظ الأم في بيتها قيم الإيمان، والرحمة، والمسؤولية.
وحين يؤدي كل إنسان ما عليه قبل أن يطالب بما له.
فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من المتفرجين...
بل إلى مزيد من الصالحين والمصلحين.
إن أجمل ما يقال عن الوطن ليس: نحن نحبه.
بل: نحن نصلحه بما نستطيع.
فحب الأوطان لا يُقاس بحرارة الكلمات، وإنما بصدق الأعمال.
د. عبد الكريم بكار
حين يجلس الناس مع بعضهم اليوم، تتكرر عبارة واحدة بأشكال مختلفة:
"الحياة أصبحت صعبة."
ولا يقصدون بذلك الجانب المادي فقط، رغم ما فيه من تحديات، بل يقصدون شعورًا عامًا بالثقل يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية.
فما الذي تغير؟
هل أصبحت الحياة فعلًا أكثر صعوبة من حياة الأجيال السابقة؟
ربما لا.
فالأجيال السابقة واجهت حروبًا ومجاعات وأمراضًا وظروفًا قاسية لا نتمنى أن نعيش بعضها.
لكن ما تغير هو طبيعة الضغوط التي يعيشها الإنسان.
في الماضي كانت المشكلات أوضح وأقل عددًا، أما اليوم فإن الإنسان يعيش وسط سيل لا ينقطع من المطالب والتوقعات والمعلومات.
أصبح مطالبًا بالنجاح المهني، والاستقرار المالي، وتطوير الذات، ومتابعة الأخبار، ومواكبة التقنية، والاهتمام بصحته، وبناء علاقاته، وتحقيق طموحاته... وكل ذلك في الوقت نفسه.
ولم يعد الإنسان يقارن نفسه بجيرانه أو زملائه فقط، بل بمئات الأشخاص الذين يراهم يوميًا عبر الشاشات.
يرى نجاحاتهم، وسفرهم، وإنجازاتهم، ومظاهر حياتهم الجميلة، فيشعر - دون أن ينتبه - أن ما يملكه أقل مما ينبغي، وأن ما حققه أقل مما يجب.
ومن أسباب هذا الثقل أيضًا أن الحياة الحديثة رفعت مستوى التوقعات أكثر مما رفعت مستوى الرضا.
فكثير من الناس يعيشون حياة كانت تُعد قبل عقود حياة مريحة ومستقرة، ومع ذلك يشعرون بالنقص والضغط؛ لأن سقف التوقعات ارتفع باستمرار.
كما أن الإنسان المعاصر فقد شيئًا مهمًا كانت تملكه المجتمعات القديمة بدرجة أكبر: البساطة.
كانت الحياة أكثر بطئًا، والعلاقات أكثر حضورًا، والخيارات أقل، والقرارات أوضح.
أما اليوم فإن كثرة الخيارات نفسها أصبحت مصدرًا للحيرة والإرهاق.
لكن لعل المشكلة الأكبر أن كثيرًا من الناس يحاولون حمل الحياة كلها دفعة واحدة.
يفكرون في سنوات طويلة قادمة، ومشكلات لم تقع بعد، وتحديات لم تأتِ بعد، فيثقلون حاضرهم بأعباء مستقبلية لا يملكون التحكم فيها.
ولهذا فإن الحكمة لا تكمن في أن تصبح الحياة أخف، فالحياة لم تكن يومًا خالية من التحديات.
وإنما في أن يتعلم الإنسان كيف يحملها بطريقة صحيحة.
أن يركز على ما يستطيع فعله اليوم.
وأن يخفف من المقارنات التي تستنزف روحه.
وأن يدرك أن قيمة الحياة لا تُقاس بكثرة ما يملك، بل بقدر السكينة والمعنى اللذين يجدهما فيما يملك.
فربما لم تصبح الحياة أثقل كما نتصور...
لكننا أصبحنا نحاول أن نحمل منها أكثر مما ينبغي.
د. عبد الكريم بكار
تمضي العشر الأوائل من ذي الحجة بسرعة مدهشة…
وفجأة يجد كثير من الناس أنفسهم أمام سؤالٍ مقلق:
كيف أوشكت هذه الأيام العظيمة على الانتهاء بهذه السرعة؟
فبعد الضجيج اليومي، والانشغال المستمر، والتشتت الذي يبتلع الساعات دون شعور…
يستيقظ القلب متأخرًا قليلًا ليكتشف أن أثمن أيام العام تكاد ترحل.
لكن الحقيقة التربوية العميقة:
أن الله لم يفتح هذه المواسم ليغلق أبواب الأمل في وجوه المقصرين،
بل ليردّ القلوب إليه مهما تأخرت البدايات.
ولهذا، فإن أخطر ما قد يفعله الإنسان في هذه الأيام…
أن يستسلم لشعور الفوات.
فكم من أعمال عظيمة بدأت في اللحظات الأخيرة،
وكم من قلوب تغيّر اتجاهها الكامل في ساعات صادقة من الإنابة والدعاء واليقظة.
إن المشكلة ليست دائمًا في قلة الوقت…
بل في تشتت القلب.
ولهذا، فإن ما تبقى من هذه الأيام قد يكون أثمن من كثيرٍ مما مضى،
إذا دخلته النفس بصدق مختلف، وحضورٍ حقيقي، ورغبة جادة في استدراك ما فات.
وفي وسط هذا التدفق الرقمي الهائل، تحتاج البيوت اليوم إلى شيء من “الهدوء المقصود”.
هدوءٌ تستعيد فيه الأسرة علاقتها بالله بعيدًا عن الضجيج،
وتستعيد فيه الأرواح قدرتها على الذكر والتأمل والسكينة.
فليس من الطبيعي أن تمرّ أعظم أيام العام…
بين التنقل المستمر بين المقاطع والإشعارات والتفاهات اليومية.
ولهذا، فإن من أجمل ما يمكن أن تفعله بعض الأسر في هذه الساعات:
تقليل الضجيج الرقمي قدر الإمكان،
وإحياء البيت بالذكر،
وتشغيل القرآن،
والإكثار من التكبير،
وصناعة أجواء إيمانية يشعر فيها الأبناء أن هذه الأيام مختلفة فعلًا عن بقية العام.
فالأبناء لا يتذكرون التفاصيل الكثيرة غالبًا،
لكنهم يتذكرون “روح البيت”.
يتذكرون:
هل كانت هذه الأيام مليئة بالسكينة؟
أم مرت كأي أيام عادية وسط الفوضى والانشغال؟
كما أن اقتراب يوم النحر فرصة عظيمة لإحياء المعاني الكبرى داخل النفوس:
الرحمة،
والعطاء،
وصلة الرحم،
والتسامح،
والإحساس بالمحتاجين،
وردّ الحقوق،
وتخفيف الخصومات التي أثقلت القلوب طويلًا.
فالعيد الحقيقي لا يُبنى بكثرة المظاهر فقط،
بل بالقلوب التي تعود أنقى، وأهدأ، وأقرب إلى الله.
إن الساعات الأخيرة من المواسم العظيمة…
ليست وقتًا للحسرة على ما فات،
بل وقتٌ لالتقاط ما بقي قبل أن يُغلق الباب.
فربّ لحظة صادقة في هذه الأيام…
تغيّر ما لم تغيّره سنوات طويلة من الغفلة والانشغال.
والعشر لم تنتهِ بعد.
د. عبد الكريم بكار
قد يقضي الابن ساعات مع أصدقائه… فتتغير شخصيته أكثر مما تغيّره سنوات من النصائح داخل البيت
هذه حقيقة تربوية عميقة قد لا ينتبه لها كثير من الآباء والأمهات.
ففي مرحلة معينة من العمر، خاصة مع بداية المراهقة، يبدأ تأثير “الرفقة” بالتصاعد بصورة هائلة.
طريقة الكلام،
والاهتمامات،
والطموحات،
ونظرة الحياة،
والعلاقة بالدين والقيم…
كل ذلك يتشكل بهدوء داخل البيئة التي يعيش فيها الأبناء يوميًا.
ولهذا، فإن جزءًا كبيرًا من التربية لا يحدث أثناء المحاضرات والنصائح،
بل يحدث في الجلسات الطويلة مع الأصدقاء، وفي الشخص الذي يشعر الابن أنه يشبهه وينتمي إليه.
فالإنسان في هذه المرحلة لا يبحث فقط عن التوجيه…
بل يبحث عن الانتماء.
ومن يمنحه شعور القبول والتقدير والانتماء، يملك غالبًا التأثير الأقوى عليه.
ومن هنا نفهم لماذا كانت البيئات الصالحة عبر التاريخ جزءًا أساسيًا من التربية:
حلقات القرآن،
والصحبة الطيبة،
والمجالس النظيفة،
والأنشطة التي تجمع بين القيم والعلاقات الإنسانية الصحية.
فالتربية الناجحة لا تقوم فقط على تحذير الأبناء من الخطأ،
بل على بناء عالم يجدون فيه البديل النظيف والمريح نفسيًا وفكريًا.
لأن الفراغ العاطفي والفكري لا يبقى فارغًا طويلًا…
بل يملؤه دائمًا شخص أو فكرة أو بيئة ما.
د. عبد الكريم بكار
لو كان بيدي أن أجعل كل مسلم (حقيقي) يقرأ هذا الكتاب لفعلت. كتاب تحت راية الطوفـ،ـان "خندق خباب" للكاتب محمد زكي حمادة الله يرحمه..
اخر صفحات الكتاب كانت قبل ٤ ايام من ارتقاء الكاتب الله يرحمه ويرزقه الفردوس الاعلى..
والله إني استحقرت نفسي حين قرأته..
احتقار من رأى عظمة رجال صدقوا ما قالوا، وحملوا من الهمّ والبذل والثبات ما يكشف لك كم نحن مقصرون، وكم أن الكلام يبدو رخيصاً حين تراه بجوار رجال دفعوا من أرواحهم ثمناً لما آمنوا به.
ثم يأتي من يشتمهم ويشكك بإسلامهم للأسف!
عادتان، لو حافظ عليهما الإنسان يومياً، لكان لهما أثر بالغ في حياته، وربما تغنيانه عن كثير من برامج التخسيس.
الأولى أن يتوقف عن الأكل قبل بلوغ الشبع، دون أن يحرم نفسه من أي نوع من أنواع الأطعمة.
والثانية أن يمشي مشياً سريعاً كل يوم مدة خمس وأربعين دقيقة، يختار لها أي وقت من اليوم، صباحاً أو مساءً، أو قبل إحدى الصلوات، حتى تصبح الحركة عادة ثابتة في يومه.
ولو أن وقت المشي صاحبه ذكر الله، كان في ذلك خير كثير وبركة.
ولهذين الأمرين أثر عميق، لا على الصحة الجسدية فحسب، بل على الصحة النفسية أيضاً.
د. عبد الكريم بكار
لكل أبٍ وأم يسألون: كيف حفظ طفلك عبد الرحمن القرآن ؟!
هذه 10 وصايا مهمة هي خلاصة تجربتي معه في رحلة الحفظ !!
أولها:
أن تعلم أن الأمر ليس بذكائك ولا بجهدك، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، فابدأ بالدعاء، وألح على الله في مواطن الإجابة أن يفتح على قلب ولدك، فما من شيء أعظم بركة من الدعاء، وقال ربكم ادعوني أستجب لكم !!
ثانيها:
نظف بيئة ابنك قبل أن تبدأ رحلته مع القرآن، الجوالات والألعاب والإنترنت أكبر عائق في طريق الحفظ، تسرق التركيز، وتُضعف الذاكرة، وتشتت الذهن، وتجعل الطفل يضيق صدره بالحفظ، فكأنك عندما تطلب منه الحفظ كأنك تطلب منه شيئاً ثقيلاً على قلبه !!
فإما أن تُبعدها، أو تقيدها بوقت صارم ممنوع أن يتجاوزه، مثلاً ساعة محددة في اليوم !!
ثالثها:
اصنع له صحبةً تعينه على حفظ القرآن، خذه إلى حلقات المساجد، أو المراكز التي فيها طلاب مميزون، واختر له شيخاً متقناً يحثه ويشجعه، فالنفس تُنافس، والولد إذا رأى غيره يسبقه اشتعلت رغبته من داخله، وهذا يساعدك كثيراً ويوفر عليك عناء حثه وترغيبه !!
رابعها:
اجعل لكل إنجاز يقوم به خلال حفظه مكافأة، فكلما أتم جزءاً أحضر له هدية يحبها، واصطحبه إلى المكان الذي يأنس به، وكلما تقدم في الحفظ زد من تقديرك له وثناؤك عليه، حتى يرتبط القرآن عنده بالفرح والنجاح !!
خامسها (مهم جداً) :
أعطه من وقتك قبل أن تعطيه من أوامرك ونصائحك، اجلس معه، اسمع له، راجع معه، كن شريكه في رحلة الحفظ !!
فأنت قدوته ومثله الأعلى، والطفل يتأثر بفعل والديه، واهتمامهما أكثر من كلامهما !!
سادسها (مهم جداً):
حدد له وقتاً يومياً للحفظ، يكون هذا الوقت مقدساً لا يمكن خرقه ولا المساس به !!
نصف صفحة أو صفحة كل يوم، مع الاستمرار، خير من صفحات كثيرة ثم انقطاع، فقليل دائم خير من كثير منقطع، وإنما الجبال من اجتماع الحصى !!
سابعها:
إذا فهم الطفل معاني الآيات، فإنه يحفظها بشكل أسرع، وتثبت في صدره، فاجلس معه وفسر له مقدار حفظه، وهذه فرصة لك أن تبحر في معاني القرآن وتستفيد من تفسيره !!
ثامنها:
التكرار ثم التكرار ثم التكرار
لا تجعله يعتمد على الحفظ السريع، بل على كثرة الإعادة ، فإذا أتم حفظ ورد فاجعله يكرره ، فالقران يرسخ في الذهن بكثرة التكرار !!
تاسعها:
اجعل له ورداً ثابتاً يراجع فيه حفظه القديم قبل أن يزداد في الحفظ، فحفظ بلا مراجعة سرعان ما يُنسى مع مرور الأيام !!
عاشرها:
الاستماع المستمر، شغّل له القرآن في البيت، في السيارة، قبل النوم، فالأذن لها دور كبير في تثبيت الحفظ !!
وفي الختام، لا تظن أن الطريق إلى القرآن مفروشٌ بالورود، ستتعب، وسيمل طفلك، وستمر عليكم أيام تثقل فيها الخطى، لكن من صدق مع الله صدق الله معه، ومن طرق الباب أُذن له، فهذا طريق يحتاج صبراً وثباتاً، فاثبتوا ولا تستعجلوا الثمرة، فإن القرآن لا يُعطي بعضه حتى تُعطيه كلك.
فإن رأيت ولدك يتعثر فلا تيأس، وإن تأخر فلا تتركه، وإن ضعف فخذه برفق، فرب لحظة صدق تُبدل مسار سنين !!
وتذكر دائمًا: ما دام في البيت قرآن يُتلى، فهناك نور لا ينطفئ، وبركة لا تنقطع !!
وما يدريك، لعل مشاركة هذا المنشور تكون مفتاح هدايةٍ لأحدهم، فيُقبل على تحفيظ ابنه كتاب الله، فتُكتب لك أجورٌ تتضاعف مع كل آيةٍ تُتلى، وكل حرفٍ يُحفظ !!
قال الله تعالى عن نبيّنا ﷺ لما أخطأت بعض أزواجه:﴿عَرَّفَ بَعضَهُ وَأَعرَضَ عَن بَعضٍ﴾
فالكريم يتغافل عن تقصير أهله وصحْبه ، ويتغاضى عن زللهم ، ولا يستقصي حقوقه كاملة..
قال الحسن البصري رحمه الله-: ما استقصى كريم قط!
قال شيخ الإسلام:
ليس حسن الخلق مع الزوجة كف الأذى عنها؛ بل احتمال الأذى منها ، والحلم عند طيشها؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
[مختصر منهاج القاصدين]
قال البقاعي في تفسيره:
والكف عن بعض العتب أبعث على حياء المعتوب ، وأعون له على توبته وعدم عوده إلى فعل مثله..
وقوله {وَأَعرَضَ عَن بَعضٍ} تكرما منه ﷺ أن يستقصي في العتاب ، وحياء منه ، وحسن عشرة..
قال سفيان الثوري: "ما زال التغافل من فعل الكبراء"
"وإنما "عَرَّفَ بَعضَهُ" أي بما يحصل به المقصود من العتاب ، وتتحقق به الكفاية في الإرشاد ، فليس المقصود جرحها وإيلامها…
…فإن ما زاد على المقصود يقلب العتاب اللطيف إلى تقريع وتوبيخ."
-مستفاد بالمفهوم من كلام ابن عاشور رحمه الله
اقتباس
لماذا ننسى ما نقرأ؟
كثيراً ما يشكو القراء، وخاصة الشباب منهم، من آفة نسيان ما يقرؤون؛ فبعد الانتهاء من كتابٍ قضوا معه ساعاتٍ طوال، يجد أحدهم نفسه عاجزاً عن استحضار أفكاره الكبرى، أو حتى تلخيص مراده في جملٍ مفيدة. هذا الشعور بالإخفاق قد يؤدي بالبعض إلى الزهد في القراءة برمتها، ظناً منهم أن عقولهم "أوعية مثقوبة".
والحقيقة التي أحب أن أؤكد عليها، هي أنَّ المشكلة ليست في "الذاكرة"، بل في "منهجية التلقي". نحن ننسى لأننا نقرأ بطريقة "المستهلك" لا بطريقة "الباحث".
إليك بعض الأسباب المنهجية لهذا النسيان، وكيف نتجاوزها:
1. القراءة بلا "سؤال":
العقل البشري يميل إلى إهمال المعلومات التي لا يجد لها وظيفة فورية. حين تقرأ كتاباً دون أن يكون لديك تساؤل مسبق تبحث عن إجابته، أو ثغرة معرفية تريد سدها، فإنَّ عقلك يتعامل مع المعلومات كـ "عابر سبيل" لا كـ "ضيف مقيم". القراءة الهادفة تبدأ دائماً بسؤال.
2. غياب "الحوار" مع المؤلف:
القراءة المثمرة هي "حوار بين عقلين"، وليست استسلاماً من عقل لآخر. إنَّ المرور السريع على الأسطر دون توقف للتعليق، أو النقد، أو الربط بين فكرة الكتاب وفكرة أخرى تعرفها، يجعل المعلومة سطحية. استخدم القلم، دوّن ملحوظاتك على الهامش، وعارض المؤلف أو وافقه؛ فهذا "الاشتباك الفكري" هو ما يثبت الفكرة في الوجدان.
3. فخ "الكم" على حساب "الكيف":
لقد ابتلينا بظاهرة "المفاخرة بعدد الكتب"، وهذا جعل القراءة تتحول إلى سباقٍ لقلب الصفحات. إنَّ قراءة كتاب واحد بعمق، وتأمل فصوله، وإعادة قراءة الفقرات المركزية فيه، أنفع للعقل من قراءة عشرة كتب تمر على القلب مرور الكرام. العقل يحتاج إلى وقت لـ "هضم" المعنى وتسكينه في مكانه الصحيح.
4. القراءة المنفصلة عن "التطبيق":
أقصر طريق لنسيان فكرة هو ألا تعمل بها. المعلومة التي لا تتحول إلى "سلوك" أو لا تُناقش في مجلس علم، أو لا تُكتب في مقال، هي معلومة محكوم عليها بالضياع. القراءة النافعة هي التي تسأل نفسك بعد كل فصل منها: "كيف يمكنني أن أطبق هذا في حياتي أو تفكيري؟".
5. تجاهل "التراكم المعرفي":
نحن أحياناً لا ننسى، ولكن الأفكار تذوب في وعينا لتشكل "البوصلة" التي نتحرك بها. لا تحزن إذا غابت عنك التفاصيل الصغيرة أو الأرقام، فالمهم هو "الروح العامة" للكتاب وكيف غيرت في نظرتك للأمور. الوعي هو ما يتبقى في عقولنا بعد أن ننسى كل ما قرأناه.
خلاصة القول:
لا تقرأ لكي "تحفظ"، بل اقرأ لكي "تتغير". فإذا غير الكتاب فيك شيئاً، أو وسع مداركك، أو عدّل سلوكك، فقد أدى غرضه وإن غابت عن ذاكرتك تفاصيله. اجعل الكتاب "شريكاً" في رحلة وعيك، وستجد أنَّ ما ينفعك سيمكث في أرض عقلك يقيناً.
د. عبد الكريم بكار
هل شعرت يوماً بأنَّ أثقل حملٍ تحمله ليس مسؤولياتك ولا عملك، بل هو (نفسك)؟ تلك النفس التي لا تكف عن القلق، وتستحضر مخاوف الغد قبل أن تغادر أعباء الأمس، وتطارد سراب 'الكمال' في عالمٍ مجبولٍ على النقص؟"
إنَّ هذا الثقل الذي تشعر به ليس سوى نتيجة لـ (تشتت الوجهة). نحن نرهق أرواحنا حين نجعل "الدنيا" هي المبتدأ والمنتهى، وحين ننسى أنَّ القلق المفرط هو في جوهره نوع من "منازعة القدر".
إنَّ النفس تضيق وتثقل كلما توهمت أنها هي المدبرة لشؤونها، وكلما غفلت عن أنَّ هناك (رباً قيُّوماً) لا ينام، يتولى حركة الأفلاك كما يتولى نبضات قلبك الصغير.
المشكلة الإيمانية تكمن في (ضعف الافتقار)؛ فنحن نعتمد على "حولنا وقوتنا" المحدودة، وننسى أنَّ العبد يجد راحته الكبرى حين يُلقي بأحماله في "محراب التفويض".
إنَّ مطاردة الكمال في الدنيا هي معركة خاسرة؛ لأن الله خلقها "دار ممر" لا "دار مستقر"، وجعل النقص فيها دليلاً يقودنا إلى كماله هو سبحانه.
خارطة اليقين: كيف نُرمم شتات الروح؟
1. مقام "التفويض المطلق":
حين يتسلل الخوف من الغد إلى قلبك، ردد بيقين: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. التفويض ليس عجزاً، بل هو "قمة الذكاء الإيماني"؛ أن تنقل ملفات قلقك من تدبيرك القاصر إلى تدبير الخالق الواسع. عندها فقط، تنزل السكينة التي لا تفسرها الأرقام ولا المعطيات المادية.
2. الرضا بـ "مقسوم الحكيم":
رزقك ليس ما في جيبك فحسب، بل هو "الرضا" الذي يسكن صدرك. الله قسم المعايش بحكمة بالغة؛ فمن نال الرضا فقد ملك الدنيا بحذافيرها. تذكر أنَّ ما فاتك لم يكن ليصيبك، وأنَّ ما أصابك هو عين الخير لك وإن بدا في ثوب "المنع"، فالله يمنع ليعطي، ويبتلي ليرفع.
3. استحضار "الرعاية الربانية" في التفاصيل:
تأمل في حياتك؛ كم من أزمةٍ ظننتها القاضية فجعل الله فيها المخرج؟ وكم من همٍّ أرق مضجعك ثم تلاشى بكلمة "يا رب"؟ إنَّ استحضار (لطف الله الخفي) يذيب ثقل النفس، ويجعلك تدرك أنك لست وحدك، وأنَّ عينه ترعاك حتى وأنت في غفلتك.
ومضة ختامية:
"لن يهدأ روعك بكثرة التفكير، ولن يطمئن قلبك بجمع الحطام؛ بل يهدأ حين تضع رأسك في السجود وتهمس: 'رضيتُ بالله رباً'. عندها، ستشعر أنَّ ذلك الحِمل الثقيل قد تبدد، لأنك أخيراً وضعت نفسك في مكانها الصحيح.. بين يدي خالقها."
وقفة للوعي:
"راجع 'قائمة قلقك' اليوم.. كم منها بيد الله وكم منها بيدك؟ ستكتشف أنَّ 100% منها تحت ملكه وتدبيره. فلماذا تُرهق نفسك فيما كفاك الله أمره؟"
د. عبد الكريم بكار