"الجمهور يتهافت على ما يسمّى بالكتّاب الإنسانيين. هو واثق بأنه لا يخشى منهم شيئا. إنه يعرف أنهم -وقد توقفوا مثله في منتصف الطريق- سيقترحون عليه صلحا مع المستحيل .. رؤية منسجمة مع الفوضى."
الرأي العام ، تلك القدرة الرائعة العدوة للعقل ، والتي أوجبت في الإنسان طبيعة ثانية ، وما الذي يمن ببعد الصيت غير الرأي العام ، وما الذي ينعم بالاحترام والتقديس على الناس والأعمال والأعيان غير الرأي العام ، فالرأي العام يتصرف في كل شيء ، وهو الذي يخلق الجمال والسعادة .
بسكال
٢
عبر أدوات التواصل ، أضفى على الأشياء التافهة صفة الندرة والفرادة ، فلم يعد هناك شيء يستدعي الخيال ، حيث أصبحت الأشياء كلها فريدة ! ، وتساوى في ذلك من ينظر إلى السهى ومن ينظر إلى القمر ، بل أصبح من ينظر إلى القمر أكثر دهشة وأخصب خيالا وأكثر تأثيرا ! .
١
" إن إبداء الإعجاب الدائم بالطبيعة يعني إظهار فقر الخيال "
هذا نص لتشيخوف من خلال أحدى شخصياته ، وهو يشرح لك سبب فقر الخيال في هذا الزمن ، حيث أن "الإعجاب الدائم" والانبهار المبالغ فيه بكل شيء ، واستجلاب المشاعر بمناسبة أو بدونها ، مما يستدعيه الموقف تجاه "المتابعين" للشخص =
يقول مونتين عن تضارب مؤلَفات علم الأخلاق ، واختلاف الفلاسفة والعلماء حوله : إنها ضوضاء أدمغة .
قلتُ : إذا كان ذلك ضوضاء أدمغة ، وهو ما حدث من علماء وفلاسفة ، فكيف نقول حين يحدث ذلك من عامة الناس ومحدودي التفكير والاطلاع ، ممن امتلأت بهم أدوات التواصل ؟!
٢
أخبرهم أن هذه امرأة كان يحبها في صباه ، هذا ما أسميه كُمون الحب ، وهو ما عبّر عنه رجل من البادية حين سئل عن العشق قال : هو شيئ كامن في الصدور كمون النار في الحجر إن قدحته أورى ، وإن تركته توارى ، فالحبيب يرحل عنك ولكن حبه لا يرحل منك ، ومهما حاولت دفعه ، اندفع إلى الداخل أكثر .
١
يُحكى أن رجلاً أحب امرأة في صباه ، ولكنها ذهبت ولم تعد ، وحين بلغ سن الشيخوخة وأحس بالموت قال : دعوا باب القبر مفتوحاً ، لعلها تأتي !
ويُحكى عن آخر أنه حين أصابه الخرف بدأ يهذي باسم امرأة لا يعرفها من حوله من معارفه ، وحين زاره صديق صباه وسمعه ينطق هذا الاسم =
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل
وبين النقا آأنت أَمْ أُمُّ سالم
هي الشبه إلا مدرييها وأذنها
سواء وإلا مشقة في القوائم
ذو الرمة
أيا شبه ليلى لا تُراعي فإنني
لك اليوم من وحشيّة لصديق
فعيناك عيناها وجيدك جيدها
ولكن عظم الساق منك دقيق
المجنون
"يبدو أن كل شيء قد قُتل بحثاً ،لم يعد هناك الآن ما يمكن أن يثير تفكيري"
المقطع السابق للأكاديمي الكبير والرجل صاحب المكانة في قصة (قصة مملة) للأديب الكبير تشيخوف ،إن أسوء شيئ في العلم والثقافة أن تصل لهذه المرحلة ، وتؤمن أن :
ما أرنا نقول إلا معارا
أو معادا من قولنا مكرورا
"ومن يتّبع في الناس عينيه لا يزل
يرى حاجة ممنوعة لا ينالها"
يُنسب هذا البيت في بعض النسخ لذو الرمة ، وهو جواب السبب في قوله تعالى ( لا تمدنّ عينيك ... ) ، فهو سيرى لديهم أشياء ممنوع عليه أن ينالها ، والأسوء من ذلك أن ما ناله - أي ما عنده - يصبح لا حاجة له به (=يزهد به) .
حين تؤمن أن ما أعطاك الله إياه فبفضله ، وما منعك منه فلحكمته ، وأن عطاءه أكثر من منعه دائما ، بل إن منعه عطاء لا تعلمه ، وأنك إن دعوت فاستُجيب لك فبفضله ، وإن دعوت فمُنعت الإجابة فلحكمته ، وأن المنع خيرٌ لك لا تعلمه ، فبذالك ترضى عن ربك ، وتستبين رشدك ، وتسعد في دنياك وآخرتك .