﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾
خير ما تورثه ابنك ليس مالًا يبقى له، وإنما إيمانٌ يبقيه لك، ليزداد به النعيم في صحبة أبدية لا يطالها فراق.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾
التقدم الحقيقي ليس أن تكون في الأمام، بل أن تسير خلف الوحي، فالفضيلة ليست في سرعة الوصول، وإنما في صحة الاتجاه ..
﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ..﴾
ما أعظم أثر العلم!
لقد بلغ حتى بالجوارح حدًا صار له فيها أثر معتبر، حيث رفع الجوارح المعلَّمة رتبةً فوق غير المعلَّمة، فأباح صيدها متى أتقنت المهارات الأساسية في عرف أهل الصيد.
إذا كان التعليم قد غيّر وصف الجارحة، فكيف بالإنسان؟
تعلَّم فالنفوس لا ترقى للمراتب العالية بالفطرة وحدها، ولا تبلغها بالأماني المجردة..
جزاك الله خيرًا ،وبارك في علمك وعملك ومن حسابك أستفيد كثيرًا، فقهًا،وأدبًا .وتنبيهك في محله .
وللتوضيح : جوهر الفكرة عندي ليس المقارنة بين المدينة والقرية، ولا الغنى والفقر ، وإنما استثمار للمشهد في معنى اجتماعي أوسع، فالحاجة قد تخفى حيث يوجد الناس، لأن قرب المكان لايستلزم قرب الشعور ، وما دونته مجرد تأمل وليس تفسيرًا لمراد الآية.
﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة﴾
في المدينة… لا في مكان ناءٍ.
سكنى المدن قد تمنح شعورًا زائفًا بالكفاية الاجتماعية، وأن كثرة العمران تعني بالضرورة كثرة الرعاية، بينما الحقيقة أن ازدحام المكان ليس دليلًا على حضور الرحمة، فقد يكثر الجيران ويقل الإحسان، وتحيط بالإنسان آلاف العيون، ويظل غائبًا عن القلوب.
الفقر ليس ظاهرة جغرافية، وإنما حالة اجتماعية؛ فتشوا عن البيوت التي تتقن ستر انكسارها، فكم من باب موصد نظنه يخفي وراءه حياة هادئة، وحقيقته يحرس وجعًا صامتًا.
﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾
﴿ليقوم الناس﴾، وليس ليقوم الرسل؛ آية تضع كل إنسان أمام مسؤولية كبرى: أن يقوم بالقسط، على هدي الوحي وبصيرة الميزان.
فالغاية من الرسالات ليست أن يقوم الرسل بالعدل نيابة عن البشر، ولا صناعة أفراد صالحين فحسب، وإنما بناء مجتمع يحمل كل فرد فيه مسؤوليته، ويؤدي دوره فيما يستقيم به وجه الحياة.
﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيًا﴾
الذي جعل أكثر الأشياء شتاتاً تجتمع في لحظه،قادر على لمّ شتات فكرك ، وجبر كسر قلبك، وبعث السكينة إلى روحك مسرعة..
فلا تنظر إلى عظيم ما تفرّق، وانظر إلى عظمة من يجمع، ثم قل : يا الله
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾
آية كفيلة بإخماد حرائق القلب، ورد النفوس من متاهات القلق إلى ساحات اليقين .
فيها من السكينة ما يغني عن ألف سبب، ومن الطمأنينة ما يبدد ألف هاجس.
حسبك أن تُحسن السعي وحسب قلبك أن يحسن الظن، فما كتبه الله هو الخير لك وإن استتر عليك وجهه، والرحمة وإن جاءت في ثوب الابتلاء.
﴿فنبذناه بالعراء وهو سقيم﴾
بالعراء…حيث لا سقف يظل، ولا جدار يستر، كان أشد الأماكن انكشافًا أوثق مواضع الأمان، لأن الحافظ الله .
فلاتستوحش من عراء الوحده، ولا تقطع الرجاء لقلة الأسباب الظاهرة..الجأ إلى الله مفتقرًا، فعناية الله فوق تقديرات البشر
قال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾
لم يقل: "العلماء"وإنما قال: ﴿الذين أوتوا العلم﴾
العلم النافع ليس مجرد تحصيل بشري، بل هو عطاء رباني، يؤتيه من يشاء من عباده، فاسلك سبيل الطلب، وقلبك معلق بالواهب..
﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً﴾
لم يقل: أن تسقطوا، بل قال: أن تميلوا
الانحراف لا يُقدّم على هيئة قطيعة حادّة مع الحق، وإنما يبدأ بتليين الموقف، وتوسيع حدود المقبول، وتهوين التنازل، حتى يألف القلب موضعه الجديد..
السقوط نتيجة
خرج موسى عليه السلام قبل النبوة خائفًا فقال:﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾ فمازالت هدايات الله تكتنفه حتى وقف أمام البحر وفرعون يطارده بجيش عظيم وهو يقول لجموع الخائفين حوله: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾
من تأمل كثرة ألطاف الله به في ماضيه عظم يقينه بوعده في المستقبل..
النفوس الكبيرة لا تسقط أخلاقها تحت ضغط الأحداث، ولا تخلع ثوب المروءة لأي عارض، ومن تأمل رأى كيف قرن القرآن مكارم الأخلاق بأشد المواقف رهبة، ليقرر أن الفضيلة ليست رهينة المزاج، وأنّ من استحضر يقين المصير، هانت عليه نوازع الانتقام ..
﴿ وإنّ الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ﴾
﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾
من دقائق التعبير القرآني أنه جعل الوفاء صورة من صور الطهارة، فكما يستقذر الإنسان بقاء الأوساخ على جسده، ولو كانت من آثار العبادة، ينبغي أن يستقذر التسويف في أداء الحقوق العالقة بذمته..
﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾
القرآن لا يريد مجرد سدِّ جوعة الفقير، بل يسعى لإيقاظ العاطفة واستدعاء شعور الالتفات إلى المنكسرين الذين طحنتهم الحياة حتى بان البؤس على ملامحهم
فالمناسبة موسم فرح، ومن أصدق مظاهر اكتماله إدخال السرور على الوجوه المنطفئة من وطأة الحرمان
﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلارفث ولافسوق ولاجدال في الحج﴾
في طريق الحج ليس المطلوب أن تحمل زاداً أكثر، بل أن تسقط عنك أشياء بقاؤها يزاحم التوحيد ويبعد القلب عن مقام القرب ويثقل الروح عن مرافقة القدم،الشهوة غير المهذبة، وعثرة السلوك عن الوعي، وسلطة الانتصار للذات..
﴿فأثرن به نقعًا﴾
حتى الغبار الناشئ عن حركة الخيل المنخرطة في سير النصرة لهذا الدين خلد ذكرَه القرآنُ، فقل لي بربك: أين أثرك؟
لا تنتظر البيئة المثالية ولا المشروع الكبير، تحرك من الآن، واصنع لنفسك أثراً ولو يسيراً، فثقل الميزان ليس بضخامة المنجزات بقدر ما هو في صدق الاتجاه