لم يحتملوا أن يروا الذل يعبر إلى قريتهم، نزلوا بصدورٍ عارية، يعلمون أن الرصـIص أسرع من الأجساد، وأن الدم إذا سال لا يعود، وأن النجاة أبعد من الشهادة. ومع ذلك لم يتراجعوا.
ارتقوا واقفين بصدورهم… فالظهر لا يُرى في معارك الكرامة، والشرف ليس كلمةً تُقال، بل دمٌ يُبذل.
ففي زمنٍ عزّ فيه الرجال، كانوا رجالًا حتى آخر نبضة..
لحظة أن انتزع الشيخ فاروق عدنان رمضان سـ.لاح أحد المعتدين، وقـاتل به من مسافة صفر، لأنهم أدركوا أن الأرض إذا تُركت مرةً، ضاعت..
ثبّت جذورك في التراب، فأنت باقٍ هاهنا
الأرضُ أرضُك يا فتى، هذه البلادُ بلادُنا
هم جُهّالٌ لا يعلمون بأنّ وطنَك خالدٌ
فاصمدْ ورابطْ واحتسبْ، إنّا ورائك كلُّنا
كم من شهيدٍ قدّموا أرواحَ
كل ما يشغل بالي، في المشاهدة العشرين للمشهد، فيمَ كان يفكر فاروق حينها؟ كيف يستطيع المرء أن يحسم قراراته، ويتم حساباته، في جزء من الثانية؟ والمعادلة واضحة، رجل محاصر بين قطيع من الخنانيص وضباط مدججين بالسلاح، إن سكت يكاد يسلم وإن استبسل انتهى كل شيء، وأولها حياته.
..
لكن القرار كأنما "مؤتمَت" مسبقًا، تلك وقفة عز، وميتة عز، ومضي إلى الله على عجل، في موقف شرف، يحب المؤمن المجاهد أن يبعث عليه وليس بشيء أعلى وأجلّ! استنقذ الشيخ فاروق عدنان رمضان البندقية من المستوطن الإسرائيلي، وقتل وأصاب، حتى أرسل جنديا وضابطا إسرائيليين إلى جهنم في جزء من الثانية!
..
والشيخ؟ الليث الهمام القسورة، الغضنفر الحسام المهند، استشهد في اللحظة ذاتها، ومعه ثلاثة من إخوته وأبناء عمومته، ودار رمضان مفتوحة اليوم على مصراعيها، تستقبل المهنئين والمعزين في آن واحد؛ عزاء فلسطين فيهم، وتهنئة فلسطين بهم.
..
الضفة تتكلم، نابلس تقول كلمتها، وجنين تتحدث من خلف ألف عصابة وكمامة وجنزير على عينيها وفمها، الضفة تغلي كأزيز مرجل، والنار من تحت الرماد أحمى من النار من فوق الحطب، والبواسل يضمون إلى الله، كالشيخ فاروق، عمريّين بين حق وباطل!
محمد عودة هو آخر القادة العسكريين الكبار في الجناح العسكري لحركة حماس الذين اغتالهم الكيان.
ورغم خسارته الكبيرة، فإنني أترقب صعود القادة الصغار بعد أن تخلّص من الكبار؛ أولئك الذين شُطبت عائلاتهم في الإبادة، والناجون المتبقون كأرواحٍ تهيم في قطاع غزة المنكوب، تنتظر لحظة الانتقام.
حينها قد يدرك العدو أن كل إبادته ومجازره وعمليات الاغتيال التي ارتكبها لم تُنتج إلا جيلاً أشد شراسةً وعنفًا، لا يؤمن بمواثيق ولا عهود ولا اتفاقات سلام أو إطلاق نار.
جيلٌ سيجعل العدو يندم لأنه اغتال الكبار متفاخرًا وفرِحًا.
الأمة التي تدفن شهداءها يوم العيد لا تموت
الشهيد محمد عودة قائد كتائب القسام،
وزوجته
واثنين من أبنائه
ارتقوا شهداء يوم الصعود إلى جبل عرفات.
وتمت زراعتهم في تراب فلسطين أول أيام عيد الأضحى