@kndrr11 الفيديو كلّه خوارم مروءة للأسف! لو راتبها في الشهر مليون الرجال فعلًا ما يرضى على نفسه بالشيء ذا، وكل ما كان مسؤول عن زوجته، أبناءه، والديه، أهله، وكل من كان له حق عليه من هنا يستمد أكبر مشاعره بالرجولة.. إن شاء الله لو تحرق الفلوس قدامه ملزوم يعطيها مصروف خاص ويدبر امور حياته.
#مقال_الجمعة#فهم_النفس
( "الآخر الكبير" الذي نخشاه…لماذا يعيش الإنسان في عيون الآخرين؟ )
هناك سؤال بسيط، لو سألناه لأنفسنا بصدق، فقد يكشف لنا كثيرًا من دوافعنا الخفية:
لو لم يكن هناك أحد سيرى ما ستفعله، هل كنت ستفعله بالطريقة نفسها؟
خذ وقتك و حاول الاجابة بينك و بين نفسك...
الآن دعنا نفرد هذا السؤال قليلًا حتى يصبح أوضح: لو لم يكن هناك والدان ينتظران، ولا إخوة وأخوات يراقبون، ولا أصدقاء يقارنون، ولا مجتمع يحكم، ولا أقارب يعلّقون، ولا زملاء عمل يقيّمون، ولا جمهور خفيّ ينظر إلينا من بعيد… هل كنت ستختار التخصص نفسه؟ وهل كنت ستشتري السيارة نفسها؟ وهل كنت ستسكن الحي نفسه؟ وهل كنت ستسجل السنابات نفسها؟ وهل كنت ستنشر الصورة نفسها على إنستجرام؟
وربما يكون السؤال الأهم من كل ذلك:
هل كنت ستعيش الحياة نفسها؟
قد تبدو هذه الأسئلة فلسفية، لكنها في الحقيقة تمس أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في التحليل النفسي الحديث، وهو مفهوم “الآخر الكبير” (The Big Other)...
الذي طرحه المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان...
ف"الآخر الكبير" ليس شخصًا بعينه، وبالتاكيد ليس الأب أو الأم أو المدير أو شيخ القبيلة أو كبير العائلة، وإن كان قد يتمثل في أي منهم... إنه ذلك النظام الرمزي الذي يولد الإنسان داخله... إبتداءاً من اللغة التي يتحدث بها، والعادات التي يكتسبها، والأعراف التي يخضع لها، والثقافة التي تمنح الأشياء قيمتها، والقوانين التي تحدد المقبول والمرفوض، وكل ما يشكل الصورة التي يقول لنا المجتمع من خلالها: هكذا ينبغي أن نكون...
ولهذا لا يبدأ الإنسان حياته حرًا تمامًا كما يتصور، بل يدخل عالمًا سبقه إليه الآخرون، ووضعوا له تقريباً كل شي!!! من أسماء الأشياء، ومعاني النجاح، وصور الجمال، ومقاييس المكانة، وحتى حدود المقبول... فندلف عالماً كُتبت قواعده قبل أن نولد و نقضي عمرنا كله في تعلم و إتقان هذا النظام …. فتجدنا نحمل اسمًا لم نختره، ونتحدث لغة لم نخترعها، ونتعلم معايير لم نصنعها... حتى كلمة "أنا" التي ننطق بها كناية عن انفسنا، تعلمناها من الآخرين!!
لذلك يرى لاكان أن الذات الإنسانية لا تتشكل بمعزل عن المجتمع، و لكن تتكون داخل هذا النظام الرمزي... فنحن لا نفكر فقط، و لكن نفكر باللغة التي ورثناها... ولا نرغب فقط، و لكن نرغب بالطريقة التي تعلمناها...
ولعل أكثر أفكار لاكان إثارة للاهتمام قوله:
"الرغبة هي رغبة الآخر."
وهي عبارة كثيراً ما يُساء فهمها... فهو لا يقصد أننا نريد ما يريده الآخرون فقط، و لكن يعني أن رغباتنا نفسها تتشكل من خلال ما يمنحه المجتمع من قيمة ومعنى لهذه الأشياء/الافعال... و لذلك درج عندنا هذا القول: كل ما يعجبك و البس ما يعجب الناس!!!
لكن المشكلة الحقيقية الان مع هذا العالم السريع اصبحت ليس في اللباس فقط!!
فالمنصب، في نظرنا، لم يعد مجرد ترقية وظيفية أو زيادة في الراتب، ولكن صار مرغوبًا لأنه يمنح صاحبه رمزًا للمكانة... والشهادة لم تعد مطلوبة فقط لأنها تثبت مهارة أتقناها أو علمًا اكتسبناه، و إنما لأنها أصبحت علامة اجتماعية على النجاح... وحتى السيارة، حين نشتريها، لا نراها بوصفها وسيلة نقل فحسب، بل نختارها أيضًا لما توحي به عن هويتنا، وموقعنا، والصورة التي نريد أن يرانا الآخرون من خلالها!!!
ولهذا أصبح الاستهلاك اليوم لا يقتصر على شراء المنتجات، و انما يشمل شراء المعاني والرموز والانطباعات، و إلا لماذا تصل لوحة سيارة ملايين الريالات حتى اصبح وزن هذه اللوحة من الالمنيوم التي لا تتجاوز قيمتها الخام بضع عشرات من الريالات أغلى من الذهب الحقيقي مئات الاضعاف!! فهنا ندرك أن ما يُشترى ليس قطعة من الألمنيوم، بل معنى اجتماعي، ورمز، ومكانة، ورسالة يقرأها الآخرون...
ثم يظهر لنا سؤال آخر لا يقل أهمية:
لماذا نهتم أصلًا بنظرة الآخرين؟
هنا يقدم علم النفس التطوري (Evolutionary Psychology) تفسيرًا منطقيًا لهذه الظاهرة. فقد عاش الإنسان مئات الآلاف من السنين داخل جماعات صغيرة، وكان قبول الجماعة للفرد شرطًا أساسيًا للبقاء. فالمنبوذ لم يكن يخسر مكانته الاجتماعية فحسب، بل كان قد يفقد الحماية، والغذاء، وفرصة تكوين الأسرة، واستمرار نسله. ولهذا تطورت أدمغتنا لتصبح شديدة الحساسية للسمعة، ولرأي الآخرين، وللمكانة الاجتماعية، لأن هذه الأمور كانت تعني في ذلك الزمن الفرق الحقيقي بين الحياة والموت.
لكن المشكلة أن أدمغتنا لم تتطور بالسرعة نفسها التي تطور بها العالم. فما كان تهديدًا وجوديًا في مجتمع الصيد والجمع، لم يعد كذلك في معظم المجتمعات الحديثة. ومع ذلك، لا يزال الدماغ يتعامل مع الرفض الاجتماعي، أو الإحراج، أو فقدان المكانة، وكأنها أخطار تستحق استنفارًا نفسيًا وعاطفيًا كبيرًا. ولهذا قد يشعر الإنسان اليوم بقلق شديد من تعليق ساخر، أو نقد في اجتماع، أو قلة الإعجابات على منشور، رغم أن أياً من ذلك لا يهدد حياته فعلياً.
ومن هنا نفهم لماذا يكون الخوف من نظرة الآخرين أحيانًا أقوى من الخوف من الخسارة المادية نفسها. فالإنسان لا يخشى (في هذه اللحظة) مجرد رأي الآخرين، و لكنه يستجيب لآلية عصبية قديمة صُممت لحمايته من النبذ والإقصاء. غير أن هذه الآلية، التي كانت يوماً سبباً في البقاء، قد تتحول اليوم إلى سجنٍ نفسي إذا تركناها تقود حياتنا في عالم لم يعد فيه قبول الجميع شرطًا للنجاة، بل قد يكون ثمن الأصالة والتميز أحيانًا هو ألا يرضى عنك الجميع.
أضف إلى ذلك أن مشكلة أن الدماغ الذي صُمم ليتعامل مع قبيلة من خمسين أو مئة شخص، وجد نفسه اليوم، يتعامل مع آلاف المتابعين، بل ملايين الغرباء، وما زال يتفاعل معهم وكأنهم أفراد قبيلته!!
فعندما جاءت وسائل التواصل الاجتماعي منحت هذا "الآخر الكبير" قوة لم يعرفها الإنسان من قبل!! فحوّلت "الآخر الكبير" من فكرة فلسفية تساعدنا في فهم جزء مما يدور حولنا وضخمت هذا الاخر ليصير كبيراً و كبيراً جداً... فأصبح تجربة يومية يعيشها كل واحد منا... ولم يعد الإنسان يخرج من سلطة المجتمع حتى عندما يغلق باب منزله، لأن المجتمع أصبح يسكن هاتفه، يرافقه إلى سريره، ويجلس معه على مائدة الطعام، بل وربما يشاركه حتى لحظات خلوته...
لاحظ هذا بنفسك... فأنت عندم تكتب تغريدة، أو تصور مقطع فيديو، أو تنشر صورة، ستجد نفسك لا تخاطب شخصاً محدداً و انما تخاطب جمهورًا متخيَّلًا في ذهنك... فتعيد صياغة الجملة مرات عديدة، وتحذف كلمة، وتضيف أخرى، وتفكر كيف ستُفهم، وكيف ستُفسَّر، وكيف سيستقبلها الناس!! المفارقة أنك في كثير من الأحيان لا تستطيع حتى تحديد من هم "الناس"!!! ومع ذلك، تشعر أنهم حاضرون معك!!
وربما لهذا قالت لي ابنتي الصغيرة ذات يوم، وأنا أمازحها بأن أخرج إلى الشارع ببجامتي: "عيب... تبي تفضحنا قدام الناس!"
فهي لم تكن تخاف الناس أنفسهم، بل كانت تخاف الصورة التي سيصنعها "الناس" عنا.
وهنا تتجلى عبقرية لاكان... فالآخر الكبير لا يحتاج إلى أن يكون حاضرًا حتى يمارس تأثيره.... فيكفي أن نستبطنه داخلنا، فيسكننا و يتحول إلى صوت داخلي يراقب، ويقيّم، ويمنح الإذن أو يمنعه!!
ولهذا يشعر الإنسان أحيانًا بالخجل حتى لو كان وحده، وربما تردد في اتخاذ قرار رغم أنه مقتنع به خوفاً من شخص قد يقول له "ليتك شاورتني قبل لا تشتري"، أو يعيش قلقًا دائمًا من نظرة الآخرين، مع أن هؤلاء الآخرين قد لا يكونون منشغلين به أصلًا... و ربما كان وحيداً و لكنه يلتفت وراءه ليتأكد أنّ لم يره احد!!
ومن اللافت أن علم النفس الحديث، رغم اختلافه المنهجي عن التحليل النفسي، توصل إلى نتائج تتقاطع مع هذه الفكرة... فقد أظهرت دراسات الامتثال الاجتماعي، وإدارة الانطباع، والهوية الاجتماعية، أن مجرد شعور الإنسان بأنه محل تقييم من الآخرين يغيّر قراراته، وطريقة حديثه، وحتى أداءه العقلي!!! وكأن وجود "عين رمزية" تراقبنا يكفي لتغيير سلوكنا...
ومن المهم هنا إزالة التباس قد يقع فيه البعض. فـ”الآخر الكبير” (Big Other) عند جاك لاكان ليس الله سبحانه وتعالى، ولا شخصًا بعينه، وإنما هو مفهوم في التحليل النفسي يشير إلى النظام الرمزي الذي يولد الإنسان داخله ومن خلال هذا النظام يتشكل جزء كبير من شعور الإنسان بنفسه وبالآخرين. ف لاكان يعطي اللغة مكانة مركزية، لأنها الوسيط الذي يدخل الإنسان إلى "النظام الرمزي" (Symbolic Order)، ومن خلاله يكتسب الهوية والمعنى.
وفي المنظور الإسلامي، يوجد هناك فرق جوهري بين الاحتكام إلى الحق وبين الخضوع لنظرة الناس... فالإنسان قد يترك عملًا لأنه يخالف أمر الله، وهذا التزام أخلاقي وديني مفهوم، وقد يترك العمل نفسه خوفاً من كلام الناس، وهذا خضوع لضغط اجتماعي ( وهو مقصودنا في هذا المقال). وقد يتوافق الاثنان أحيانًا، وقد يفترقان، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا...
ولعل من أجمل ما يحرر الإنسان نفسيًا في هذا المعني قول النبي ﷺ: (من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس). ففي هذا المعنى يتحول الميزان من مراقبة الناس إلى مراقبة الضمير والاحتكام إلى الحق، لا إلى توقعات المجتمع المتقلبة!!
لكن ربما تكون الفكرة الأكثر تحررًا عند لاكان هي قوله أن: "الآخر الكبير لا وجود له."
وهذه ليست دعوة إلى الفوضى أو إنكار المجتمع او الأعراف ، وإنما تعني أن ذلك الكيان الذي نتخيله شخصاً كامل المعرفة، كامل الحكم، والذي يملك الإجابة الصحيحة دائمًا… ليس موجودًا في الواقع أصلاً... وإذا تأملنا ذلك ملياً، ففعلاً هذا المجتمع الذي نرمز له احيانا في معرض حديثا بقولنا (وش تبي يقولون عنا الناس) ليس عقلًا واحدًا، بل ملايين العقول المختلفة والمتناقضة!! وما نسميه "الناس" ليس شخصًا واحدًا يصدر حكمًا نهائيًا، بل أصوات متعددة، قد يمدحك بعضها ويذمك بعضها الآخر في اللحظة نفسها!! وحين نستحضر ذلك سنجد اننا سنسأل انفسنا عدة اسئلة؟
كم من قرار أجّلناه خوفًا من كلام الناس؟
وكم من فكرة أخفيناها خوفًا من التقييم؟
وكم من حياة عشناها لإرضاء جمهور لا نعرفه أصلًا؟
وربما لهذا أصبح الإنسان المعاصر أكثر إنهاكاً من أي وقت مضى! فهو لا يعيش حياته فقط، ولكنه يعيش أيضًا داخل مسرحٍ دائم، يؤدي فيه دورًا أمام جمهور متخيَّل لا يغادره حتى عندما يكون وحيدًا. فالانسان المعاصر لم يعد يسأل نفسه: هل أعجبني هذا الشيء؟ و اصبح سؤاله الان: كيف سيبدو إذا رآه "الآخر الكبير"؟
فهو لا يصوّر وجبته المفضلة من هرفي او البيك وهو يستلمها من نافذة السيارة، مع أنه ربما يأكلها بسعادة حقيقية، لكنه يحرص على تصوير الأطباق التي لا يعرف أسماءها جيدًا في مطعم فاخر أو حائز على نجمة ميشلان... و لا يصوّر جلسته العادية في بيته بملابس مريحة، لكنه يصوّر زاوية الفندق، وفنجان القهوة، وإطلالة النافذة، وجواز السفر المفتوح على الطاولة... و لا يعلن عن لحظات ضعفه وارتباكه وملله، لكنه يلتقط بعناية لحظات النجاح، والسفر، والهدايا، والاجتماعات، والاحتفالات!!!
إن التحرر الكامل من الآخر الكبير ليس ممكنًا، لأن الإنسان كائن اجتماعي، ولأن اللغة والثقافة جزء من تكوينه... لكن الوعي بوجود هذا "المراقب الرمزي" يمنحنا مساحة و لو بسيطة من الحرية... وأن نسأل أنفسنا بين الحين والآخر:
هل هذا قراري فعلاً؟
أم أنه القرار الذي أعتقد أن الآخرين يريدون مني اتخاذه؟
هل هذه رغبتي؟
أم أنها الرغبة التي تعلمت أنها تستحق الإعجاب؟
و من هنا ندرك أن النضج الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن الاهتمام بآراء الناس، فهذا مستحيل، وإنما عندما نستطيع التمييز بين صوت ضميرنا... وصوت "الآخر الكبير".
وربما أجمل ما يكتشفه الإنسان مع تقدمه في العمر، أن معظم الناس الذين قضى حياته يخشى أحكامهم... كانوا هم، يقضون حياتهم أيضًا في الخوف من أحكام غيرهم... وهكذا تستمر السلسلة.... كل واحد يراقب الآخر، ويظن أن الآخر يراقبه، حتى يصبح الجميع أسرى لمراقبٍ قد لا يكون موجودًا أصلًا!!
ولعل الحرية النفسية الحقيقية ليست أن نعيش بلا مجتمع، ولا أن نتجاهل الناس، فكلاهما مستحيل... وإنما أن تكون حياتنا قابلة للتبرير أمام الله أولًا، ثم أمام ضمائرنا، قبل أن ننشغل بتبريرها أمام جمهورٍ متخيَّل، قد لا يكون التفت إلينا أصلًا...
والله من وراء القصد،
#مقال_الجمعة#فهم_النفس
(الإنسان القابل للاستبدال)
ربما لم يعش الإنسان في أي مرحلة من التاريخ حياة أكثر راحة مما يعيشها اليوم، ومع ذلك لم يسبق أن انتشرت مشاعر القلق والتوتر والاكتئاب بهذا الاتساع ليصبح من بين الأسباب الـ 10 الرئيسية لسنوات العمر المفقودة ( بسبب العجز) عالمياً وإقليمياً، ومن المتوقع أن يكون من بين الأسباب الثلاثة الأولى لسنوات العمر المفقودة بحلول عام 2030 حسب منظمة الصحة العالمية!!!
هذه المفارقة تستحق التأمل كثيراً و ملياً ...
فالإنسان بفطرته يحتاج إلى شيء يتشبث به، قضية يؤمن بها أو قيمة يدافع عنها و بالتأكيد دور يؤديه و معنى يعيشه وحدود يعرف عندها من يكون... لكننا نعيش اليوم تغيراً كبيراً في زمن أصبحت فيه كل هذه القيم أكثر ميوعة وهشاشة من أي وقت مضى...
حياتنا اصبحت مريحة إلى حد التراخي، وعلاقات انسانية يمكن استبدالها بضغطة زر، وأفكار لا تستقر على مبدأ و انما تحركها الهبات والترندات، وقيم يجري تعديلها بحسب المزاج والظرف والمصلحة بشكل ميكافيلي مزعج. لذلك أصبح كثير من الناس يعيشون حياة رخوة بلا ملامح واضحة، وكأنهم يتجنبون الالتزام بأي شيء قد يفرض عليهم ثمنا أو مسؤولية أو تضحية اوربما تصنيف معين يحاولون الانتماء له او ربما تجنبه...
وحتى في العلاقات الإنسانية، بدأنا نستبدل الأدوار الاجتماعية الطبيعية بخدمات مدفوعة الثمن. فبدلاً من الصديق الذي يستمع، هناك مستشار وبدلاً من الجار الذي يساعد، هناك خدمة توصيل وبدلاً من الأسرة الممتدة هناك مؤسسات تؤدي بعض وظائفها. ليس في ذلك خطأ بحد ذاته، لكنه يعكس انتقالاً تدريجياً من مجتمع يقوم على الروابط إلى مجتمع يقوم على التعاقدات (مستفيد يقابله مقدم خدمة)، ومع هذا التحول، يتسلل شعور خفي بعدم الأمان و تداخل الادوار.
فالإنسان يدرك في أعماقه أن كل شيء حوله أصبح قابلا للاستبدال؛ وظيفته، وعلاقاته، وحتى بعض أدواره الاجتماعية. وعندما يفقد الإنسان شعوره بأنه ضروري أو مؤثر أو ذو قيمة خاصة، يبدأ القلق بالتشكل. هذا القلق ليس قلقاً من خطر محدد، بل قلق وجودي أعمق... قلق من فقدان المعنى، ومن سهولة الاستغناء، ومن غياب الجذور التي تمنح الحياة ثباتها و الطاقة اللازمة لخوض معتركها و مجابهة كبدها...
ومع مرور الوقت، يتحول هذا القلق إلى شعور بالإرهاق النفسي. فالعقل لا يستطيع أن يبقى في حالة استنفار دائم دون ثمن يُدفع وحين يفشل الإنسان في العثور على معنى يستحق الالتزام، أو قيمة تستحق الدفاع، أو دور يشعر أنه لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، يبدأ الفراغ بالتوسع داخله... ومن هذا الفراغ يولد الاكتئاب!!!
ومن المثير للاهتمام أن ما تصفه الدراسات النفسية الحديثة لا يبتعد كثيرا عن هذه الفكرة... فبعض نماذج النمو النفسي ترى أن الإنسان لا يزدهر فقط عندما تتوفر له الراحة أو الرفاهية!! بل عندما تتجذر حياته في مجموعة من الاحتياجات الإنسانية الأساسية...
ففي أعماق النفس توجد حاجات مثل الانتماء والولاء، والحب، وأن يكون الإنسان معروفا ومفهوما من الآخرين، وأن يشعر بالأهمية والمعنى، وأن يعيش في بيئة تمنحه الأمان. هذه الاحتياجات تعمل كالجذور الخفية للشجرة؛ لا يراها الناس لكنها هي التي تغذي النمو كله...
وعندما تُشبع هذه الاحتياجات، تنشأ لدى الإنسان القدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة (Adaptive)، والقدرة على دمج الخبرات المختلفة في هوية متماسكة (Integrative)، ثم يصل إلى مرحلة أعلى من النضج والنمو النفسي يطلق عليها بعض الباحثين "الانبثاق" أو "النمو المتجاوز" (Emergence)، حيث يصبح الإنسان أكثر مرونة ووضوحا ومعنى و ثبات...
ولعل ما يلفت الانتباه أن هذه الفكرة لا تقتصر على التأملات الاجتماعية، بل تجد دعما في بعض النماذج الحديثة في علم النفس وعلم الأعصاب. فالعالم والطبيب النفسي الأمريكي دانيال سيغل (Daniel J. Siegel)، أحد مؤسسي مدرسة البيولوجيا العصبية للعلاقات الإنسانية (Interpersonal Neurobiology)، يرى أن النمو النفسي الصحي يعتمد على إشباع مجموعة من الاحتياجات الإنسانية الأساسية التي تشكل جذور الاستقرار النفسي. فعندما تتجذر هذه العناصر في حياة الإنسان تنشأ لديه القدرة على التكيف مع المتغيرات، ثم تتطور لديه قدرة أعلى على التكامل النفسي والاجتماعي، وصولا إلى ما يسميه سيغل "الانبثاق" (Emergence)، وهي حالة من النضج والمرونة والازدهار النفسي.
لكن المشكلة في عصر الرخاوة أن كثيرا من هذه الجذور بدأت تضعف. فالانتماء استبدل بالمتابعة الرقمية، والعلاقات العميقة استبدلت بشبكات واسعة من المعارف السطحية، والأدوار الاجتماعية الحقيقية استبدلت بخدمات مدفوعة و علاقات تعاقدية، والمعنى الحقيقي للحياة استبدل بالاستهلاك المقيت...
ولهذا لا يبدو مستغربا أن ترتفع معدلات القلق والاكتئاب في مجتمعات بلغت مستويات غير مسبوقة من الرفاهية المادية. فالإنسان بكل تأكيد لا يعيش بالأمان المادي وحده، بل يحتاج أيضا إلى أمان نفسي ينشأ من شعوره بأنه ينتمي الي شيء، وأنه معروف، وأن لحياته معنى، وأن وجوده يحدث فرقا حقيقيا في حياة الآخرين و الحياة نفسها. لكن عندما تصبح الحياة رخوة ومجردة من الانتماء الحقيقي والمعنى الحقيقي والأدوار الحقيقية، فإن هذه الجذور تضعف تدريجيا. فيبقى الإنسان محاطا بالراحة والخيارات والاستهلاك و كانه يتبع هواه، لكنه في هذه الرحلة يفقد العناصر التي تمنحه شعورا عميقا بالقيمة والضرورة و بالتالي الوجودية الحقة...
وهنا يظهر التناقض الذي يميز عصرنا؛ فكلما ازدادت وسائل الراحة، ازدادت لدى كثير من الناس مشاعر القلق والاغتراب ولذلك فإن أزمة الإنسان المعاصر بالتأكيد ليست نقصاً في الموارد، بل ضعف في الجذور التي تشكل المعنى و الإنتماء.
فالشجرة لا تموت عندما يقل عدد أوراقها او اغصانها، بل عندما تفقد اتصالها بما يغذيها تحت الأرض.
و الله من وراء القصد،
هذه الحياة ستنطوي، ولن يبقى من مكتسباتها مستمرًا بعدها إلا "صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" [رواه مسلم].
تخيل تاجرًا امتلك الملايين، لكنه مات دون أن ينشئ مشروعًا خيريًّا، أو وقفا لله تعالى يُنفق على وجوه البر، فوزعت تركتُه على ورثته، فماذا سيبقى له من أمواله بعد وفاته؟!
وتخيل عالمًا يشار إليه بالبنان، لا لأنه علَّم وأرشد وألَّف وحاضر وحاور وخطب وكتب، لكن لأنَّه نال الشهادة الفلانية، وتقلد المنصب الفلاني، وبقي كتابًا محفوظًا في خزانة بيته!! إذا مات فماذا سيبقى له ومنه للأجيال القادمة؟!
وتخيل والدًا أنجب عددًا من الأولاد بنين وبنات، لكنَّه عاش لنفسه ولشهواته ونزواته، واكتفى بأن يُطعم أجسادًا خاوية، وعقولًا جوفاء، وترك تربيتهم وأهملهم، فمات عن فاشلين في دراستهم؛ عاطلين عن العمل، فتى تائه، وفتاة مهزومة!
إن حضور الآخرة في خطة حياتك، هو تاريخك الذي سيبقى لك دنيا وآخرة.
إن كل شخص ينصحك، فإن نصيحته رغم إخلاصها فإنها نابعة من عالمه الخاص، وما يحمله هذا العالم من قيم ومعتقدات وخبرات وفروق فردية تناسبه هو وليس بالضرورة تناسبك أنت.
لا أحد يعلم عالمك الخاص بعد الله سواك، استفد من نصائح الآخرين لكن لا تسلّم أمرك لها بالمطلق، وقم بتشكيل الاتجاه الذي يناسب عالمك الخاص.
#اسامه_الجامع
الوظيفة والمهنة مجرد وسيلة رزق، لا علاقة لها بقيمة الإنسان ذاته المرتبطة بما له من فضائل...من أشنع آثار عالم الأعمال الحديثة أن دمرت هذا الارتباط بين قيمة الإنسان وفضائله، وجعلت قيمة الإنسان مرتبطة بوظيفته.
مهما كنت ذكياً فسيأتي اليوم ترتكب فيها حماقة بطريقة لا يمكن لمثلك ارتكابها، ومهما كنت متفوقاً فسيأتي اليوم الذي تفشل فيه بطريقة لا تصدق، ومهما كنت تقياً فسيأتي اليوم الذي ترتكب فيها معصية تنكر فيها نفسك.
فبدلاً من سؤال نفسك لماذا فعلت ذلك؟ اسأل نفسك كيف أكون أفضل؟.
#اسامه_الجامع
كزوج لامرأة عاملة مهتمة بوظيفتها ودراستها، طبيبة نفسية وعصبية، تمتد علاقتنا الآن لأكثر من ثمانية عشر عامًا، يمكنني أن أجيب كالتالي، وأتمنى حسن الظن:
إن المكسب الحقيقي لوظيفة الزوجة هي (الاستثمار النفسي خارج حدود العلاقة)، فما الذي أقصده بهذا المفهوم؟
هناك خلط رهيب بين مفهومين في الخطاب الشعبي المتعلق بعمل المرأة: مفهوم (أولوية العلاقة الزوجية) ومفهوم (حصرية التمحور حول العلاقة الزوجية)
إن العائلة أولوية، لكنها ليست كل شيء، وتحول العائلة لمساحة وحيدة في حياة المرء ليس نافعًا كما يتوهم البعض، فاستثماراتنا النفسية والانفعالية والوجدانية ينبغي أن توزع بين أكثر من مسار، أهمها عائلتنا لكن لا ينبغي أن يكون استثمارنا الوحيد، وذلك من أجل صحة عائلتنا نفسها!
فصب استثماراتنا النفسية وتوظيف كامل طاقاتنا العاطفية والانفعالية في موضع واحد يجعله أكثر اضطرابًا، إذ نكون أكثر تحفزًا، وأشد تحسسًا للإحباط، وربما أكثر تطلبًا وإرهاقًا ونحيل حياة من حولنا لشيء من الاختناق!
ينبغي أن أعترف أن وظيفة زوجتي وإن لم تنفعني على المستوى المادي إلا أنها تنفعني على المستوى النفسي وتفيد علاقتنا بشدة، فأفكارها موزعة بين عائلتنا وكذا في عملها، الذي يمنحها بعض الاشباع الذاتي والشعور بالقيمة فلا تصبح تستمدها فقط وحصريًا من علاقتنا أو من تربيتها لأبنائها، فتسبب لهم ضغطًا كبيرًا لأنهم لم يعودوا شخصيات مستقلة وإنما (مشاريع لاثبات الذات لامرأة محبطة ليس لديها مسار تفريغ نفسي أو نمو لامكاناتها سواهم)!
فإن لم يكن لدى الزوجة / أو حتى الزوج مسارات أخرى للحصول على الاشباع، وميادين موازية للاستثمار النفسي أصبحت كل المشاعر مصبوبة في جهة واحدة، فتجد التقلبات المزاجية تصب في غضبات تجاه الأولاد أو ارتياب تجاه الشريك أو تحسس مفرط لأي تغير في حرارة العلاقة!
أما إن كانت لدينا مسارات أخرى لاثبات الذات، فيمكن لها أن تتحرر من حظ النفس في الأمومة وتتمكن من استيعاب كون أطفالها ليسوا مشاريع اثبات جدارتها، وليسوا استثمارات خاصة وحصرية لحياة فارغة وإنما أناس لهم أقدارهم ورغباتهم فتقوم بحق رعايتهم دون هوس أو هلع أو فرط حماية أو قمع! ومن ثم تصبح أمومتها وزوجيتها أكثر نضجًا واستقرارًا!
إن كل إنجاز تحققه زوجتي في عملها يصب في شعورها بشكل أفضل تجاه نفسها فتصبح أكثر ثباتًا في صورتها الذاتية وبالتالي أكثر إشراقًا في علاقتها بزوجها وأبنائها!
ودعوني أعترف بأمر آخر، إن عمل زوجتي يخبرني الكثير عن جودة علاقتنا، فهي تستطيع أن ترحل وقتما شاءت، يمكنها أن تنفق على ذاتها بل وعلى أولادها (إن أصابني الشيطان بلوثة أفقدتني مروءتي)، لذا فبقاءها ليوم إضافي في هذه العلاقة هو لكونها تريد، لا لكونها مضطرة، فهي ليست أسيرة في علاقة لأن الحياة سترهقها دونها، ولا أشعر أني أتخذها رهينة بانفاقي وأنها خارج أموالي ستعاني، ولا أشعر أني (أختطفها) لكون حياتها خارج عائلتنا فارغة، بل ينتابني شعور يربت على مخاوفي الإنسانية الاعتيادية: إن هذه المرأة يمكنها أن ترحل متى شاءت، فمعنى بقاءها ليوم آخر هو أن الأمور على ما يرام.
هي ليست جواري انطلاقًا من الاضطرار بل بكامل اختيارها، وأي حب لا يرتكز على حرية لا يعول عليه!
والأهم من ذلك كله أن عمل زوجتي يوصل رسالة مهمة لأبنائي: لا حاجة لكم إن أحببتم شخصًا أن تفنوا حياتكم بأسرها من أجله، يمكنكم أن تقوموا برعاية من تحبون ولكن في نفس الوقت لا تغفلوا رعاية ذواتكم والاعتناء بأنفسكم وتحقيق أحلامكم، فالحب والرعاية لا يعني الفناء في الآخر، بل إن لكم نصيبكم في هذا العالم فلا تدعوه!
وبالتالي نحن نتفق على قاعدة تشملنا وهي (كون أسرتنا أولوية لا تعني أنها كل شيء أو أن حياة أيًا من أفرادها خاوية دونها)
لذا أعترف بوضوح: أنا منتفع وأسرتنا منتفعة على المستوى النفسي والتربوي بشكل واضح من عمل زوجتي، بل أقول بكل وضوح ربما كنت سأصاب باحتراق نفسي إن كان كل الزخم الانفعالي لزوجتي موظفًا فقط في علاقتنا، وهكذا هي، لا أظن أن أعصابنا مخلوقة لتتحمل كامل الطيف الانفعالي لإنسان ليس لديه غيرنا!
جحيم هو حبٌ بين طرفين منصهران بلا مسافات براح لالتقاط الأنفاس، وبغيضة هي عائلة لا تسمح لك بكينونة خارج حدودها!
والسلام