"نعلم أن كل كتاب ينبغي أن يكون موسوماً بالنقص، وأن الأقل يقينية من تأملاتنا الجمالية هو ذلك المتعلق بما نكتب"
-
بيسوا
كيف هذي الشذرة حقيقية لهذي الدرجة؟
أم عبدالله المحسن تنشر أبناءها وأحزانهم على حبل الغسيل
أمي التي تُمرِّغ أحزاننا في "الطشت"،
تستخرج من الجوارب خطواتنا المتعَبَة،
تستخرج قلوبنا من القميص،
وترى عليه بعض الدم،
تنفض جيوبنا الفارغة،
إلا من بعض البياض،
تنشر الملابس في السطح،
كما لو أنها تنشرنا،
وتُقدّمنا قربانًا إلى اللهْ!
يا الله:
لماذا أنزلت المطر هذا المساء؟
حتى لا يجفّ حزن حبل الغسيل،
إنها إذًا ليلة أخرى في العراءْ!
…..
يُقيم هذا النص شعريته على تحويل الفعل اليوميّ البسيط إلى طقس كونيّ كثيف الدلالة، حيث تغدو الأم مركز العالم، وتتحوّل مجمل أعمالها المنزلية إلى أفعال رمزية تمسّ الوجود ذاته. فوعاء الغسيل "الطشت" يحضر كفضاء شعري تُمرَّغ فيه الأحزان. لكأن الحزن مادّة ملموسة قابلة للعصر والتنقية. ومنذ السطر الأول، يُدخِلنا الشاعر عبدالله المحسن في اقتصاد رمزيّ يُنقَل فيه الألم من التجريد إلى المحسوس، من الشعور إلى القماش. ومن الوجهة الأسلوبية ينتمي النص إلى قصيدة النثر ذات النفس السردي–التصويري، حيث تُستبدل الإيقاعات العروضية بإيقاع داخلي يتشكّل من التكرار، والتوازي التركيبي، والانزياح الدلالي.
يتوضح ذلك المنحى من خلال البنية التركيبية للنص الذي يهيمن عليه أسلوب الجملة الفعلية، وغالبًا بصيغة المضارع: تمرّغ، تستخرج، ترى، تنفض، تنشر، تُقدّم. حيث يمنح هذا الاختيار الأفعال طابعًا استمراريًا، وكأن الفعل الأموميّ لا ينقضي، بل يتكرّر بوصفه قدرًا يوميًا. كما يلحظ توازٍ تركيبي واضح في تكرار فعل "تستخرج" وهو تكرار يؤدي وظيفة إيقاعية ويؤسس لتدرّج دلالي: من "الخطوات" إلى "القلوب" إلى "الدم". أي من التعب الخارجي إلى الجرح الداخلي.
تتكرّس هذه الاستراتيجية بقوله "تستخرج من الجوارب خطواتنا المتعبة". وهي صورة تنطوي على نقل الحركة (الخطوات) إلى أثرها الماديّ (الجوارب)، بما يشبه قراءة الجسد من بقاياه. بمعنى أن الأم التي تؤدي مهمة الغسل، هي أيضًا قارئة آثار. تستنطق التعب الكامن في الأشياء، وتعيد تأويل حياة أبنائها عبر ما خلّفوه وراءهم. ويتصاعد هذا البعد حين يقول "تستخرج قلوبنا من القميص". إذ يبلغ المجاز ذروته في خرق الحدود بين الجسد وملابسه، بين الداخل والخارج، ليغدو القميص حاملاً للقلب، وللدم الذي "ترى عليه بعض الدم" في إشارة خافتة إلى الفقد أو الجرح أو الحياة القاسية خارج حضن الأم. إذ يُذيب هذا الانزياح الحدود بين الإنسان ومحيطه المادي، ويجعل الأشياء امتدادًا حسّيًا للذات. بمعنى نقل الصفات الإنسانية إلى الأشياء، والعكس.
كذلك تكتسب "الجيوب الفارغة" دلالة طبقية ووجودية في آن، فهي فراغ ماديّ لا يحتوي إلا "بعض البياض". ذلك البياض الذي يمكن قراءته بوصفه بقايا براءة، أو فقرًا نقيًا، أو أملًا هشًّا لم يتلطخ بعد. وهكذا تغسل الأم الملابس، لتفرغ الأبناء من العالم، وتعيدهم إلى حالة أولى من العري الرمزي. وهنا يمكن ملاحظة حركية النص من خلال الضمائر. ضمير الغائب (الأم) وضمير المتكلم الجمع (نا)، ما يؤسس لعلاقة حميمة بين الذات الجماعية والمتكلم المفرد. الأم تُرى من الخارج، لكنها تحمل الداخل الجمعي للأبناء.
في صورة نشر الملابس على السطح "كما لو أنها تنشرنا" يبلغ النص ذروة التماهي بين الإنسان وأشيائه، فالملابس امتداد للذات، وتعليقها في العراء فعل تعرية علنيّ، وطقس تقديم. الأمر الذي يُفضي إلى المفاجأة الدلالية الأخيرة: "وتُقدّمنا قربانًا إلى الله". حيث تنقلب الأم إلى كاهنة، والسطح إلى مذبح، وحبل الغسيل إلى حدّ فاصل بين الأرض والسماء. والأهم أن التضحية هنا لا تُستدعى كفعل موت، إنما كحالة تسليم، واعتراف بالعجز، وطلب نجاة. ليفصح النص عن فضائين لغويين متداخلين: فضاء منزليّ يوميّ: الطشت، الجوارب، القميص، الجيوب، الملابس، السطح، حبل الغسيل. مقابل فضاء روحي طقسي: قربان، الله. بحيث يخلق ذلك التداخل الأسلوبي ما بين اليوميّ والقدسيّ توترًا دلاليًا، حيث تتحول الأفعال المنزلية إلى طقوس شبه دينية، دون أن يفقد النص بساطته اللغوية.
وهكذا جاء النداء الختامي "يا الله" ليتجاوز فكرة الدعاء التقليدي، إلى حالة السؤال الاحتجاجي الرقيق "لماذا أنزلت المطر هذا المساء؟". فهذا المطر، الذي غالبًا ما يُقرأ كرمز للتطهير أو الرحمة، يتحوّل هنا إلى عائق، لأنه يمنع "حزن حبل الغسيل" من الجفاف. فالحزن يريد أن يجفّ، أن يكتمل طقسه، لكن السماء تؤجّله. وبذلك ينتهي النص على مفارقة قاسية. ليلة أخرى في العراء، حيث لا اكتمال للحزن، ولا عودة كاملة إلى الداخل. وهنا يبلغ الانزياح والتشخيص ذروتهما، عندما يُمنَح الجماد شعورًا، فيتحول إلى ذات متألمة تشارك الإنسان حزنه. وذلك عبر إيقاع داخلي، يعتمد على التقطيع والجمل القصيرة مهمتها تخليق إيقاعات متأنية تحاكي التردد والتأمل، كما تبرز بشكل قوي من خلال النداء "يا الله".
للمقال بقية
"الحبكة التي نبتكرها هي الوسيلة المميزة التي من خلالها نعيد تصوّر تجربتنا الزمنية المضطربة وغير المتشكلة التي هي عند حدودها القصوى خرساء"
-
بول ريكور
الزمان والسّرد
سعيد أن تكون قصائدي ضمن مختارات الشعر المعاصر في المملكة مع مجموعة من الشعراء ضمن (اقتفاء الأثير)، مع جزيل الشكر للدكتورة منيرة الغدير @arabia77 على جهودها رفقة المترجمين في العمل على هذه المختارات وترجمتها.
يُسعد #كرسي_اليونسكو_لترجمة_الثقافات في #مركز_الملك_فيصل، وبدعمٍ من هيئة الأدب والنشر والترجمة، أن يعلن عن إصدار كتاب «اقتفاء الأثير: مختارات من الشعر المعاصر في المملكة العربية السعودية» في نوفمبر 2025م المقبل، عبر دار نشر جامعة سيراكيوز.
تجدونه في #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب_2025
ديوان «فن الطيور» للشاعر #بابلو_نيرودا.
ديوانٌ رقيقٌ وفريدٌ وموجزٌ لشاعر تشيلي وأمريكا "اللاتينية" الأشهر، حظيت بترجمته على مهلٍ غير مسبوقٍ ولا يُبارى: لنقل قطرةً قطرة… على مدى عقودٍ ثلاثةٍ أو أكثر قليلًا… خلالها أشغلت به كل من عرفت من الأصدقاء والأحبة.
ففي عام ١٩٩٤ نشرتُ ترجمةً لبضع قصائد مقتطفةٍ منه -نقلًا عن ترجمةٍ إنجليزية- وذلك في العدد الثاني من مجلة «النص الجديد» التي كان يصدرها الصديق الراحل الشاعر الكبير علي الدميني.
ثم ظللت متربصًا أنتظر من ينقله مباشرةً من أصله الإسباني، فكيف لهذا الجمال أن يفوتنا!
ثم أتى حديثٌ عابرٌ قبل ثلاث سنواتٍ تقريبًا مع الصديق الشاعر أحمد العلي المدير العام لمجموعة كلمات للنشر في الشارقة، لنرسم خطة طريقٍ لمواءمة ترجمتي للقصائد عن اللغة الوسيطة (الإنجليزية) مع أصلها الإسباني وذلك بإشراف قامةٍ أكاديميةٍ وإبداعيةٍ متفردةٍ من تونس الخضراء: الدكتورة خديجة قضوم وهي شاعرةٌ ومترجمةٌ ومحررةٌ باللغة الإسبانية، وأستاذة الأدب الأمريكي اللاتيني بجامعة جورجيا بالولايات المتحدة.
والباقي هو تاريخٌ حديثٌ وحاضرٌ في الذاكرة يشاركني فيه العديد من الأصدقاء ممن أكرموني بعطائهم، في مقدمتهم أبونا الروحي أستاذنا الشاعر عبدالله السفر بملاحظاته الأسلوبية الفارقة، والصديق الكاتب والباحث والفوتوغرافي المبدع أثير السادة بملاحظاته الثرية حول تدقيق أسماء الطيور، والصديق الشاعر الكبير أستاذ اللغة العربية محمد منصور الذي راجع النص بمحبةٍ وأريحيةٍ مرةً إثر مرةٍ ودقق مفرداته وصياغاته؛ ليجعله كما نتمنى وفي أجمل حلّة. ومن قبل ومن بعد، فهذا الديوان في رحلته بين اللغات الثلاث كان لإيام وليالٍ طوالٍ موضعًا للحديث والمسامرة والتأمل والقراءة المشتركة مع رفيقة عمري صاحبة الذوق الإبداعي المتفرد والحس اللغوي الصارم شادية البيات. كما كان الكتاب وحكاياته مصدر إلهامٍ لبناتنا؛ وكل منهن شاعرةٌ وكاتبةٌ إبداعيةٌ متفردةٌ: ياسمين، ودينا، وهند، وسلافة التي قاربته بريشتها الحنونة في لوحاتٍ ربما تشاركنا نورها ذات يوم.