هل يستطيع الطبيب النفسي أن يميّز الشخص السليم من المريض؟
تجربة روزنهان: قصة بدأت باختبار الطب النفسي، وانتهت باختبار مصداقية التجربة نفسها.
قراءة ممتعة. https://t.co/HorDcvFjqq
#مقال_الجمعة
كيف خسر العالم عقده النفسي مع الممارس الصحي؟
في ليلة باردة من ليالي شتاء تورنتو، أخذت صغيرتي إلى الطوارئ. كانت وقتها دون الثانية من عمرها، وتحتاج إلى سحب عينة دم لإجراء بعض الفحوصات. حاولت الممرضة أكثر من مرة، ثم توقفت وقالت بابتسامة:
"سأطلب زميلًا أكثر خبرة… لديه يدان سحريتان."
بعد دقائق دخل ممرض تبدو عليه ملامح آسيوية، وما إن نظر إلينا حتى قال:
"ما شاء الله… أنتم من السعودية؟"
أمسك بيد طفلتي بهدوء، ثم أدخل الإبرة من المحاولة الأولى.
فعلاً… كانت يداه سحريتين!
سألته وأنا أراقبه ينهي الإجراء:
أين كنت تعمل قبل أن تأتي إلى كندا؟
ف��ال:
"عملت أكثر من عشر سنوات في مستشفى الدوادمي… وأنا أحب السعودية"
شكرته وانصرف…
لكن شيئًا من تلك المحادثة بقي معي.
لم أفكر وقتها في هجرة الكفاءات، ولا في سياسات القوى العاملة الصحية، ولا في علم النفس التنظيمي. فكرت في سؤال أبسط:
إذا كانت هذه المهارة قد صُنعت هناك… فلماذا أصبحت تُستثمر هنا؟
ومن هنا تبدأ الحكاية…
فلسنوات طويلة كان السؤال الذي يشغل وزارات الصحة حول العالم: كيف نُخرّج عدداً أكبر من الأطباء والممرضين والممارسين الصحيين؟
فبُنيت الكليات، وزادت مقاعد التدريب، وتوسعت برامج الابتعاث والمستشفيات الجامعية، وكان الافتراض الضمني أن الإنسان متى دخل المهنة الصحية سيبقى فيها.
أما اليوم فقد تغير السؤال وأصبح:
كيف تجعلهم يريدون أن يبقوا؟
فالمستشفى يمكن بناؤه خلال سنوات، والجهاز الطبي يمكن شراؤه خلال أشهر، أما الإنسان الخبير فلا يمكن طلبه من شركة توريد.
الخبرة تحتاج وقتًا....
تحتاج آلاف المرضى، ومئات المناوبات، وقرارات صحيحة وأخرى تعلم منها صاحبها، ولحظات من الخوف والتردد، ثم قدرًا متراكمًا من الثقة.
ولهذا عندما يغادر ممارس صحي خبير، فأنت لا تفقد موظفًا فقط…
أنت تفقد سنوات.
وهنا لفتني مفهوم في علم النفس التنظيمي يسمى
العقد النفسي (Psychological Contract)
وهو عقد لا يُطبع، ولا يوقعه الموظف، ولا يوضع في ملفه الوظيفي. إنه الاتفاق الصامت الذي يتشكل بين الإنسان والمؤسسة التي يعمل فيها.
كأن الممارس يقول:
سأعطيكم وقتي، ومعرفتي، وسنوات شبابي، وجزءًا من صحتي. سأستيقظ حين ينام الآخرون، وأتحمل المسؤولية حين يتجنبها الآخرون، وأقف أمام الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا.
وفي المقابل، ماذا ستعطيني المؤسسة؟
ولأ��يال طويلة كانت الإجابة واضحة نسبيًا: الأمان الوظيفي، والدخل الجيد، والمكانة الاجتماعية، والاحترام، والتطور المهني، والتقاعد الآمن.
لكن شيئًا تغير...
دخلت الأجيال الجديدة سوق العمل وهي تحمل أسئلة إضافية:
هل سأعيش حياة خارج المستشفى؟
هل يعاملني مديري بعدل؟
هل لصوتي قيمة؟
هل أستطيع أن أقول إنني متعب دون أن يفسر ذلك على أنه ضعف؟
وهل تراني المؤسسة إنسانًا، أم عددًا من المرضى يمكنني معاينتهم؟
وهذه الأسئلة لا تعني أن الجيل الجديد أقل قدرة على الاحتمال. فهذا في ظني اختزال غير منصف.
فالجيل الجديد لم يرفض العمل، لكنه بدأ يرفض فكرة أن يكون الاحتراق الوظيفي شهادة إخلاص. ولم يرفض المسؤولية، لكنه بدأ يسأل عن الثمن النفسي الذي يدفعه مقابلها. ولم يتوقف عن حب المهنة، لكنه بدأ يفرق بين حب المهنة وقبول بيئة عمل تستنزفه باسمها.
ومن هنا بدأ العقد القديم يتصدع...
وفي علم النفس التنظيمي يوجد مفهوم أكثر تحديدًا يسمى
خرق العقد النفسي (Psychological Contract Breach)
ويحدث عندما يشعر الموظف أن المؤسسة لم تفِ بما كان يعتقد أنها وعدته به، حتى لو لم يكن ذلك الوعد مكتوباً.
ومن المهم أن ندرك أن الإنسان لا يستجيب لخرق هذا العقد بالاستقالة مباشرة.
يبدأ الأمر غالباً بتراجع الثقة، ثم يقل العطاء النفسي، ثم الانتماء، ثم الاستعداد لبذل الجهد الإضافي.
ولهذا فالاستقالة في كثير من الأحيان لا تكون بداية المشكلة…
إنها آخر سطر فيها...
والعمل الصحي تحديداً يحمل عبئاً لا يراه الناس كاملاً.
فنحن نرى الممارس الصحي أمام المريض، ولا نرى المناوبات الليلية، والقرارات التي يخشى صاحبها أن يخطئ فيها، والمسؤولية القانونية، وقلق الأسر، والرسائل بعد انتهاء سا��ات العمل، والملف الإلكتروني الذي ينتظر استكماله بعد خروج آخر مريض.
وهنا حدث تحول آخر أكثر هدوءًا وأشد أثرًا...
كثير من الممارسين دخلوا المهن الصحية لأنهم أرادوا العمل مع الإنسان، ثم اكتشفوا أنهم يقضون جزءًا متزايدًا من يومهم مع النظام:
توثيق، ونماذج، وموافقات، وطلبات، ومراسلات، ومؤشرات أداء، واجتماعات.
حتى أصبح بعض الممارسين يقضي أمام الحاسب وقتاً أطول مما يقضيه أمام المريض الذي اختار الطب من أجله.
وكل واحدة من هذه التفاصيل تبدو صغيرة منفردة، لكنها حين تتكرر كل يوم تبدأ في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمهنة.
ومن هنا نفهم لماذا دخل مصطلح الاحتراق الوظيفي (Burnout) بقوة إلى الحديث عن العاملين في الصحة...
فالاحتراق أعمق من مجرد التعب...
المتعب قد يرتاح ويعود... أما المحترق وظيفيًا فقد ينام ثماني ساعات ثم يعود في الصباح وهو يشعر أن شيئًا في علاقته بالعمل لم يعد كما كان.
يؤدي المهمة، لكن طاقته العاطفية تتراجع. يبتسم للمريض، ل��ن الابتسامة تحتاج جهدًا أكبر. ويتخذ القرار، لكن شعوره بالمعنى يصبح أضعف...
ثم يأتي السؤال الخطير:
هل أستطيع أن أعيش بهذه الطريقة عشرين سنة أخرى؟
ومن هنا يبدأ الذهن بالبحث عن باب آخر.
مستشفى آخر.
مدينة أخرى.
دولة أخرى.
أو حتى مهنة أخرى.
ولهذا أصبحت القوى العاملة الصحية سوقاً عالمية شديدة التنافس.
فالعالم يعا��ي أصلاً نقصاً كبيراً في العاملين الصحيين، وفي الوقت نفسه تواجه كثير من الدول الغنية شيخوخة السكان، وارتفاع الطلب على الخدمات، واقتراب أعداد كبيرة من العاملين من سن التقاعد.
وتدريب طبيب أو ممرض متمرس يحتاج سنوات.
فما الحل الأسرع؟
أن تستقطب شخصاً أُعد بالفعل في مكان آخر.
ولهذا نجد أن نسبة معتبرة من الأطباء والممرضين العاملين في الدول المتقدمة تلقوا تدريبهم أو تعليمهم الصحي خارج الدولة التي يعملون فيها.
وهنا تصبح المسألة أكبر من قصة شخص وجد فرصة وظيفية أفضل.
فالدولة التي تستقطب ممارساً صحياً خبيراً تستقبل معه سنوات التعليم، وتكلفة التدريب، وخبرة المشر��ين، والمستشفيات التي مارس فيها، والمرضى الذين ساهموا دون أن يعرفوا في صناعة حدسه السريري.
ولهذا لم تكن يدا ذلك الممرض في تورنتو سحريتين فعلًا.
لقد صنعتهما السنوات.
صنعتهما عشر سنوات في الدوادمي.
صنعتهما محاولات نجحت وأخرى تعلم منها. صنعهما أطفال بكوا حين أدخل الإبرة، وأمهات قلقن، وزملاء علموه، وحالات جعلته أكثر دقة في المرة التالية.
فالأيدي السحرية لا تولد فجأة. الأنظمة الصحية تصنعها ببطء… ثم قد تخسرها بسرعة.
والطبيب الخبير عندما يغادر لا يحمل شهادته فقط، وإنما يحمل حدسًا سريريًا تراكم عبر آلاف القرارات.
والممرضة المتمكنة لا تحمل رخصتها فقط، وإنما تحمل معرفة يصعب وضعها كاملة في كتاب. تعرف متى يبدو الطفل خائفًا، ومتى تكون الأم أكثر خوفًا منه، ومتى يحتاج المريض إلى شرح إضافي، ومتى يوجد شيء غير مريح في المشهد رغم أن الأرقام تبدو طبيعية.
وهذا النوع يسمى المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge).
وهي المعرفة التي تستطيع الكتب والبروتوكولات وصف جزء منها، بينما يتشكل جزء كبير منها فقط بالممارسة الطويلة.
��مع ذلك، فالهجرة لم تعد بين الدول وحدها.
هناك هجرة أكثر هدوءاً تحدث داخل القطاع الصحي نفسه.
طبيب ينتقل إلى شركة تقنية.
ممرض يترك الخط الأمامي للإدارة.
أخصائي يذهب إلى شركة تأمين.
وممارس يختار الاستشارات أو التعليم أو شركات الأدوية أو ريادة الأعمال.
قد يبقى هؤلاء داخل المنظومة الصحية بمعناها الواسع، لكن المريض يفقد وجودهم بجانبه.
وقد نكتشف يومًا أن المشكلة لم تكن في عدد أصحاب الشهادات…
إنما كانت في عدد الذين ما زالوا يريدون الوقوف عند سرير المريض.
والتعويض المالي العادل مهم دون شك، لكنه وحده لا يستطيع إعادة بناء عقد نفسي مكسور.
فالإنسان يعمل أيضًا من أجل الشعور بالعدل، والسيطرة على حياته، والانتماء، والتقدير، والنمو، والمعنى.
فقد يحتمل مناوبة صعبة إذا شعر أن زملاءه يحملون العبء معه. وقد يتحمل موسماً مرهقاً إذا عرف أن له نهاية... وقد يقبل ضغطاً مرتفعاً إذا وثق بقيادته... وقد يعطي المؤسسة أكثر مما تطلب منه إذا شعر أنها ست��ف معه عندما يحتاج إليها.
لكن حين تصبح التضحية في اتجاه واحد، يعود السؤال القديم:
ماذا سأحصل في المقابل؟
ولهذا فالممارس الصحي لا يحتاج إلى أن نصفه دائمًا بالبطل.
الكلمة جميلة، لكنها تصبح خطرة عندما نستخدم البطولة لتبرير ما لا ينبغي للإنسان أن يتحمله أصلًا.
فالبطل في خيالنا لا يتعب، ولا يشتكي، ولا يمرض، ولا يحتاج إلى النوم.
أما الممارس الصحي فهو إنسان.
له أسرة، وجسد، وحياة، وقدرة محدودة على الاحتمال.
ولهذا فإن النظام الصحي الجيد لا يحتاج إلى أبطال خارقين كي يستمر.
إنه يحتاج إلى بيئة تجعل الإنسان الطبيعي قادراً على تقديم عمل استثنائي دون أن يدمر نفسه.
وهنا يأتي الحديث عن جداول عادلة، وعدد مرضى معقول، ومسارات مهنية واضحة، وتقنية تقلل العبء، ووقت كاف مع المريض، وقيادات تسمع، وشعور حقيقي بأن الخبرة لها قيمة.
فهناك مفارقة قاسية تقع فيها بعض المؤسسات وربما شهدتموها:
تقضي المؤسسة سنوات طويلة في صناعة الخبرة، ثم تنظر إلى صاحبها بعد ذلك باعتباره شخصًا مرتفع التكلفة يمكن استبداله بمن هو أصغر سنًا وأقل تكلفة.
وفي الوقت نفسه تنسى أن الخبرة التي تريد الاستغناء عنها هي نفسها التي جعلت المؤسسة أكثر أمانًا.
ولهذا عندما يغادر طبيب أو ممرض خبير،علينا أن نسأل كل هذا:
كم سنة خبرة خرجت من الباب؟
وكم ممارسًا أصغر سنًا كان يتعلم منه؟
وكم ذاكرة مؤسسية فقدناها؟
وكم سيستغرق النظام حتى يصنع شخصًا آخر بالمستوى نفسه؟
فالعدد يمكن تعويضه.
أما النضج المهني فيحتاج سنوات.
وفي تلك الليلة الباردة في تورنتو، لم أكن أفكر في شيء من هذا.
كنت أبًا سعيدًا لأن شخصًا ماهرًا استطاع أن ينهي معاناة طفلتي بسرعة.
لكن بعد سنوات أصبحت القصة تحمل عندي معنى آخر.
رجل تعلم في الدوادمي.
تراكمت خبرته هناك.
ثم حملها معه آلاف الكيلومترات.
وفي مستشفى بعيد، وفي ليلة لا يعرفها أحد، استفاد طفل سعودي من خبرة صُنعت في مستشفى سعودي صغير في حجمه، كبير في عطائه.
وهكذا تعمل حركة البشر بطريقة عجيبة.
المعرفة تسافر.
والخبرة تسافر.
والأيدي السحرية تسافر.
والأنظمة الصحية حول العالم تواجه اليوم أسئلة لم يعد من السهل تأجيلها:
كيف نبني مكانًا يجعل أصحاب الخبرة يرغبون في البقاء؟
كيف نجعل الطبيب الشاب يرى مستقبله داخل النظام؟
كيف نجعل الممرضة بعد عشرين عامًا من الخدمة أكثر رغبة في الاستمرار؟
كيف نحافظ على الأخصائي الذي أنفقنا سنوات في تدريبه؟
وكيف يستطيع الإنسان أن ينمو مهنيًا دون أن يكون ثمن هذا النمو أن يخسر نفسه؟
وفي ظني أن الدول التي ستنجح في الرعاية الصحية خلال العقود القادمة لن تكون بالضرورة التي تبني أكبر عدد من المستشفيات، ولا التي تشتري أحدث الأجهزة، ولا حتى التي تخرج أكبر عدد من الممارسين.
ستكون الدول التي تفهم شيئًا أبسط وأعمق:
أن البنية التحتية الحقيقية للنظام الصحي هي الإنسان الذي يعمل داخله.
وأن هذا الإنسان يحمل معه عقداً نفسياً غير مكتوب.
وكل يوم عمل إما أن يقويه أو يضعفه.
و كل مدير، وكل مناوبة، وكل قرار إداري، وكل موقف يشعر فيه الممارس بالتقدير أو الإهمال، يضيف سطرًا جديدًا إلى ذلك العقد.
حتى يأتي يوم يقرر فيه الإنسان بصمت:
سأبقى… أم سأرحل؟
ولذلك فإن العالم لن يستيقظ يومًا ليكتشف فجأة أنه فقد أطباءه وممرضيه وممارسيه الصحيين.
فلقد خسر شيئاً قبل ذلك بوقت طويل…
خسر عقده النفسي معهم
ومن يستطيع إعادة بناء هذا العقد لن يحتفظ بموظفيه فقط.
سيحتفظ بالخبرة، والذاكرة المهنية، والرحمة، والثقة، والمعنى.
وسيحتفظ قبل ذلك كله…
بالأيدي السحرية...
والله من وراء القصد،
من أكثر التصورات إشكالاً في العلاج النفسي هو اعتقاد بعض المعالجين أن "المهنية"، تعني إبعاد الدين عن غرفة العلاج وهذا فهم قاصر للمهنية. فالمعالج لا يحدد للمراجع ما الذي ينبغي أن يكون مهماً في حياته، بل يتعاون معه في تحديد أهدافه، وهذه الأهداف قد تكون نفسية، أو أسرية، أو أخلاقية، أو دينية.
#مقال_الجمعة#فهم_النفس
(العقل المتعفن... هل نحن أمام ظاهرة نفسية جديدة؟)
في نهاية عام 2024، اختارت Oxford University Press مصطلح Brain Rot (العقل المتعفن) كلمة العام، بعد تصويت عالمي واسع، ليصبح عنوانًا لواحدة من أكثر الظواهر التي تشغل المجتمعات في العصر الرقمي....
للوهلة الأولى قد يبدو المصطلح مجرد تعبير إعلامي، أو ما يسمى في الأوساط العلمية بـ Pop Psychology؛ وهي مصطلحات شعبية تنتشر قبل أن يحسمها البحث العلمي.... لكن انتشار هذا الوصف بهذا الحجم يطرح سؤالًا يستحق التوقف عنده!!
فحين يضطر المجتمع إلى ابتكار مصطلح جديد، ثم يعترف به معجم لغوي مرموق، فهذا لا يعني أننا اكتشفنا مرضًا جديدًا، لكنه بك تأكيد يعني أن هناك ظاهرة يلاحظها الناس جميعًا وتستحق تفسيرًا علميًا...
ومن هنا يبدأ دور العلم...
ليس لإثبات وجود "العقل المتعفن" أو نفيه، وإنما لفهم ما الذي يحدث فعلًا داخل الدماغ عندما يقضي الإنسان ساعات طويلة في التنقل بين المقاطع القصيرة، والإشعارات، والأخبار، ومنصات التواصل الاجتماعي....
فالسؤال الأول هنا هل نحن أمام مرض جديد؟
الإجابة حتى اليوم هي: لا!!
فلا يوجد اضطراب نفسي أو عصبي يحمل هذا الاسم، لكنه وصف مجازي لظاهرة بدأت الأدلة العلمية تكشف كثيرًا من آلياتها... فالدراسات الحديثة تشير إلى أن التعرض المكثف والمزمن للمحتوى الرقمي السريع يرتبط بتغيرات ��ابلة للقياس في الانتباه، والذاكرة العاملة، والوظائف التنفيذية، ونظام المكافأة في الدماغ!!!
اذن السؤال الثاني: لماذا يحدث هذا؟
لفهم ذلك، علينا أن نتذكر أن الدماغ البشري لم يتطور في بيئة تشبه عالمنا اليوم... فعلى امتداد آلاف السنين، كان الإنسان يتعامل مع عدد محدود من المثيرات، ويؤدي مهامًا واضحة تستمر لفترات طويلة بدون مشتتات... فكان الطبيعي أن الانسان يقضي عمره كله في مهنة محددة راعياً أو فلاحاً أو حداداً ..... أما اليوم، فإن الدماغ ينتقل خلال ساعة واحدة بين عشرات الإشعارات، ومئات المقاطع، والرسائل، والبريد الإلكتروني، والاجتماعات، ، عمل/طلبات اللجان، والأخبار، في سباق لا يكاد يتوقف...
وفي علم النفس المعرفي يعرف الثمن الذي ندفعه عند الانتقال من مهمة إلى أخرى بأسم تكلفة تبديل الانتباه (Attention Switching Cost)... لذلك قد تبدو تكلفة الانتقال من مهمة إلى أخرى ضئيلة في كل مرة، لكنها عندما تتكرر مئات المرات يوميًا تتحول إلى عبء معرفي حقيقي... ومع مرور الوقت يرتفع الحمل المعرفي (Cognitive Load) بشكل كبير، فتضعف كفاءة ال��اكرة العاملة (Workin Memory)، ويصبح الحفاظ على التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة!!!
وحتى نفهم هذا... تخيل جهازًا يمتلك قدرة محددة على المعالجة، ثم فتحت عليه عشرات البرامج، وفي كل برنامج عشرات النوافذ، ثم طلبت منه تشغيل مهمة جديدة. هل سيعمل بالكفاءة نفسها؟
الإجابة يعرفها الجميع..... أدمغتنا لا تختلف كثيرًا، إلا أنها أكثر تعقيدًا...
ورغم ذلك، ما زلنا نفاخر بقدرتنا على "تعدد المهام" بل و نطالب بمن نوظف أن يملك هذه المهارة!!! بينما تؤكد الأبحاث أن الإنسان (لا يؤدي عدة مهام في الوقت نفسه).... لنجرب الان، قم بهذه العمليتين في نفس الوقت (١+٣ و ٣-٣)، هل استطعت؟ بالتاكيد لا!!!
اذن ماذا حدث، العقل البشري فقط يستطيع أن ينتقل بسرعة بين هذه العمليات الذهنية.. و لكنه مع الوقت و كثرة الانتقال بين المثيرات/العمليات سيدفع ثمن هذا الانتقال بانخفاض الدقة، والإنتاجية، وجودة التفكير...
وربما لهذا السبب نشهد اليوم ارتفاعًا ملحوظًا في الشكوى من الإرهاق الذهني، النسيان، عدم ال��ركيز والاحتراق الوظيفي، والقلق، واضطرابات النوم، بل وحتى الاكتئاب... و بالتأكيد ليس من الدقة العلمية أن ننسب هذه الاضطرابات إلى التقنية وحدها، لكنها قد تمثل أحد العوامل البيئية المهمة التي تسهم في تفاقمها لدى كثير من الأشخاص...
لكن القصة لا تتعلق بالانتباه وحده.... بل تتعلق أيضًا بطريقة تصميم هذه المنصات!!
فالدوبامين ليس "هرمون السعادة" كما يشاع، بل هو الناقل العصبي المسؤول عن توقع المكافأة والسعي إليها... وقد بُنيت معظم منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية على أحد أشهر مبادئ علم النفس السلوكي، وهو المكافآت المتقطعة غير المتوقعة (Variable Ratio Reinforcement)؛ ��هو المبدأ نفسه الذي يجعل آلات القمار شديدة الجاذبية مسببةً الإدمان... لذلك المنصة الرقمية صاحبة الخوارزمية التي تفعل هذا المبدأ هي التي تكسب أكثر...لأن خوارزميتها نجحت في إبقائك لأطول مدة ممكنة …
ولذلك لا تستغرب أن شركة ماكنزي للاستشارات طوّرت في عام 2025 ما سمّته معادلة الانتباه (The Attention Equation)، وأرفقتها بحاسبة تفاعلية لتقدير القيمة الاقتصادية لانتباه المستهلك عبر الوسائط المختلفة.... فهي أداة تحاول تقدير قيمة الوقت والانتباه اللذين يمنحهما الإنسان لمنصة أو محتوى معين، ومن ثم تقدير قيمة الإعلان، وحجم التأثير، والقدرة على توجيه قراراته وسلوكه.... فالسوق اليوم لا يريد وقتك فقط، بل يريد أن يعرف: كم كان عقلك حاضرًا خلال هذا الوقت؟ وكم يساوي هذا الحضور؟
لذلك فالمنصات/التطبيقات تتنافس في أن تجعلك في ترقب/اتصال دائم... فلا تعلم متى ستصل الرسالة المهمة، أو يظهر المقطع المثير، أو يأتي الإعجاب التالي، ولذلك تستمر في السحب إلى أعلى أو أسفل الشاشة بلا نهاية...فمر��ً تجد شيئًا ممتعًا، ومرات عديدة لا تجد شيئًا، لكن احتمال ظهور المكافأة في أي لحظة يدفعك إلى الاستمرار..... ومع الوقت ترتفع عتبة الإثارة لديك، فلا يعود المحتوى العادي قادرًا على جذب الانتباه و لا التواصل/التفاعل الاجتماعي الطبيعي مع من حولك مُشبع مقارنة مع هذه المثيرات فيبدأ الدماغ في البحث عن مزيد من السرعة، ومزيد من التنوع، ومزيد من المكافآت الفورية منخفضة الكلفة المعرفية للحصول على هذا الدوبامين الرخيص و بالتالي الاشباع اللحظي وزيادة التعلق بهذه المنصات...
لكن هذه الظاهرة لا تصيب الجميع بالدرجة نفسها.... فالدماغ في مرحلة الطفولة والمراهقة لا يزال في طور البناء، ولا سيما المناطق المسؤولة عن التحكم في الانتباه، وكبح الاندفاع، واتخاذ القرار....ولهذا يُعد الأطفال والمراهقون أكثر عرضة للتأثر... وتزداد القابلية لدى المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، الذي تشير الدراسات الوبائية إلى أنه يصيب نحو 5 إلى 7% من الأطفال والمراهقين، ويستمر لدى نسبة من البالغين كما أنه الاضطراب النفسي الثاني بالترتيب في مجتمعنا السعودي حسب دراسة المسح الوطني!! ناهيك عن أن هناك شريحة أوسع تعاني ضعفًا في الانتباه أو الوظائف التنفيذية دون أن تستوفي معايير التشخيص، وهي أيضًا أكثر قابلية للتأثر بهذا النمط من هذه البيئة الرقمية السامة...
لكن من الخطأ الاعتقاد أن بقية الناس في مأمن!!!
فالدماغ يعمل وفق مبدأ اللدونة العصبية (Neuroplasticity)، أي أنه يعيد تشكيل شبكاته العصبية باستمرار وفقًا لما نكرره كل يوم... و بعبارة أخرى (الدماغ يتدرب على ما نطلبه منه)... فإذا دربناه على القفز المستمر بين المثيرات، أصبح أكثر مهارة في ذلك، و لكنه سيفقد تدريجيًا قدرته على البقاء مع فكرة واحدة لفترة طويلة.... وهنا يظهر مفهوم آخر بالغ الأهمية في علم الأعصاب، وهو الاحتياطي المعرفي (Cognitive Reserve).
فالقراءة، والتعلم، والتأمل، والنقاش، وحل المشكلات، والكتابة، كلها تبني رصيدًا معرفيًا يجعل الدماغ أكثر قدرة على مقاومة الضغوط والتغيرات... لكن هذا الاحتياطي ليس حصانة مطلقة.... فحتى أصحاب القدرات العقلية العالية قد يلاحظون مع مرو�� الوقت أنهم أصبحوا يجدون صعوبة في إنهاء كتاب، أو متابعة محاضرة طويلة، أو قراءة بحث علمي، أو حتى الجلوس مع فكرة واحدة دون مقاطعة...و كأنهم مع الوقت فقدوا ما يمكن أن نسميه (اللياقة العصبية) ....
ويفسر ذلك أحد أشهر مبادئ علم الأعصاب قانون هيب (Hebbian theory) الذي صاغه عالم النفس الكندي بقوله:
"الخلايا العصبية التي تنشط معًا، تتصل معًا."
أ�� أن الشبكات العصبية التي نستخدمها باستمرار تصبح أكثر قوة وكفاءة، بينما تبدأ الشبكات التي نهملها تبدأ بالتراجع....
فما نستخدمه يقوى… وما نهمله يضعف...
فالانتباه العميق مهارة....
والقراءة الطويلة مهارة....
والصبر على الأفكار المعقدة مهارة....
والقدرة على احتمال الملل مهارة....
وكل مهارة لا نستخدمها بانتظام قد تضعف، كما تضعف العضلات عند إهمالها...
فكلنا يعرف أن الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، لكن التأمل فيها أصبح أصعب!!... وأصبح الإنسان يعرف عن أشياء كثيرة معلومات قليلة، لكنه يجد صعوبة في التعمق في أي شيء!!.... أصبحنا نمر على آلاف الأفكار، دون أن تسكن فينا ��كرة واحدة!!.... ونشاهد مئات القصص، دون أن نعيش تجربة كاملة!!.... ونستهلك كمًّا هائلًا من المعلومات، لكن جزءًا قليلًا منها يتحول إلى معرفة، وللأسف أقل منه يتحول إلى حكمة!!!... و كأن ما أصابنا ما أود تسميته (ضمور العمق) و لنعرّفه معاً بأنه حالة من تراجع القدرة على التركيز المتصل، والتأمل، وربط الأفكار، وتحمل التعقيد...
ولهذا فالمشكلة الحقيقية ليست ضعف الذاكرة او النسيان التي يشتكي منها الكثير، وإنما ما يمكن أن نسميه (ضمور العمق) نتيجة ل (ضعف اللياقة عصبية) سببها انخفاض (الاحتياطي المعرفي) نتيجة للاستهلاك المزمن و الزائد ل(الحمل المعرفي)...
ولعل من المطمئن أن هذه القضية لم تعد محصورة في النقاشات العلمية و الأبحاث، بل بدأت تتحول إلى سياسات عامة... فقد أقرت أستراليا تشريعًا يمنع من هم دون السادسة عشرة من استخدام منصات التواصل الاجتماعي، في واحدة من أكثر الخطوات جرأة لحماية الأطفال من آثار البيئة الرقمية، كما تناقش المملكة المتحدة ودول أخرى تشريعات مشابهة، إلى جانب مراجعة علمية للعلاقة بين الألعاب الإلكترونية، ومنصات التواصل، و اثرها على صحة الأطفال النفسية والمعرفية....
هذه التشريعات لا تعني أن العلم حسم جميع الأسئلة، لكنها تعكس تحولًا مهمًا.
فلم يعد السؤال اليوم: هل تؤثر البيئة الرقمية في أدمغتنا؟
بل أصبح:
إلى أي مدى تؤثر؟ وكيف نحمي بشكل خاص الدماغ النامي من بيئة صُممت أساسًا لاختطاف انتباهه؟
وربما بعد سنوات سيمنحنا العلم اسمًا أدق لهذه الظاهرة، ويشرح تفاصيلها العصبية والبيولوجية كما فعل مع كثير من الظواهر التي بدأت أوصافًا اجتماعية قبل أن تصبح حقائق علمية....لكن ��لى أن يحدث ذلك، فإن الحكمة تقتضي أن نبني قراراتنا على أفضل الأدلة المتاحة، لا أن ننتظر اليقين الكامل.... خصوصاً و أننا نحمل على عاتقنا مسؤلية مستقبلنا الحقيقي (أبناءنا و بناتنا)...
أما نحن كأسرة، فقد اتخذنا قرارًا قبل ١٠ سنوات قد يراه البعض متشددًا، لكنه بالنسبة لنا قرار وقائي ضروري...
لن يحصل أيٌ من أبنائنا على هاتف ذكي قبل المرحلة الثانوية و لن يكون له حساب في منصات التواصل الإجتماعي كذلك...
ليس لأننا نريد أن نحرمهم من التقنية، بل لأننا نريد أن نمنح أدمغتهم الصغيرة الفرصة لتنمو كما ينبغي، قبل أن تدخل في منافسة يومية شرسة مع خوارزميات صُممت على يد أفضل علماء السلوك في العالم من أجل هدف واحد... أن تنتزع أكبر قدر ممكن من انتباههم ليباع على شكل تأثير و إعلانات..
فلا فائدة من معركة تعويضات تُخاض بعد وقوع الضرر، وبعض أعظم صور التربية هي أن نحمي أبناءنا من أخطار لم يدركوا وجودها بعد...
والله من وراء القصد،
انتشر فيديو ��ن أطباء نفسيين يقولون أنهم لم يساعدوا أحدًا على الشفاء!
هذا الفيديو المنتشر تم إخراجه من سياقه تمامًا، واستخدامه لإيهام الناس بأنه لا يوجد (علاج نفسي)!
والحقيقة أن الأمر يختلف عن ذلك تمامًا، ولكن باختصار مخل، واختزال يستوجب استطرادًا فيما بعد نقول القواعد التالية ليسهل علينا فهم الأمر:
١- مفهوم الشفاء cure في الطب ينطلق أصلًا من (معيار للصحة) متعارف عليه ومتفق عليه في معظم مساحات الاختصاصات الطبية، والتنويعات الطبيعية في (الميكنة الجسدية) ليست واسعة بالقدر الذي يمنع الاتفاق على معيارية محددة للصحة، مثلًا: سرعة توصيل الشحنات الكهربية في الأعصاب، ومستويات الهرمونات، وخلافه
وبالتالي يسهل علينا تحديد ما هو غير معياري = مرضي
وبالتالي يسهل كذلك وضع هدف محدد لإعادة الشيء الذي حاد عن المعيارية نحو (الطبيعي) والذي سنعرف من خلاله (الشفاء)
أما حين نتحدث عن (نفوس وعقول البشر) سنجد أنفسنا أمام معضلة عميقة وهي تحديد المعيارية، فما هو الطبيعي فيما يتعلق بالمشاعر، والفكر، والسلوك، والسمات، هل يمكننا تحديده؛ وأي محكات نستخدم: اجتماعية أم إحصائية أم وظيفية أم أخلاقية وقيمية!!
سنجد أن أزمة (المعياري) = (السوي) = (الطبيعي) هي أزمة فلسفية ومنهجية عميقة
وبالتالي إذا لم نستطع تعريف المعياري، فكيف يمكننا أن نصيغ مفهوم الشفاء cure هنا!
لذا يميل الطب / العلاج النفسي إلى استنامة مفهوم مغاير تجوزًا وهو مفهوم (الوظيفية)؛ أي أن المعيارية ستكون نسبية تتعلق بالشخص نفسه وقدرته على العمل والعلاقات، تستلهم الشكل الإحصائي والمتوسط البشري في المساحة المنوطة بالعمل عليها
لذا نجد مفهوم جديد ربما يدخل لحيز الطب النفسي ويندر استخدامه فيما سواه من اختصاصات وهو مفهوم (التعافي) recovery
والذي يعني مزيج من (عودة الشخص لوظائفيته الفاعلة (العمل والعلاقات) قبل الاصابة، واقعًا تحت المتوسط الإحصائي للبشر في ظروفه وسياقاته الثقافية والاجتماعية)
٢- المرض في الطب يصيب عضو يشعر الشخص بامتلاكه له، ومن ثم نوع من انفصال ذاته عنه، بمعنى أن مريض الفشل الكلوي يدرك (كليته المعطوبة) كموضوع يمتلكه داخل جسده يصيبه العطب ولكن بشكل منفصل عن الذات وإن تأثرت بها فيقول (فشل بكليتي، مرض بقلبي، انسداد بشرايييني) ولكنه لا يعرف نفسه ��ن خلال المرض فلا تجده يقول (أنا فاشل أو مسدود!)
لكن المرض النفسي يصيب عصب الشخصية، تنال أعراضه من جوهر الذات، فالقلق لا يصيب عضوًا يشعر المرء تجاه بحالة الملكية والانفصال بل حالة من التماهي والاتصال (فهو يصيب عقله ووجدانه) وبالتالي يقول (قلق، مكتئب، موسوس، خائف، فوضوي، متعثر في الإلتزام، مُسوِّف) وهكذا
ولأن كل الاضطرابات النفسية تضرب بجذورها في الحياة الوجدانيةالطبيعية، فلا انفكاك عن القلق أو الخوف أو الحزن وغيرها، فإن حالة التعافي تلك كثيرًا ما تتعلق بنزع المساحة المؤرقة والمزعجة للشخص وإعادته للألم العادي وثيق الصلة بالوجود الإنساني والكدر اليومي الذ�� لا يمكن أن يخلو منه أحد
فمريض القلب لا يتمثل شفائه المعياري في معدل أقل للنغرات والنوبات بل في غيابها حتى لا يعود يستشعر نبضات قلبه، ومريض ضيق التنفس لا نمنحه انسدادًا أخف بل نحن نرفع الانسداد بالكلية حتى لا يعود ينتبه لأنفاسه!
فماذا عن مريض القلق، هل يمكن ألا يشعر السوي بالقلق نهائيا؟ بالطب�� لا، مرحبا بك في الحياة!
وبالتالي لا يمكن أن ينطبق مفهوم الشفاء هنا، فالكدر والألم وثيق الصلة بوجود الإنسان في العالم
ولكننا نساعده في التحرر من المعاناة المعيقة لحركته
أي من المعاناة العصابية نحو الالم المعتاد!
وبالتالي إن استخدمنا صورة الشفاء الطبية المعيارية فلا وجود للشفاء
أما إن فصلنا نموذج شفاء خاص بسياقات (النفس) التي هي مناط العمل هنا، فنقول أن التعافي مطروح وموجود بمعنى رد الإنسان للكدر اليومي دون المعاناة العصابية
وكما نقول (الألم حتمي ولا انفكاك عنه، أما المعاناة فهي المشكلة !)
(تابع الثريد للمزيد ١/٢) 👇
أعتقد عقلية طالب الطب أو الطبيب المقيم تمثل سبب أساسي في هشاشته النفسية.
أغلبنا ، يقضي يومه إما ( شايل هم إنه بيذاكر ، ولو ذاكر يضيق صدره ، ولو ما ذاكر يحسب بتأنيب الضمير ).
أعتقد لازم نطور وسائل دفاعية تعطينا مرونة أكثر.
لأنه من المتعب يكون عقلك ضدك ، يكفيك ما أنت فيه
لما أكون أغطي عيادة فاميلي، أيام كثير على نهاية الدوام ومع الحالات الطويلة أحيانًا والوقت المحدود استشعر أن الضغط على طبيب الأسرة عالي في أغلب الأحيان وأبدًا ماهو تخصص مريح مثل ماهو معروف عنه ولكن روتينه ثابت أكثر من التخصصات الثانية،
واستشعر أن غالبًا صعب التخصصات الثانية تتحمل تشوف هذا العدد من المرضى بيوم واحد، وكل يوم..
وأول ما أغطي بتخصص ثاني فيه مناوبات ٢٤ ساعة، استشعر أن صحيح في بعض التخصصات خلال الأيام الروتينية يكون ضغط العمل فيها أقل، ولكن من��وبة الـ ٢٤ ساعة مهلكة، ومو أي شخص يقدر يتحملها..
وبعدين أغطي بتخصص قد يكون ضغط العمل فيه أقل من المثالين السابقين، ولكن الحالات مُعقدة ومُتعبة نفسيًا ومو أي شخص يقدر يتحمل ضغطها..
واستشعر كيف كلٌ مُيّسر لما خُلق له..
كل شخص عنده القدرة على التكيّف على نوع مختلف من الضغوط والتعايش معاها.. إضافةً إلى اهتمامه بجانب مُعيّن وهذا اللي يحدد اختياراتنا..
ولكن الحقيقة الوحيدة الثابتة خلال مروري على التخصصات..
أن كل تخصص بالمجال الطبي مُهم، ومافيه أي تخصص أهميته تقل عن التخصص الآخر..
فيه تخصص أهميته تُعادل ٠٪ عند مريض، لأنه ما احتاجه في حياته؛ ولكنه التخصص الأهم في حياة مريض ثاني لأن مرضه محتاج هذا التخصص، وأحيانًا حياته كلها بعد الله ينقذها أو يساعد في تحسينها طبيب من هذا التخصص فقط..
وفيه تخصصات مُهمة بنسبة ٧٠٪ "فرضًا" ولكنها تخدم فئة كبيرة جدًا من المجتمع تصل إلى ١٠٠٪ من المجتمع..
وتخصصات مُهمة بنسبة ١٠٠٪ ولكن لفئة مُعينة من الناس، مو كل الناس بتحتاجها في حياتها. ولكن للفئة اللي محتاجتها، فهي الأهم.
ما أتخيّل بحياتي ممكن أقلل من أهمية زملائي من تخصص آخر، ولا أتخيل أن فيه تخصص ممكن ي��طي شغل تخصص آخر بشكل كامل..
كل التخصصات مُهمة، ولكن لكل شخص اهتمام مُختلف، وقدرة مُختلفة على التأقلم مع أنواع مختلفة من الضغوط وبيئات العمل.
الانتباه (Attention) والتركيز (Concentration)
وظائف ذهنية تختلط معانيها أو تترادف عند أكثر الناس وكثير من المختصين. أود هنا التفريق بين الأمرين.
اصطلاحاً: الانتباه يحدث تلقائياً بدون إرادة مَوْعِيّة مسبقة أو جهد ذهني، وهو دخول المؤثرات الحسية في نطاق الوعي. وبإمكان العقل حجب الانتباه عن أمور يحددها أو إعادة توجيهه بعيداً عنها، ويحدث ذلك لامَوعيّاً.
عندما ندرك مؤثراً جديداً في بيئتنا فقد "انتبهنا" له. والانتباه وظيفة أساسية في الدماغ وغيابها يدل على فشل في عمل الدماغ. لكن استمرار الانتباه (وليس غيابه) على مؤثر أو مجموعة من المؤثرات المتعلقة بعضه�� ببعض أو مصدر للمؤثرات مهارة تختلف قدرات الناس فيها. فمنهم من يمكنه الاستمرار في الانتباه فترة طويلة ومنهم من لا يمكنه ذلك أكثر من ثوانٍ معدودة وكل ما بين الطرفين ينطبق على بعض الناس. وللعقل لدى كثير منا حيلة تساهم في "تبرير" عدم استمرار الانتباه: إنتاج شعور الملل. في واقع الأمر كل ما يظن بعض الناس أنه ممل، ستجد من لا يظنه مملاً، ولم يختلف هؤلاء سوى في مدة استمرار الانتباه.
��ينما التركيز وظيفة تتطلب إرادة مَوْعية مسبقة وجهداً ذهنياً مبذولاً وذلك لتحديد ما يدخل نطاق الوعي من خلال الانتباه وتوجيه الذهن لحجب الانتباه عما سوى المقصود بالتركيز. ولأن التركيز لا يحدث تلقائياً، فهو مرهق لصاحبه إن استمر طويلاً. وبإمكان التركيز منع الانتباه لمؤثرات كثيرة محيطة بمن يركّز. وعلى الرغم من كونه معتمداً على إدارة ذهنية لوظيفة الانتباه، إلا أن له أثر مختلف على باقي الوظائف الذهنية. فهو مهمٌّ كخطوة من الخطوات التي يتطلبها إرساء الذاكرة قصيرة الأمد في نطاق الذاكرة طويلة الأمد وبخاصة فيما يتعلق بأحداث أو أمور "معلوماتية" غير مثيرة للمشاعر بشكل قوي.
هذه الاختلافات ينشأ عن وجودها اختلافات في الاضطرابات التي تؤثر على هذه الوظائف…
فالاضطرابات المؤثرة في الانتباه تُضْعِف التركيز بالضرورة، وليس العكس. وقد يظن المرء بأن مشكلته في التركيز سببها قصر مدة الانتباه، بينما لا خلاف على الانتباه لديه، ويحدث ذلك في اضطرابات مثل الاكتئاب مثلاً.
عدم القدرة على الانتباه يحدث في اضطرابات شديدة تؤدي لفشل الدماغ وتظهر على شاكلة اضطراب الهذيان (Delirium). لكن قصور الانتباه (��صر مدة استمراره) قد يكون اضطراباً نمائياً مثل تشتت الانتباه وفرط الحركة (ADHD). مدة استمرار الانتباه تطول تدريجياً أثناء النمو في سنوات الحياة الأولى، ولكن يحدث ذلك ببطء أكبر لدى كثير من ذوي الاضطرابات النمائية. ولضعف الانتباه تأثير على قابلية التعلم، وبخاصة ما نتعلمه تلقائياً وبدون جهد. وقد يستطيع ذو تشتت الانتباه بذل جهد عظيم لإنتاج شيء من التركيز لسد شيء من الفجوة الناتجة عن قصور الانتباه، ولكن الاستمرارية في ذلك صعبة جداً.
في المقابل فإن ضعف التركيز قد يؤدي لضعف في الذاكرة حتى ولو لم يكن لدى المرء اضطراب مؤثر في الذاكرة بشكلٍ مباشر. لذلك قد يؤدي الاكتئاب لدى المسنين لظهور أعراض ضعف في الذاكرة قصيرة الأمد تثير الشك في وجود اضطراب عصبي معرفي (أو ما كان يُسمى بالخرف Dementia).
هذه الفروق، على الرغم من أهميتها، دقيقة والخلط بين الوظيفتين أمر أحببت أن يقِلّ وبخاصة بين المختصين والمتدربين في مجالات الصحة النفسية.
“لذا فإن التتبع السببي الهادف لتوجيه اللوم لا نهاية له ولا جدوى. بل من النتائج المرجوة من العلاج النفسي طويل الأمد أن تصل الخاضعة للعلاج لدرجة من التراحم والتصالح مع علاقات الأبوين المستدخلة في شخصيتها نتيجة لاستشعارها واستبصارها بتشابه منشأ خبراتها بمنشأ خبراتهما.”
و لفهم مفهوم الاستدخال بشكل أفضل أنصح بقراءة مقالة "والداي هم السبب" للدكتور ياسر الدباغ.
https://t.co/6vvMfzG9Pd
بالإضافة لبودكاست لين الحلقة الثانية عشر.
@podcastLeen@yasseraddabbagh
الخِزي الأولي يتطلب مُشاهد.
اُخزينا من قبل شخص آخرَ (رآنا وجعلنا نشعر بالخِزي)
الخِزي المحمول في حياتنا لاحقاً لا يحتاج لمُشاهد (لأن المُشاهد اُسْتدخل فينا)
نستطيع حل ذلك الخِ��ي بتعلم كيف نشاهد أنفسنا من جديد:
(بشكل مختلف)
@DrAaronB
Original shame requires a witness.
We were shamed by another - seen by them and made to feel ashamed.
The shame we carry later in life needs no witness - because the witness has been internalised.
We resolve that shame by learning to witness ourselves anew: differently.
" المنزلة الإنسانية منزلة غير جديرةٍ بالإعجاب على نحو خاص ، نحن مفترسون بشكل ما أو آخر وأيضاً ضحايا ، إذا لم تكتشف شرّك و قبحك وعجزك وحدودك ، فلن تكون غير مُخزٍ لمريضك. "
Nancy McWilliams
“The human condition is not a particularly admirable condition & we’re all predators in one form or another as well as prey and if you aren't open to… your own evil, ugliness, deficits, limitation, you’re not going to be able to be non-shaming to your patient"
—Nancy McWilliams
There is little that gives children greater pleasure than when a grown-up lets himself down to their level, renounces his oppressive superiority and plays with them as an equal.
Sigmund Freud
#children#pleasure#equals
استعمال مفردات مثل "مريض نفسي" و "تحتاج علاج"لسباب المخالف و تعييره دليل واضح على تجذر وصمة المرض النفسي في مجتمعاتنا. بحثت عن (مريض نفسي) في تويتر العربي و آلمني ما رأيت👎🏼.هلا راعينا مشاعر المرضى وأسرهم و انتهينا عن تعيير المبتلين بمرضهم؟ تأمل الصورة ⬇️
أحد الوصايا الجالبة للسعادة والرضا هي قول أبي القاسم عليه الصلاة والسلام:
"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله"
ولعمري أنها لحكمة من جوامع الكلم، فالله خلق الناس متفاوتين في القوت والمال والعلم والصحة والجمال…"نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات" لذا كان لكل أحدٍ -ولا بد- مَن هو فوقه في أحد هذه الأمور أو كلها، فحتى الغني بالمال سيجد مَن هو فوقه علمًا أو صحةً أو جمالا، وك��ير من الناس أهلكه "مدّ عينيه" إلى حال من هم أفضل منه، فهذا منبعٌ صافٍ للحسد،
وقد ميّز أبو محمد بن حزم بين ما ينبغي لنا النظر فيه إلى الأدنى وما ننظر فيه إلى الأعلى، ملتقطا الوصية النبوية فقال:
"انظر في المال والحال والصحة إلى من دونك، وانظر في الدين والعلم والفضائل إلى من فوقك"
وأظن أن هذه الوصايا الشريفة من أكثر ما نحتاجه اليوم خاصةً وقد صارت برامج التواصل الاجتماعي تتأسس على (الاستعراض والنظر) أو قل (الفرجة) كما يقول علماء الاجتماع، هناك مَن يثبت ذاته بالاستعراض، وهناك مَن يبحث عن ذاته بالتفرّج والنظر، وفي القران العظيم:
"ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى"
النظر المفرط بلا حدود ولا آداب له عواقب وخيمة ليس أقلها الحسد وفقدان الرضا والقناعة الذي يفضي إلى الحزن والنكد ويبعث على السعي المحموم للحصول السريع على المال بغض النظر عن القيم والاخلاق والحلال والحرام.
في حين أن إش��عة نماذج العلم النافع والعمل الصالح والتخلّق بمكارم الأخلاق مثل البر والأمانة والنزاهة والمروءة والحياء والعطاء المحمود والتعاون ومساعدة المحتاجين هي التي تصنع النماذج والقدوات التي يَحسن الإتسّاء بها ومتابعتها في سلوكها.
هذه الوصية النبوية تبني إنسانا سويا في نفسيته، ومجتمعًا صحيّا في علاقاته وتعامله.
أهمية الطفولة:
•تنشأ 50% من الاضطرابات النفسية قبل سن 15 سنة و75% قبل سن 24 سنة
•المحن التي يتعرض لها الفرد في طفولته (ACEs) هي أهم العوامل المحددة لكل مؤشرات الصحة ومعدل العمر
•الدراسة 👇نسبت من 21% إلى 41% من الاضطرابات النفسية في استراليا إلى إيذاء/إهمال الطفل
" إن سألتموني عن الحب "الحقيقي" ، فهو ما نراه في تلك المرحلة الأخيرة "
الحب الحقيقي شجرة معمرة ذات ساق وجذع ممدود ولها فروع وأغصان مليئة بالثمار و«الشوك».
وحتى تصل الشجرة لهذه المرحلة تحتاج عناية فائقة ومستمرة ، ويجب أن تتخطى عواصف ومواسم قحط ، وبصمودها ستغدو ظل وغذاء لأهلها.
أعتقد أن هذا ضد التعافي تماما، تمثلات من نحب داخلنا وستبقى جزءا منا مابقينا، لان��بر النهر مرتين بذات الخلايا، يصهرنا من نحب ونصهرهم ونعيد تخليق بعضنا، التعافي هو التسليم بأنها انتهت، ورثاؤها كما يليق بها، أزعم أن الاكتئابات المدفونة هي أحزان غير مرثية، نتقافز فوقها وهي ثقوب سوداء تمتص سلامنا، موقف السلام في الحياة هو التسليم بعبور الحلو والمر، بالنهايات الحتمية وإعادة صياغة الواقع الجديد ومحافله وحفلاته، يقين بالزوال مع شره كافي للاستمتاع باللحظة.