الخطيب الذي يجعل نصب عينيه مراد الله من الخطبة: تهون عليه في إعدادها والقائها، والذي يجعل نصب عينيه إرضاء الناس: سيتعب في إعدادها والقائها، ويتعب نفسياً في تتبع ثناء الناس عليها بعدها...
في السير للذهبي: قال أبو حاتم الرازي: إذارأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض ابن معين، فاعلم أنه كذاب. قلتُ:وهكذا في كل زمان ومكان أعلام من أهل العلم جعلهم الله رمزا لتحديد المسارات.(وأحمد وابن معين لا علاقة لهم بالسلاطين)
🔻مغالطة تتعلق بالمذاهب الفقهية🔺
📌 [تغريدة مطولة]
يتساءل بعض الناس بجهل عن (سبب وجود الخلافات بين المذاهب الفقهية) في الأحكام الشرعية، ممثلا على ذلك بالخلاف في (موضع اليدين) عند القيام في الصلاة.
وهذا سؤال مشروع ولا شك، لكن صاحبه - وبدلا من البحث عن جواب علمي لسؤاله -، انتقل مباشرة إلى الادعاء أن سبب الخلافات كون الدين (لعبة بمفهوم هذه المذاهب الدينية) حسب تعبيره!
⚠️ وبادئ ذي بدء فإنني أتعجب كثيرًا ممن يعيب على أئمة المذاهب (عدم مشاهدتهم لرسول الله ﷺ في صلاته)، ثم هو يستشهد بحديث نبوي (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهو لم يسمع الرسول ﷺ بنفسه!
⚠️ وينادي بضرورة مراعاة (ثقافة الاختلاف)، ثم هو يعيب على مخالفيه (وجود خلاف علمي بينهم)!
⛔️ فهل (يأمر الناس بالبر وينسى نفسه)؟!
أم أن (الدين لعبة) بمفهومه هو أيضًا كما اتهم مخالفيه؟!
🔸وقبل أن أجيب عن سؤال (سبب وجود الخلاف بين المذاهب الفقهية)، أود ابتداء توضيح (3) مسائل علمية أدى جهله بها إلى وقوع مغالطات علمية في سؤاله هذا:
1️⃣ اختلاف العلماء في (موضع اليدين عند القيام في الصلاة) ليس اختلاف تضاد!
فعلماء المذاهب الأربعة يتفقون على (صحة صلاة المصلي) أيا كان موضع يديه عند قيامه في الصلاة، واختلافهم في هذا الباب إنما هو من باب تحديد الأفضل للمصلي لا غير.
⚠️ فاعتبار خلافهم في هذه المسألة دليلا على تعارض الأحكام الفقهية بين المذاهب جهل بواقع المسألة المتكلم عنها هنا.
2️⃣ رؤية النبي ﷺ يصلي لا تكفي (فقهيا) لتحديد أركان الصلاة وواجباتها وسننها:
فبعض ما فعله النبي ﷺ في صلاته ركن، وبعضه واجب، وبعضه سنة، وبعضه مباح.
⚠️ ولا يقول عاقل - فضلًا عن عالم - إن كل أفعال النبي ﷺ في صلاته على درجة واحدة، وإلا لقلنا - مثلا - بوجوب أن يكون مقدار الوقت المستغرق في كل صلاة هو ذات الوقت الذي استغرقه النبي ﷺ في صلاته (بالثواني) بحجة أنه قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي)!
وفي هذه المسألة تحديدا رويت عن النبي ﷺ عدة أحاديث (قولية وفعلية) تتعلق بموضع اليدين عند القيام في الصلاة، واختلاف العلماء في الموضع الأفضل للمصلي إنما هو بسبب اختلافهم في نظرهم إلى نصوص الباب وتكييفها فقهيا.
ووقوع الخلاف بينهم في مثل هذا ليس عيبًا فيهم، إنما هو عيب فيمن لم يفهم صنيعهم واستدلالهم وحقيقته.
3️⃣ فقه أصحاب المذاهب الأربعة لم ينزل عليهم من السماء!
توزع علماء الصحابة بين البلدان، ونقلوا ما تعلموه من النبي ﷺ وما استنبطوه من نصوص القرآن والسنة إلى من بعدهم من علماء التابعين، ونقله هؤلاء إلى من بعدهم من علماء أتباع التابعين، وهكذا وصل علم النبي ﷺ وفقه الصحابة الذين شاهدوه لنصوص الشريعة إلى علماء المذاهب الأربعة:
- فمذهب أبي حنيفة مستقى ابتداء من فقه علي ابن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهما من علماء الصحابة في العراق.
- ومذهب مالك مستقى ابتداء من فقه زيد بن ثابت وأبي بن كعب وابن عمر وغيرهم من علماء الصحابة في المدينة.
- ومذهب الشافعي مستقى ابتداء من فقه ابن عباس وغيره من علماء الصحابة في مكة.
- ومذهب الإمام أحمد مستقى مما تلقاه عن تلاميذ أبي حنيفة ومالك وما تلقاه بنفسه من الشافعي.
⚠️فاعتبار المذاهب الفقهية شيئا مختلفا عن علم الصحابة الذين رأوا النبي ﷺ جهل بواقع الفقه الشرعي وطريقة نقله.
🔹️ وأما بخصوص (سبب وقوع الخلاف بين علماء المذاهب الفقهية) فألخصه في التالي:
أصول الأدلة الشرعية عند علماء المسلمين أربعة/
1️⃣ القرآن الكريم
(ويقع الخلاف بين العلماء في مدلول آياته إذا كانت ظنية الدلالة)
2️⃣ السنة النبوية
(ويقع الخلاف بين العلماء في:
- ثبوت الحديث غير القطعي منه
- دلالة الحديث ظني الدلالة منه)
3️⃣ الإجماع
(ويقع الخلاف بين العلماء في تحققه بشرطه)
4️⃣ القياس على نصوص القرآن والسنة
(ويقع الخلاف بين العلماء في تحقق شروط القياس الصحيح فيه)
■ وخلاف العلماء في هذه المسائل الدقيقة من العلم الشرعي شبيه باختلاف العلماء في كل علم من علوم الدنيا فيه، فمامن علم إلا ولأهله المتخصصين فيه خلاف في بعض تفاصيله.
⚠️فلماذا يُعتبر خلاف علماء الشريعة (عيبا) يدل على أن (الدين بمفهومهم لعبة)، ولا يُعتبر خلاف بقية العلماء في كل الفنون المختلفة عيبا فيهم وفي علومهم؟!
في كتاب سراج الملوكة لأبي بكر محمد بن محمد ابن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (ت 520هـ) قال في(ص 409) من مقولات العجم قديماً:
"أسدُ يقود ألف ثعلب خيرٌ من ثعلبٍ يقود ألف أسد"