ما أقبح الرجل يتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فنا واحدا
قال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٣٤٩/١٣:
أخبرنا الحسين بن محمد أخو الخلال حدثنا الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس بالري أخبرنا عبد الله بن محمد الإيجي حدثنا محمد بن الحسن الأزدي أخبرنا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني قال:
ورد علينا عامل من أهل الكوفة لم أر في عمال السلطان بالبصرة أبرع منه، فدخلت مسلما عليه، فقال لي: يا سجستاني من علماؤكم بالبصرة؟
قلت: الزيادي أعلمنا بعلم الأصمعي،
والمازني أعلمنا بالنحو،
وهلال الراي أفقهنا،
والشاذكوني من أعلمنا بالحديث،
وأنا -رحمك الله- أنسب إلى علم القرآن،
وابن الكلبي من أكتبنا للشروط،
قال: فقال لكاتبه: إذا كان غد فاجمعهم إلي،
قال: فجمعنا، فقال: أيكم المازني؟
قال أبو عثمان: هأنذا -يرحمك الله- قال: هل يجزئ في كفارة الظهار عتق عبد أعور؟
فقال المازني: لست صاحب فقه -رحمك الله- أنا صاحب عربية،
فقال يا زيادي: كيف يكتب بين رجل وامرأة خالعها على الثلث من صداقها؟
قال: ليس هذا من علمي هذا من علم هلال الرأي،
قال يا هلال: كم أسند ابن عون عن الحسن؟
قال: ليس هذا من علمي هذا من علم الشاذكوني،
قال: يا شاذكوني من قرأ (تثنوني صدورهم)؟
قال: ليس هذا من علمي هذا من علم أبي حاتم،
قال يا أبا حاتم: كيف تكتب كتابا إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة، وما أصابهم في الثمرة، وتسأله لهم النظر والنظرة؟
قال: لست -رحمك الله- صاحب بلاغة، وكتابه أنا صاحب قرآن،
فقال:
ما أقبح الرجل يتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فنا واحدا، حتى إذا سئل عن غيره؛ لم يَجُل فيه ولم يمر، ولكن عالمنا -بالكوفة- الكسائي؛ لو سئل عن كل هذا لأجاب».
ورواها أبو أحمد العسكري في «المصون في الأدب» ص١٢٣ من طريق أبي حاتم، وعنده: «قدم علينا محمد بن مسلم الكوفي عاملا في الخراج والصدقات..».
وانظر إن شئت 👇 ففيه زيادة، ونقول عن جماعة من أهل العلم في هذا الباب.
https://t.co/jwTXYBHIFO
قال الماوردي: «وربما امتنع الإنسان من طلب العلم لكبَره وعلو سنه، واستحيا من تقصيره في صغره أن يتعلم في كبره.
فرضي بالجهل أن يكون موسوما به وآثره على العلم أن يصير مبتدئا به!
وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل؛ لأن العلم إذا كان فضيلة؛ فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى، والابتداء بالفضيلة فضيلة؛ ولأن يكون شيخا متعلما؛ أولى من أن يكون شيخا جاهلا».
«أدب الدنيا والدين» ص٨٠.
فهذا شيء عجيب!
ومن صوره: أن بعض من الآباء يشجع أولاده على حفظ القرآن ويبذل جهدا حسنا في ذلك، لكنه معرض عن الحفظ، وكأنه أمر مختص بالأطفال والشباب!
ولو بذل جهدا؛ لحفظ، وصارت قراءته حفظا وتعلما، فتعظم غنيمته، ويتضاعف ثوابه.
لماذا يزهد في العلم النافع؟
العلم النافع من أفضل الأعمال الصالحة،
قال الإمام سفيان الثوري: «ما أعلم عملا أفضل من طلب العلم وحفظه؛ لمن أراد اللهَ به». رواه الدارمي (٣٤٩).
وقال الإمام الشافعي: «ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم، قيل له: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل».
«المدخل إلى السنن الكبرى» (١٥٨١).
وقيل للإمام أحمد: «يطلب الرجل الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به؟ قال: العلم لا يعدله شيء».
«مسائل ابن هانئ» (١٩٣١)
فلا تقل فات وقته وكبرت والعلم واسع؛ فهذا من تثبيط الشيطان.
اطلب العلم ولو لم تتعلم إلا القليل، فأنت على خير كبير.
وقد تيسرت طرق تحصيله تيسرا لم يحصل من قبل..
لكن أين المتعلم؟!
وأول العلم وأعلاه وأفضله حفظ القرآن وفهمه.. فلم لا تحفظ؟
وفي الشبكة دروس في التفسير والفقه والحديث.. فعود نفسك على السماع المنتظم..
واسأل وابحث عما أشكل عليك.
ودع بعض ما لا تفهم ولا يعيقك عن الاستمرار..
فكثير ممن لا يُفهم لا يضرك عدم فهمه الآن.
اقرأ كتابا في التفسير أو الحديث أو الفقه؛ فستنال بذلك فضلا عظيما، وعلما نافعا..
«لا تقل قد ذهبت أربابه .. كل من سار على الدرب وصل»
أفيترك هذا الخير والفضل، وتهدر الأوقات ويبدد العمر، في متابعة ما لا نفع فيه أو ما يضر!
أي نعيم وفضل وأجر حرمه من ترك القراءة النافعة؟!
كيف يزيد علمه وإدراكه وتصوره، وهو في معزل عن تراث الأئمة، وكتب الإسلام، ويكتفي بفتات وسائل الأعلام والتواصل؟!
اللهم إنا نعوذ بك من ضياع العمر بلا نفع، ومن علم لا ينفع!
خيبة المقلد!
قال ابن تيمية: «ولهذا كان عبد الله بن الحكم يقول لابنه محمد: يا بني الزم هذا الرجل [الشافعي]؛ فإنه صاحب حجج، فما بينك وبين أن تقول: قال ابن القاسم؛ فيضحك منك إلا أن تخرج من مصر.
قال محمد: فلما صرت إلى العراق جلست إلى حلقة فيها ابن أبي دواد، فقلت: قال ابن القاسم، فقال: ومن ابن القاسم؟!
فقلت: رجل مفت يقول من مصر إلى أقصى الغرب -وأظنه قال: قلت: رحم الله أبي-.
وكان مقصود أبيه: اطلب الحجة لقول أصحابك ولا تتبع، فالتقليد إنما يقبل حيث يعظَّم المقلد، بخلاف الحجة؛ فإنها تقبل في كل مكان».
«مجموع الفتاوى» ٣٣٠/٢٠- ٣٣٣ «صحة مذهب أهل المدينة».
وقال الماوردي: «ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلا يناظر في مجلس حَفْل، وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة؛
فكان جوابه عنها أن قال: هذه دلالة فاسدة، ووجه فسادها: أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره الشيخ؛ فلا خير فيه!
فأمسك عنه المستدل تعجبا؛ لأن شيخه كان محتشما، وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل ما رأى هذا الجاهل.
ثم أقبل المستدل عليَّ وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله!
وصار سائر الناس المبرئين من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب، ومستعيذ بالله من جهل مُغرِب».
«أدب الدنيا والدين» ص١٢١.
وقال ابن القيم -وقد أقام مناظرة ضخمة-: «ولا ينفع في هذا المقام: قاعدة المذهب كيت وكيت، وقطع به جمهور من الأصحاب، وتحصل لنا في المسألة كذا وكذا وجها، وصحح هذا القول خمسة عشر، وصحح الآخر سبعة.
وإن علا نسب علمه؛ قال: «نص عليه»؛ فانقطع النزاع، ولُزَّ ذلك النص في قَرَن الإجماع!(١)».
«إعلام الموقعين» ١٤٣/٢.
ــــــــــــــــــــ
(١) ينظر لقول جرير في عدي بن الرقاع:
وابن اللَّبون إذا ما لزَّ في قَرَن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس.
الغفلة عن المعنى!
قال ابن تيمية: «تجده يذم القول وقائله بعبارة، ويقبله بعبارة!
ويقرأ كتب التفسير والفقه وشروح الحديث، وفيها تلك المقالات التي كان يذمها؛ فيقبلها من أشخاص أخر يحسن الظن بهم، وقد ذكروها بعبارة أخرى، أو في ضمن تفسير آية أو حديث أو غير ذلك.
وهذا مما يوجد كثيرا، والسالم من سلمه الله.
حتى أن كثيرا من هؤلاء يعظم أئمة، ويذم أقوالا، قد يلعن قائلها أو يكفره، وقد قالها أولئك الأئمة الذين يعظمهم! ولو علم أنهم قالوها؛ لما لعن القائل، وكثير منها يكون قد قاله النبي ﷺ، وهو لا يعرف ذلك!».
«منهاج السنة» ٢٨٠/٥.
وقال ابن القيم: «وأكثر العقول -كما عهدت- تقبل القول بعبارة، وترده بعينه بعبارة أخرى»!
«الصواعق المرسلة» ٥٨٨/١.
وقال ابن القيم: «وإذا تأمل العاقل الفطن هذا القدر وتدبره؛ رأى أكثر الناس يقبل المذهب والمقالة بلفظ، ويردها بعينها بلفظ آخر!
وقد رأيت أنا من هذا في كتب الناس ما شاء الله».
«مفتاح دار السعادة» ٣٩٦/١.
وقال ابن القيم:
والناس أكثرهم فأهل ظواهر ... تبدو لهم، ليسوا بأهل معان..
والناس أكثرهم بسجن اللفظ محـ ... ـبوسون، خوف معرة السجان
والكل -إلا الفرد- يقبل مذهبا ... في قالب، ويرده في ثان!
«النونية» ١٨٢و ٣٧٢١و٣٧٢٢.
وقد زاد البلاء مع هذا الوسائل، وسرعة التصفح والعجلة.. فالفهمَ الفهمَ!
وقال الماوردي: «قال رسول الله ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». [رواه البخاري].
ونحن نستعيذ بالله من أن نغبن فضل نعمته علينا، ونجهل نفع إحسانه إلينا.
وقد قيل في منثور الحكم: «من الفراغ تكون الصبوة».
وقال بعض البلغاء: «من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثَّله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه؛ فقد عق يومه، وظلم نفسه».
وقال بعض الشعراء:
لقد هاج الفراغ عليك شغلا ... وأسباب البلاء من الفراغ».
«أدب الدنيا والدين» ص١٠٠.
خطر الفراغ
قال الله تبارك وتعالى: {فإذا فرغت فانصب}.
قال أبو القاسم: «قعود الرجل فارغًا من غير شغل، أو اشتغاله بما لا يعينه في دينه أو دنياه؛ مِن سفه الرأي، وسخافة العقل، واستيلاء الغفلة».
«الكشاف مع حاشيته فتوح الغيب» 16/502
ومن أصبح طيب النفس؛ انشرح صدره وطاب يومه، وسهل عليه الذكر، وطلاقة الوجه بالتبسم.
قال النبي ﷺ: «لاتحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». رواه مسلم.
هذا نموذج لطيف لما يظنه كثير من الناظرين في العلم:
أن الأمر لا يخلو من كذا أو كذا.. ثم يبني الحكم بناء على حصره.
وغاية الأمر قصور نظره في الحصر، أو عن مراد المتكلم!
وهذا كثير جدا عند ابن حزم ومن تبعه.
قال أبو عبيدة: «قال رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق.
فالخطوط مؤنثة والسواد والبلق اثنان،
ثم قال:
كأنه في الجلد توليع البهق
قال أبو عبيدة فقلت لرؤبة: إن كانت (خطوط) فقل: كأنها،
وإن كان (سواد وبلق) فقل: كأنهما.
فقال: كأن ذاك -ويلك- توليع البهق».
«مجاز القرآن» ٤٣/٢.
هذا نموذج لطيف، لما يظنه كثير من الناظرين في العلم:
أن الأمر لا يخلو من كذا وكذا.. ثم يبني الحكم بناء على حصره.
وغاية الأمر قصور نظره في الحصر، أو عن مراد المتكلم!
وهذا كثير جدا عند ابن حزم ومن تبعه.
مرحبا وأهلا، لعلك لم تنتبه لسياق كلامه؛
فهو من مناظرة مطولة جدا أقامها في المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وذكر هذه الكلمة في حجج من فضل الغني تحت باب: في ذكر ما احتجت به الأغنياء..
أما كلامه هنا فمفصل مقرر لهذا، وليس مثله من يقع في هذا الفهم السقيم.
وسبق التحذير من مزلق الخطأ في النقول المطولة👇
https://t.co/QwcllqYDZY
الفهم السقيم للنصوص
بعض الناس يفهم النصوص بطريقة سطحية، ثم يقيس عليها أمورا أخرى، كما يحدث كثيرا في قصة البغي التي سقت كلبا، فيظن أن هذا العمل بمجرده سبب كفير الكبائر!
فتجده يقول: إذا كان غُفر لبغي بسقيا كلب؛ فكيف بسقيا إنسان؟
ولكي يفهم الحديث على وجهه؛
انظر ما قال العلامة ابن القيم رحمه الله:
«الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب= فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض..»
ثم مثّل لذلك بقصة البغي التي سقت كلبا
فقال:
«وقريب من هذا: ما قام بقلب البغي التي رأت ذلك الكلب، وقد اشتد به العطش، يأكل الثرى؛ فقام بقلبها ذلك الوقت،
مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بفعلها؛
ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر،
وملء الماء في خفها -ولم تعبأ بتعرضه للتلف-،
وحملها له بفيها -وهو ملآن- حتى أمكنها الرقي في البئر،
ثم تواضعها لهذا المخلوق، الذي جرت عادة الناس بضربه وطرده،
فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب، من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا؛
فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء؛ فغفر لها.
فهكذا حال الأعمال والعمال عند الله..».
«مدارج السالكين» ١ /٥١٠-٥١٢.
وقد قرر هذا المعنى الذي شرحه ابن القيم شيخ الإسلام ابن تيمية في:
«الفتاوى» ٤٨٨/٧، و٧٣٥/١٠، و«منهاج السنة» ٢١٩/٦.
مرحبا وأهلا، لعلك لم تنتبه لسياق كلامه؛
فهو من مناظرة مطولة جدا أقامها في المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وذكر هذه الكلمة في حجج من فضل الغني تحت باب: في ذكر ما احتجت به الأغنياء..
أما كلامه هنا فمفصل مقرر لهذا، وليس مثله من يقع في هذا الفهم السقيم.
وسبق التحذير من مزلق الخطأ في النقول المطولة👇
https://t.co/QwcllqYDZY
@assdais بوركتم فضيلة الشيخ.
ابن القيم نفسه استخدم هذه المقارنة المشتملة على الترغيب المذكور:
حيث يقول كما في عدة الصابرين:
(وإذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى العطاش وأشبع الجياع وكسى العراة من المسلمين؟)
وقال الماوردي: «على أن العلم عوض من كل لذة، ومغن عن كل شهوة.
ومن كان صادق النية فيه؛ لم يكن له همة فيما يجد بدا منه».
«أدب الدنيا والدين» ص١٤٣.
سل الله أن يحببه إليك؛ فإن طلبه من معالي الأمور، وأجل القربات.
وقال ابن الجوزي: «ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره.
ومن ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب! وقد فُقِد التفقد لهم من الأمراء، ومن الإخوان، ولازمهم الفقر!
والفضائل ينادى عليها {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا}،
فلما أجابت مرارة الابتلاء قالت:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا».
وقال: «أيها العالم الفقير أيسرك ملك سلطان من السلاطين، وإن ما تعلمه من العلم لا تعلمه؟
كلا، ما أظن المتيقظ يؤثر هذا، ثم أنت إذا وقع لك خاطر مستحسن، أو معنى عجيب؛ تجد لذة لا يجدها ملتذ باللذات الحسية، فقد حرم من رزق اللذات الحسية ما قد رزقت.
وقد شاركتهم في قوام العيش، ولم يبق إلا الفضول التي إذا حذفت؛ لم تكد تضر.
ثم هي على المخاطرة في باب الآخرة غالبا، وأنت على السلامة في الأغلب.
فتلمح يا أخي عواقب الأحوال، واقمع الكسل المثبط عن الفضائل.
واعلم أن الفضائل لا تنال بالهوينى، فبارك الله لأهل الدنيا في دنياهم، فنحن الأغنياء، وهم الفقراء..
وقال: «مثل المحب للعلم مثل العاشق؛ فإن العاشق يهتم بمحبوبه، ويهيم به.
وكذلك المحب للعلم، فكما أن العاشق يبيع أملاكه وينفقها على معشوقه فيفتقر، كذلك محب العلم؛ فإنه يستغرق في طلبه العمر فيذهب ماله، ولا يتفرغ للكسب فإذا احتاج دخل في مداخل صعبة!
-إلى أن قال-
فأولى الناس بحفظ المال، وتنمية اليسير منه والقناعة بقليله توفيرا لحفظ الدين والجاه والسلامة من منن العوام الأراذل العالم الذي فيه دين، وله أنفة من الذل. .
هذه قطعة من هذا الموضوع في الرابط 👇في أرشيف ملتقى الحديث
وفيه فوائد جمة، ونقول نفيسة، وتوجيهات نافعة لطالب العلم.
جاء ذكر قصة ابن دقيق العيد مع الشرح الكبير للرافعي، أمس في مجلس؛ فتذكرته
https://t.co/ozihvj41bk
تأمل هذا السبر لحال العلم وقارنه بالحاصل!
قال الجاحظ: «وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يرو أشعار المجانين، ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة؛ فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة.
ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفِقر والنتف من كل شيء.
ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب؛ فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب.
ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتياني متغزل.
وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن نجيم، وأبي مالك عمرو ابن كركرة -مع من جالست من رواة البغداديين- فما رأيت أحدا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله.
ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب.
ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الإستخراج.
ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل.
ورأيت عامتهم -فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني.
ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكُتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر.
ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه، ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر، وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيدا، لمكان أعراقهم من أولئك الآباء(١).
ولولا أن أكون عيابا ثَم للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة»!
«البيان والتبيين» ٢٣/٤.
ــــــــــــــــــــ
(١) مبالغة في الحط منهم ومن شعرهم، حتى إنه ليستبعد أن يوجد لهم ولد يقول شعرا جيدا لوراثته منهم رداءة الطبع!